أميرة فكري - القاهرة " وكالة أخبار المرأة "

أحدث التعداد السكاني الأخير في مصر لعام 2017، ضجة كبيرة، مع الإعلان عن وجود آلاف الفتيات تزوجن وهن في سن الثانية عشرة، بينهن مطلقات وأرامل الآن، ما تسبب في صدمة كبيرة لجهات تنفيذية وتشريعية حول طريقة اختراق القانون الذي يمنع الزواج لمن هن دون سن الـ 18 عاما.
وتبيّن للحكومة والبرلمان أن أحد الأسباب الرئيسية لمسألة الأمومة المبكرة، هو المأذون الشرعي الذي يقوم بالتلاعب بالأوراق، بعقد القران كزواج عرفي وتوثيقه عند بلوغ الفتاة الـ18 عاما، أو بتزوير تاريخ الميلاد بالتعاون مع موظفي مكاتب الصحة.
ووضعت الحكومة قانونا جديدا لتنظيم عمل المأذونين، من المنتظر أن يوافق عليه البرلمان خلال أيام، في ظل مطالبة الرئيس عبدالفتاح السيسي بضرورة سن تشريع صارم يحظر زواج الأطفال وغلق الثغرات الموجودة في القوانين الماضية.
ويتكون مشروع قانون المأذونين الجديد من مادتين؛ الأولى “حظر قيام المأذون بمباشرة عقد الزواج أو المصادقة عليه ما لم تكن سن الزوجين 18 عاما وقت عقد القران”، والثانية تحديد سبيل تعرف المأذون على بلوغ أحد الزوجين السن القانونية وهي بطاقة الرقم القومي أو جواز السفر ومنع الاعتماد أو قبول أيّ شهادة طبية لتجديد السن لأي من الزوجين.
وقال أحمد عماد الدين وزير الصحة، في تصريحات صحافية، إنه بجانب التشريع الجديد للمأذونين، سوف تقوم الحكومة بتعديل مادتين في قانون الإجراءات الجنائية لوضع عقوبة غليظة على المأذون الذي يعقد قرانا أو يوثق عقد زواج لمن هم دون الثامنة عشرة.
ويرى متابعون للأزمة أن إلزام المأذون بتوثيق عقد الزواج من خلال بطاقة الهوية أو جواز السفر، يغلق أهم ثغرة كان ينفذ منها البعض، وهي الشهادات الطبية التي كانت تتم عن طريقها زيادة سن الفتيات بالاتفاق مع موظفي قطاع الصحة والأحوال المدنية، لتسجيل أبناء الفتاة التي تزوجت قبل 18 عاما والتعجيل بتوثيق عقد الزواج.
ألقى الخبراء أسباب انتشار ظاهرة زواج الأطفال على عاتق الأسر الفقيرة التي ترى في زواج فتياتها حلا لفقر الأسرة، لكن كل أصابع الاتهام أصبحت تتجه نحو المأذون الشرعي، خاصة المقيمين منهم في الأقاليم، بالتسبب المباشر في تفاقم الأزمة.
ويقول مختار “م”، وهو مأذون شرعي بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة) إن “الأمومة المبكرة منتشرة بشدة بين الأسر الفقيرة وفي المناطق الريفية والشعبية والصعيد، لأن الأسرة تنتظر بلوغ الفتاة في أسرع وقت حتى تقوم بتزويجها والتخلص من أعبائها المادية، نظرا للظروف المعيشية الصعبة، والاعتقاد بأن زواجها يخفف من الأعباء الواقعة عليها”.
واعترف  بأن المأذون الشرعي المعادلة الأهم في الزواج المبكر وتحول الطفلة إلى أم في سن صغيرة، ويقوم بكتابة 3 نسخ زواج عرفي تسلم واحدة لكل من العائلتين كإثبات زيجة، والثالثة مع المأذون نظير مبلغ مالي يتحصل عليه من أسرة العريس.
ويتم زواج القاصرات بالتراضي بين العائلتين، ولا يتم تسجيل الزواج رسميا قبل بلوغ السن القانونية للفتاة، لأنه في الغالب يكون الشاب قد تجاوز هذه السن.
وأوضح أنه “لضمان حقوق الفتاة، يقوم المأذون بإجبار الشاب ووالده على التوقيع على شيك بنكي بمبلغ مالي كبير يسلم إلى والد العروس كضمانة لعدم هروبه أو تنصله من الزواج بها، أو عدم الاعتراف بالأبناء، وفي حال عدم الطلاق قبل بلوغ السن القانونية يتم تسجيل الزواج رسميا من خلال
نفس المأذون في دفاتر السجل المدني للمحاكم، وتعترف الجهات الرسمية بهذا الزواج ويحصل الزوج والزوجة على وثيقة رسمية”.
وتنفجر الأزمة عند إنجاب أبناء قبل بلوغ السن القانونية للفتاة، وعدم توثيق عقد الزواج، لأن التسجيل يحتاج وثيقة رسمية، وهنا تلجأ الكثير من الأسر إلى المعارف والوساطات ودفع الأموال لموظفي الصحة لتسجيل الأبناء بشكل سري، إلى حين إبرام العقد رسميا ثم تسليمهم (مكاتب الصحة) نسخة، وهذا يحدث كثيرا لأن العاملين بهذه المكاتب غالبا من نفس القرى.
وينتشر زواج الأطفال بشكل مخيف في القرى والنجوع بمحافظات الصعيد والدلتا في مصر، بمجرد بلوغ الفتاة عمر الـ12 أو الـ13 عاما، لكن دون توثيقه قانونيا، ويتم بموافقة أولياء أمور الأطفال وفي بعض الأحيان جبرا، أملا في حصول والد الطفلة على مقابل مادي جيد.
وحسب الواقع، فإن زواج الفتاة الأقل من 18 عاما، يكون عرفيا بالأساس، وبالتراضي بين أسرتي الشاب والفتاة (الطفلة)، وفي حال طلاق الفتاة قبل هذه السن أو هروب الزوج والتنصل من الزيجة، فإن جميع حقوقها تكون مهدرة، لعدم وجود ما يثبت أن هذا الشاب كان زوجا لها وغياب عقد زواج شرعي موثق يثبت لها حقوقها.
وأرجع مقرر المجلس القومي للسكان بوزارة الصحة طارق توفيق أسباب زواج الأطفال إلى فقر الأسرة بكافة أبعاده الاقتصادية والتعليمية والثقافية، وتلجأ الأسرة إلى التخلص من عبء بناتها بالزواج مع زيادة عددهن واقتصار دورهن على أعمال المنزل وليس الأعمال المنتجة اقتصاديا، ويفضل الآباء المسارعة في تزويجهن خوفا من العنوسة أو الانحراف.
ويزعم الأهالي الذين يقبلون تزويج الأطفال أن ذلك أفضل من التعليم، لأن هذه الأفكار مبنية بالأساس على عادات وتقاليد ترى أن الزواج يحمي سمعة الفتاة، وعدم زواجها مبكرا يعني التشكيك في سلوكها، وهناك فريق آخر يرى أن زواج الفتيات في سن صغيرة هو الحل الاقتصادي والاجتماعي المتاح لديهن.
وكشفت دراسة بحثية أجرتها مؤسسة “تنمية المرأة” مؤخرا، أن أكثرية الفتيات اللاتي تزوجن قبل بلوغ السن القانونية، غير راضيات عن حياتهن الزوجية، ويعشن أياما عصيبة خشية الطلاق أو تنصل الأزواج منهن قبل تسجيل العقود الرسمية، لكنهن مضطرات إلى قبول هذا الوضع لعدم تصنيفهن كعاصيات لأسرهن، وما قد يترتب على ذلك من نتائج سلبية لمستقبلهن.
وترى الباحثة الحقوقية في مجال المرأة سوسن مصطفى أن “أي حلول قانونية مطاطة لأزمة الأمومة المبكرة سوف يتم التحايل عليها، وتضييق الخناق على المأذون الشرعي من شأنه وقف الأمومة المبكرة ومنع تفاقم الظاهرة، وكان يستلزم اتخاذ إجراءات صارمة من الحكومة والبرلمان لغلق الثغرات التي ينفذ منها”.
وأضافت، “لا بد من محاسبة شيوخ الجماعة السلفية الذين يروجون لفكرة الزواج المبكر لحماية الفتيات من الانحراف، لأن الأسر الفقيرة تصدق هؤلاء الدعاة، لأنهم متدينون بالفطرة، فضلا عن تغليظ العقوبة على الآباء الذين يوافقون على زواج القاصرات واعتبار أن هذا الفعل يضاهي الاتجار بالبشر”.