" وكالة أخبار المرأة "

تزايد قرارات حظر البرقع والنقاب وحتى الحجاب في الكثير من الدول الأوروبية، يعيد طرح نفس الأسئلة المتعلقة بالجدل القائم حول الحريات الشخصية والخصوصيات الثقافية من ناحية، والضرورات الأمنية والطبيعة المجتمعية من الناحية المقابلة، لكنه يحيل إلى نقاش أكثر تعقيدا وإشكالية، وهو فكرة الاندماج ومدى تأثرها سلبا أو إيجابا بهذه القرارات التي أخذت طابعا قانونيا ورسميا معمولا به في العديد من البلدان الأوروبية.
تجدر الإشارة إلى أن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية أيدت القانونين الفرنسي والهولندي لحظر البرقع على أراضيهما منذ عدة سنوات. ومن جهته حظر القضاء النمساوي ارتداء النقاب في الأماكن العامة، وذلك بعد أيام من إقرار برلمان البلاد مشروع قانون يحظر ارتداءه في الأماكن العامة بدأ سريانه هذا الشهر، وقالت المحكمة إن “الحظر يسعى لترسيخ مفهوم العيش المشترك وحماية حقوق وحريات الآخرين”.
يذكر أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تعد محكمة دولية وقد أنشئت عام 1959 وتنظر في القضايا التي يرفعها أفراد أو حكومات بدعوى انتهاك حقوقهم المدنية والسياسية المنصوص عليها في ميثاق حقوق الإنسان الأوروبية.
دائرة حظر النقاب تتسع في أوروبا، ولم تعد مطلبا يخص الأوساط اليمينية أو الحركات المتطرفة فأمس الاثنين، طالب الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الشقيق الأصغر لحزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بحظر النقاب في ألمانيا على غرار النمسا، فهل يساعد حظر النقاب على اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية، ويلغي الفوارق المعلنة في الشارع والمؤسسات، ويقلل من تحرشات المنتمين للحركات العنصرية ضد النساء المنقبات أم يزيد من تعنت المتشددين من المسلمين بذريعة الدفاع عن خصوصياتهم الدينية والثقافية؟
المتابع للأحداث والوقائع المتعلقة بردات الفعل الاجتماعية من هذا الطرف أو نقيضه، يلحظ أن التشدد يصدر من غلاة المنادين بحظر النقاب كما يصدر من غلاة المدافعين عن النقاب بل وحتى من المنقبات على غير المنقبات من المسلمات، إذ أفادت مصادر صحافية ألمانية أن امرأة منقبة هاجمت بائعة في متجر صغير للملابس الداخلية في العاصمة برلين. وبحسب بيانات الشرطة فإن الزائرة المنقبة اعتدت على البائعة في المتجر بحي نويكولن، الذي تقطنه نسبة كبيرة من المسلمين وخصوصا الأتراك، وذلك بسبب استيائها من عرض ملابس داخلية مع أغطية للرأس في واجهة العرض.
النخب الثقافية والسياسية في العالم العربي أبدت مواقف متباينة من موضوع تزايد قرارات حظر النقاب في أوروبا، وإن أجمعت النسبة الأكبر على ضرورة الاندماج ونبذ التطرف والمغالاة، لكنها أبدت تخوفها من ردات الفعل التي من شأنها أن تنزلق نحو التطرف على سبيل المناكفة وتحت ذريعة الدفاع عن الخصوصية مما جعل الجميع يمسك بالعصا من الوسط متسلحا بقيم حقوقية دون أن يهمل الضرورات والتدابير الوقائية في معالجة المسألة الأمنية.
المشكلة هي أن النقاب يطرح معضلة قانونية تتمثل في إخفاء ملامح الوجه أمام السلطات الأمنية والدوائر الرسمية، مما يجعله بمثابة التزوير والمغالطة والتستر على جريمة محتملة أو مفترضة وفق منطق فقهاء القانون الذين لا تعنيهم الرمزية الدينية أو الخصوصية الثقافية للنقاب بقدر ما تعنيهم النصوص التشريعية التي تنظم علاقة الفرد بالمجتمع والدولة.
المعادلة الأصعب في قضية النقاب بين الحظر والسماح، هي أن الدولة تغلّب الحجة الوقائية الأمنية على حساب الحرية الفردية كما شدد القضاة على أن إخفاء الوجه في الأماكن العامة يعتبر “مخالفة مختلطة” في القانون، مما يعني أنها ضمن صلاحيات الإجراءات الجنائية والإدارية معا، وهو ما يتيح للدولة هامشا أكبر عند اتخاذ القرار في العقوبات المخصصة لذلك.
أما عن تفاعل الجهات والمنظمات العربية والإسلامية في هذا الشأن فإن رابطة العالم الإسلامي، قالت في تغريدة لها على تويتر “إن على المسلم احترام دساتير وقوانين وثقافة البلدان التي يعيش فيها كما هو عهده عندما دخلها، وعليه المطالبة بخصوصيته كالحجاب وفق المتاح قانونا”، وتفهمت حكومات بلدان إسلامية هذه القرارات واحترمتها، فقد سبق للسفارة السعودية في النمسا أن أعلمت مواطنيها بصدور إقرار البرلمان النمساوي لقانون الاندماج في ما يتعلق بحظر تغطية الوجه (البرقع والنقاب)، والذي ينص على أن كل من يخفي تقاطيع أو ملامح وجهه في الأماكن العامة معرض لدفع غرامة مالية، وشددت السفارة على المواطنين مراعاة القانون عند زيارة النمسا التي انضمت إلى سويسرا وبلجيكا وبعض المناطق الإسبانية وفرنسا التي كانت أول بلد أوروبي يمنع النقاب في الأماكن العامة.