جدة - " وكالة أخبار المرأة "

 لن تنسى السعوديات تاريخ السادس والعشرين من سبتمبر الماضي. في هذا اليوم توجت مسيرة طويلة ومتعبة للمطالبة بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة. رفع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز قيدا كان نشطاء حقوقيون يعتبرونه رمزا لقمع النساء بإصداره مرسوما ملكيا يرفع عن السعوديات حضر قيادة السيارات اعتبارا من العام المقبل.
ويقدم أنصار الإصلاح هذا القرار باعتباره مكسبا كبيرا لخطط الإصلاح في السعودية، وردا على كل من شكّك أو قلل من جدية الأطروحات الإصلاحية التي تضمّنتها رؤية السعودية 2030، فالبلد المعني بالتغيير هو المملكة العربية السعودية.
لكن، وكما قالت الناشطة السعودية منال الشريف “السعودية لن تبقى كما كانت بعد الآن”، المرأة السعودية لن تحتاج إلى إذن ولي أمرها لاستخراج رخصة القيادة كما أنها لن تحتاج إلى وجود محرم معها في السيارة.
وتعتبر منال الشريف من أشهر الوجوه النسائية التي تحدت تقاليد المجتمع الصارمة عندما قادت سيارتها ونشرت صورها عبر الإنترنت سنة 2011، ضمن تمرد أفضى إلى القبض عليها في ذلك الوقت.
وبمجرد الإعلان عن المرسوم الملكي، الذي جاء في وقت متأخر من يوم السادس والعشرين، لم تنتظر السعوديات طلوع نهار اليوم التالي، وأظهرت تسجيلات مصورة ومنشورة على الإنترنت نساء يقدن سيارات أثناء الليل، بعد وقت قصير من الإعلان.
ووصفت النائبة بمجلس الشورى السعودي هدى الحليسي، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، القرار بأنه “مهم وشجاع”، وتوقعت أن يكون له تأثير كبير في تعزيز دور المرأة في المجتمع السعودي إلى جانب انعكاساته الاقتصادية الإيجابية، وإن لم تستبعد أن تظل هناك بعض الأصوات المعارضة للقرار.
وقالت إن “هذا شيء متوقع وبديهي، فأي شيء في بدايته تكون له معارضة. فعند دخول المرأة السعودية إلى مجلس الشورى كانت هناك معارضة، والآن أصبح وجودها أمرا معتادا”.
ووصفت الباحثة في علم الاجتماع فوزية أبوخالد القرار بـ”الحلم الذي طال انتظاره وتحقق أخيرا بعد كثرة السجال حوله”.
وقالت إن “الاحتفاء المجتمعي بالقرار يفند ما كان يقال بشأن إن المجتمع ليس مستعدا لقبول قيادة المرأة للسيارات، فحتى الرجال يشعرون الآن بأن هناك حملا ثقيلا أزيح عن ظهورهم”.
ويقول الكاتب السعودي عماد المديفر لـ”العرب” إن “قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة كان متوقعا لكونه لا يتعارض مطلقا مع ثوابتنا الدينية وقيمنا الثقافية وتقاليدنا العربية، كما أن الدولة تنظر إليه كحق من حقوق المواطنة السعودية، تمنح لها متى وجد الوعي المجتمعي الكافي. وقد أشار إلى ذلك بوضوح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين قال إننا لن نستمر في حقبة ما بعد عام 1979، في إشارة إلى ما يسمى بفكر الصحوة الإسلامية والتي كان من إرهاصاتها نشر موجات من التشدد والغلو والفكر الرجعي. وحين سُئل الأمير محمد تحديدا عن موضوع قيادة المرأة للسيارة أكد بأنه مسألة وقت لكونه قرار شعبي بالدرجة الأولى. لا سيما وأن لمثل هذا القرار العديد من الفوائد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية علاوة على مواكبته لرؤية السعودية 2030”.
ترحيب عالمي
شارك كل العالم السعوديات فرحتهن بحصولهن على حق قيادة السيارة بأمر ملكي وبتأييد هيئة كبار العلماء السعوديين، وهي أكبر هيئة دينية في المملكة، التي قالت إن قيادة المرأة للسيارة من حيث الأصل “مباحة شرعا”، وذلك في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية للحفاظ على صيانة المرأة واحترامها.
وغرّدت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي “كصديق قديم للمملكة العربية السعودية، أرحب بهذه الخطوة الهامة التي اتخذتها المملكة تجاه المساواة بين الجنسين. إن تمكين النساء في أنحاء العالم ليس مجرد قضية لدي اهتمام بالغ بها، بل إنه كذلك عامل أساسي في التنمية الاقتصادية للأمم. وسوف تواصل المملكة المتحدة العمل بشراكة وثيقة مع السعودية بينما تبني على أسس هذا التقدم وتحقق برنامجها الطموح للإصلاح، رؤية 2030”.
ورحبت منظمة العفو الدولية بالمرسوم ووصفته بأنه “تأخر كثيرا”. وقال المتحدث باسم الحكومة الألمانية شتيفن زايبرت في برلين إن هذه “خطوة كبيرة” تندرج ضمن مبادرات مهمة لتحديث المجتمع السعودي؛ فيما جاء في بيان صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن تدعم هذه الخطوة الإيجابية التي تعني تعميم فرص وحقوق المرأة بالمملكة، مؤكدا أن دعم السعودية في مساعيها لتعزيز اقتصادها والمجتمع ورؤيتها للعام 2030، والتي من بين خططها رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22 بالمئة إلى 30 بالمئة. يأتي هذا القرار بعد أيام قليلة من قرار سمح بدخول السعوديات قبل أيام قليلة ملعب الملك فهد للمرأة الأولى لحضور حفل العيد الوطني السعودي الـ87، وقبل ذلك بأسابيع صدر قرار يقضي بأن التربية البدنية للبنات ستضمّن لأول مرة في البرامج الدراسي. وعشية صدور المرسوم الملكي المتعلق بقيادة المرأة للسيارة، تم تعيين إيمان الغامدي أول سعودية بمنصب مساعد رئيس بلدية، كما عينت السفارة السعودية في واشنطن، فاطمة باعشن، متحدثة رسمية باسمها كأول امرأة تتقلد هذا المنصب في تاريخ الدبلوماسية السعودية.
وقالت كريستين ديوان، الباحثة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، “أعتقد أن الأمير محمد ملتزم بوضع السعودية على سكة جديدة، أقل تزمتا، وأكثر وطنية”.
ويؤكد على ذلك الإعلامي السعودي عوض الفياض بقوله إن “الأمير محمد بن سلمان يفهم المجتمع ولا يقبل المساومة من أي طرف على حساب استراتيجيات الوطن”.
لا شكّ أن مثل هذه القرارات تأتي لترفع من الرصيد الحقوقي للمملكة العربية السعودية وتقطع الطريق على كل من امتهن مهاجمة السعودية بسبب حقوق المرأة وحقوق الإنسان، دون وعي بخصوصية مجتمع مثل المجتمع السعودي وأهمية دولة مركزية في العالم الإسلامي مثل المملكة العربية السعودية.
لكن، وبغض النظر عن التقارير العاطفية والقراءات الحقوقية وبعيدا عن التأويلات المسيّسة، تأتي هذه القرارات كخطوة أولى وضرورية للانتقال إلى مراحل متقدمة من برنامج التحول الوطني 2020 وصولا إلى تحويل كل نقاط رؤية السعودية 2030 إلى أمر واقع. وهو واقع لن يتحقق بمعزل عن إشراك المرأة السعودية التي تشكل اليوم ما يزيد عـن 50 بالمئة مــن إجمالي عـدد الخريجـين الجامعيين.
وتؤكد فوزية أبوخالد أن القرارات الأخيرة في حق المرأة السعودية لها “علاقة بالخط السياسي لقيادة المملكة حاليا، والتي تعمل على تطوير علاقاتها بالمجتمع ككل بما فيها قطاعاته المدنية لجعلها علاقات أكثر شراكة”، ويؤيدها الكاتب السعودي عبدالله الجنيد، الذي يشير في تصريحات لـ”العرب” إلى أن “الكثير ينزلون القرارات الملكية الخاصة بإصلاح أوضاع المرأة السعودية ضمن مساعي السعودية لتحسين صورتها لدى الرأي العام الدولي، لكن في حقيقة الأمر الموضوع استحقاق تنموي وطني بكل أبعاده”.
ويضيف الجنيد أن “التحديات التنموية الاجتماعية وغياب برامج تمكين المرأة من أكبر التحديات التي قد تعيق تحقيق الإصلاحات والانتقال إلى مرحلة اقتصاد ما بعد النفط. رؤية السعودية 2030 ترتكز على تنمية المواطن السعودي لكونه أهم مكونات الثروة الوطنية، وما كان للمجتمع السعودي أن يحتضن مبادئ تلك الرؤية ومكوناتها لولا وجود مشاريع التنمية الاجتماعية وأولها تمكين المرأة”.
مزايا اقتصادية
بحديث الأرقام يكشف رميح بن محمد الرميح، رئيس هيئة النقل العام السعودية (حكومية) أن السماح للمرأة بقيادة السيارة سيوفر للدولة مليارات الريالات كانت تهدر على نفقات النقل التعليمي واستقدام السائقين بتكاليف تشغيلهم المرتفعة. وسبق للمليادير السعودي الوليد بن طلال أن أشار في وقت سابق من العام الجاري إلى أنه يوفر ما قيمته 30 مليار ريال سنويا (8 مليارات دولار)، في حال السماح للمرأة بقيادة السيارة.
وفي مثال سريع على التأثير الاقتصادي لقرار السماح للمرأة بقيادة السيارة ارتفعت أسهم شركات تأجير السيارات والتأمين عليها في سوق الأسهم السعودية، خلال يوم واحد من صدور الإعلان. ويوجد في المملكة حوالي عشرة ملايين امرأة، بما في ذلك من الأجانب، تزيد أعمارهن عن 20 عاما، وحظر القيادة يمنعهن من العمل.
وقال محلل لدى أوبار كابيتال التي مقرها سلطنة عمان “نعتقد أنه جزء فقط من سلسلة من التغييرات التي ستأتي تباعا في الأشهر المقبلة، ونعتقد أيضا أن تلك التغييرات ستكون لها تأثيرات ضخمة على الاقتصاد السعودي وبعض القطاعات على وجه الخصوص مثل البنوك والتأمين وشركات التجزئة”. ومن بين الإصلاحات المتوقعة ضريبة القيمة المضافة التي سيجري تطبيقها في يناير المقبل.
يعتبر الكثير من السعوديين الشبان صعود الأمير محمد بن سلمان دليلا على أن جيلهم بدأ يتبوأ موقعا رئيسيا في قيادة بلد جعلت تقاليده
المحافظة على مدار عقود السلطة حكرا على كبار السن وعرقلت تقدم النساء. ويرى الإعلامي السعودي غازي الحارثي لـ”العرب” أن السعودية تسير باتجاه الانعتاق من سلاسل مجتمعية وتعقيدات تاريخية بعضها أصبح معطلا للتنمية ولأي تغيير ينشده المجتمع”.
قرار تنموي
ويتفق الحارثي مع عدد كبير من السعوديين والسعوديات في كون “قيادة المرأة كانت مشكلة اجتماعية بالأساس وتسبب في تعطيل حلها تيار متشدد، لكن السكوت اليوم ومسايرة ذلك التيار سيكلف باهظا”. لذلك، يقول الإعلامي السعودي عوض الفياض لـ”العرب” إن “القرار يأتي في سياق ورشة الإصلاح التي يقودها الأمير محمد بن سلمان منذ عامين. والقرارات الأخيرة تقطع مع تركة ثقيلة وتنهي تهما غير مقبولة طاردت السعوديين دون مبرر”.
وترفض الكاتبة هالة الناصر تصوير البعض للقرار بأنه محاولة لتجميل صورة المملكة بعد أن طالتها بعض الانتقادات الحقوقية مؤخرا خلفية توقيف بعض الشخصيات… وقالت إن “من يرددون هذا الطرح غير المنصف تناسوا أن المطالبة بالسماح للمرأة بالقيادة قد نوقشت على مدار سنوات بمجلس الشورى بالبلاد”.
وأردفت “لقد كان هناك تدرج في القرار… وأعتقد أن الرؤية الطموحة المستقبلية التي وضعها الأمير محمد بن سلمان كانت بالأساس تستهدف الجميع، الرجال والنساء من السعوديين، أي أن الملك وولي عهده اختصروا وقتا طويلا من معاناة المرأة السعودية وانتصروا لفكر الشباب والتجديد.. وبالتالي ليس من العدل الربط بين هذا الانتصار الذي يسبقه تاريخ نضالي طويل وبين توقيف من كان يعيق الدولة ويعمل ضد صالحها”.
وتؤيد ذات الرأي الكاتبة والمعدة بإذاعة جدة راندا الشيخ حيث قالت “لا علاقة للقرار بالأوضاع السياسية… أرى أن قرار منح المرأة حق قيادة السيارات بدأ التمهيد له منذ عهد العاهل الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي عمل على تمكين المرأة بالسماح لها بدخول مجلس الشورى وعمل على تمكينها في قطاعات العمل الحيوية والكبرى.
ويشير الكاتب السعودي عبدالله العلمي إلى أن المرأة في مجلس الشورى السعودي تبلغ 20 بالمئة، وهي الأعلى عالميا مقارنة بالمجالس المماثلة، كما تشكل المرأة 50 بالمئة من إجمالي مخرجات التعليم الجامعي، وبالتالي يصبح قرار منعها من قيادة السيارة غير معقول خاصة وثبت أن مرئيات من تحفظ على قرار قيادة المرأة يندرج فقط في خانة سد الذرائع (المحتملة) التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن. الأمل الآن هو حل المعضلات الأخرى تدريجياً مثل حق المرأة في الولاية والسفر واستخراج الوثائق الرسمية.
وتشير راندا الشيخ إلى الآثار الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية لهذا القرار “قائلة القرار على الصعيد الاجتماعي ينهي أسطورة أن المرأة فريسة ومعرضة دائما للخطر.. وبالتالي سيعزز هذا ثقتها بنفسها بل وسيدفعها إلى أن تتطلع للمزيد في عملها وتحصيلها الدراسي، فهناك أسر كثيرة يصادف أن أكثر أفرادها من النساء لا الرجال وبالتالي لا يتوافر بها رجال لمرافقة المرأة وتنقلاتها مما يجعلها عرضة للتوقف عن الدراسة أو العمل خاصة إن كانت لا تملك إمكانية تحمل تكلفة وجود سائق”، كما أن الكثير من السعوديات كن يقدن السيارات عندما يغادرن البلاد.
ويضيف عامد المديفر “السعودية تشهد نهضة كبيرة فعلا في شتى المجالات، سواء أكانت اقتصادية أم علمية أو غيرها.. والنهضة الاجتماعية لا شك في مقدمة كل ذلك، خاصة وأننا نولي الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية ونمط العيش الأولوية كوننا في مرحلة انتقال حقيقي من دولة معتمدة على النفط بالكلية إلى دولة متنوعة المصادر.
ورغم أن هيئة كبار العلماء السعودية أيدت المرسوم، ولم يصدر تعليق عن رجال الدين الذين عارضوا في السابق مرارا عمل المرأة وقيادتها للسيارات. كما أن هناك من العائلات المحافظة من أبدت قلقها من القرار، لكن ورغم أن المتشددين المعارضين للإصلاحات الاجتماعية قد يشكلون تهديدا، إلا أنه من الواضح أن السعودية تمضي قدما نحو التغيير، المدعوم بأغلبية المجتمع، الذي تشكل النساء والشباب نواته الأساسية، وما يؤكد جديته هو أن هذا التغيير بدأ بالحلقة الأصعب: تمكين المرأة السعودية.