لندن - " وكالة أخبار المرأة "

 يتعرض الموظفون العزاب إلى التمييز والعمل لساعات إضافية مقارنة بالموظفين المتزوجين والذين لديهم أطفال، مؤكدين أن زملاء العمل يرون أن الموظف الأعزب يمكنه إلغاء أي شيء أو ليست لديه هموم والتزامات في الحياة.
ولكن في الحقيقة، حياة الأعزب أعلى تكلفة من حياة المتزوج، لأنه يضطر لقضاء احتياجاته كلها بنفسه وليس لديه من يعوّل عليه ماليا إذا حدث أي مكروه.
وقال تقرير نشره موقع الـ”بي بي سي” إنه من الصعب الحصول على إحصاءات مادية تثبت وجود تحيّز غير مباشر ضد الموظفين العزاب في مكان العمل، فقد توصلت دراسة حديثة في المملكة المتحدة، استطلعت آراء 25 ألف موظف، إلى أن ثلثي النساء اللائي تتراوح أعمارهن ما بين 28 و40 عاما ولم ينجبن أطفالا شعرن أن مدراءهن يتوقعون منهن أن يعملن لساعات أطول من زملائهن الذين لديهم أطفال. وقد بدأ عدد متزايد من العاملين والمدرسين والباحثين الجامعيين والمحللين في توثيق هذه الحالات.
وفي هذا السياق أجرى إيريك كلينينبرغ، أستاذ علم الاجتماع بجامعة نيويورك، أبحاثا في إطار إعداده لكتابه “العيش منفردا”، وحاور خلالها المئات من العزاب في أوروبا وأميركا، ولاحظ أن “العزاب ينظر إليهم في مكان العمل على أنهم من يجب أن يتحمّلوا أعباء العمل”.
وقال كلينينبرغ موضحا “قابلت موظفين لا حصر لهم يشكون من أن مديريهم يفترضون أنهم دائما مستعدون لتولي المهام التي تتطلب البقاء في أوقات متأخرة من الليل والعمل في عطلة نهاية الأسبوع، لأنهم ليس لديهم أزواج ولا أبناء”.
وأضاف “وفي حالات قليلة، قابلت نساء أفصحن لي بأن مدراءهن رفضوا منحهن زيادة الراتب التي يستحقونها لأنهم يرون أنهن لا يحتجن إليها بقدر ما يحتاجها زملاؤهن الذين يعيلون أطفالا”.
ومن جانبها بحثت بيلا ديباولا، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، بمدينة سانتا باربرا، في هذه الظاهرة في كتبها ودراساتها، وصاغت عبارة “التمييز ضد العُزاب” لإبراز النظرة السلبية والصورة النمطية الراسخة عن العُزاب وما يتعرضون له من تمييز، إذ ترى أن هذه النظرة للعزاب منتشرة في أماكن العمل وفي المجتمع ككل.
وبيّنت ديباولا أن الكثير من أصحاب العمل يغفلون عن جانب مهم من حياة الموظفين غير المتزوجين، فهؤلاء الموظفون لا يعيشون بمفردهم وليسوا منعزلين، بل على الأرجح يتفاعلون ويندمجون مع مجتمعاتهم وتربطهم علاقات قوية بأصدقائهم، الذين “يعتبرونهم أفراد أسرتهم، حتى لو لم يكونوا أسرة بالمعنى التقليدي”.
ونصح ديفيد كارتر، مرشد أعمال بالمملكة المتحدة الموظف العازب قائلا “لا تكثر من الشكوى والتبرم بسبب أوضاعك”. مشيرا إلى أنه يجدر بالزملاء غير المتزوجين أن يفكروا في التضامن معا للوقوف على مواطن الخلل في ممارسات الشركة واقتراح تغييرها بما يصب في مصلحة المؤسسة على نطاق أوسع، وبهذا سيبرهنون أيضا على مهاراتهم في حل المشكلات.
وأشار إلى أنه ربما بات تكوين جماعة من الموظفين العزاب الآن أسهل من أي وقت مضى، بعد أن زاد عدد الأشخاص الذين يؤجلون الزواج أو لا يتزوجون على الإطلاق بمعدلات غير مسبوقة.
وأفادت دراسة صدرت عن مركز بيو للأبحاث عام 2014 إلى أن واحدا من بين كل أربعة بالغين في الولايات المتحدة لم يسبق له الزواج عند بلوغ الخمسين من العمر. وخلصت دراسة للوكالة الأوروبية للإحصاء “يوروستات”، حول نوعية الأسر في الاتحاد الأوروبي وحجمها، في عام 2016، إلى أن الأسر الأكثر شيوعا في الاتحاد الأوروبي مكوّنة من فرد واحد.
ومن بين الأساليب التي يفضلها كارتر لضمان المساواة إقامة نظام لتقاسم النقاط الاقتصادية، على أن تحتسب هذه النقاط رقميا أو باستخدام أشياء مادية، بحيث يتبادل من خلالها الموظفون الساعات أو المهام، ويساعدون غيرهم في المقابل. وإذا كانت النقاط في رصيد كل موظف لا تتجاوز خمس نقاط، سواء كان مدينا أو دائنا، سيضمن الجميع أن المهام والساعات موزعة بين الموظفين بإنصاف.
وقال “أيا كان الغرض من الإجازة، سواء كنت تريدها لتمارس القفز من المرتفعات، أو تتسوق لأعياد الكريسماس، أو للمواعدة، أو حتى لتصطحب أبناءك لحضور مسرحية في المدرسة، فإن ما يهم هو أن تعمل 40 ساعة في الأسبوع في الوقت الذي يناسبك”.
ولا ينكر كارتر الذي يسمح للموظفين في شركته بالعمل “أينما شاؤوا وحينما يفضلون، طالما سينجزون المهمة في النهاية”، على حد وصفه، أن النظام القائم على النقاط الذي يقترحه قد يصعب على الشركات الكبرى تنفيذه. لكنه يشدد على أن الشركات التي تخفق في التوصل إلى طرق لزيادة المرونة في العمل مع جميع الموظفين ستخسر في نهاية الأمر ما لديها من مواهب.
ويقول كارتر “لم تنقرض الديناصورات من فراغ. وإذا لم تساير الأوضاع الحديثة وتتحلى بالمرونة، والتي تعد جزءا من طريقة تفكير أبناء جيل الألفية، سواء عند توظيف الكفاءات أو للحفاظ عليها، ستلقى نفس مصير الديناصورات”.
ومن جهة أخرى أوردت شيريل ساندرغ، مديرة عمليات فيسبوك، في كتابها “تقدمي إلى الأمام” رأيا مشابها، كثيرا ما يستشهد به في هذا الصدد، حول قصة امرأة عزباء شعرت أنه لا بد أن يعد حضور حفل سببا لا يقل وجاهة عن حضور مباراة كرة قدم يشارك فيها الأبناء، لتبرير مغادرة العمل في الموعد المقرر. فهي تحتاج لمقابلة وجوه جديدة حتى تقيم أسرة وتنجب أطفالا أيضا.
ونصحت ساندبرغ المدراء قائلة “تأكد من أن الموظفين العزاب يدركون أن لهم كل الحق، كغيرهم من الموظفين، في الاستمتاع بحياتهم كما يشاؤون”. ولكن رؤساء شركات أخرى يرون أن التعامل بمرونة مع جميع الموظفين على حد سواء، يسهل قوله ويصعب تطبيقه.
كما قال جوناس ألميلينغ، رائد أعمال سابق وتقلد منصب رئيس الابتكارات بمؤسسة للتصدير والتجارة بالسويد، وأب لطفل واحد “تختلف طريقة تفكير الآباء والأمهات عن غيرهم ممن لم ينجبوا أطفالا. ولن تستطيع أن تدرك مدى التغير الذي يحدثه إنجاب الأبناء في حياتك وأولوياتك إن لم يكن لديك أبناء”.
وأضاف “بالتأكيد لن أتعامل بنفس القدر من المرونة مع الموظف الذي يقول لي ‘عذرا! سأغادر العمل لأذهب في نزهة على متن زورق’، مقارنة بمن يطلب مغادرة العمل لإحضار ابنه من الحضانة”.
وقال مستدركا “ولكن في الوقت نفسه، فإن الموظف الذي تحرص الشركة على الحفاظ عليه يعيش حياة مرفهة، بغض النظر عن خياراته في الحياة. ولذلك ربما نحتاج أن نكون واسعي الأفق في التعامل مع الموظفين”. وينصح المدربون المهنيون الموظفين العزاب بأن يواجهوا التمييز ضدهم في مكان العمل.