نهاد المشنوق - القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

تهمة الثرثرة وكثرة الكلام من التهم التي ألصقت بالمرأة في الوعي الجماعي، إلى أن دخلت ثقافة وسائل الاتصال والتواصل الحديثة والتي تمثل الهواتف المحمولة أكثرها انتشارا واستعمالا في جل المجتمعات العربية، وأصبح الرجل منافساً للمرأة في تهمة الثرثرة عبر الهاتف. الأمر الذي أثار ردود فعل مستنكرة ورافضة من قبل الزوجات.
يثير استعمال الهواتف المحمولة لفترات زمنية مطولة العديد من الانتقادات والخلافات بين الزوجين، ويفتح باب الخلافات والتراشق بالتهم بينهما.
ويرى المختصون في الأسرة والتربية وفي علم النفس وعلم الاجتماع أن مبالغة أي من الطرفين في استخدام الهاتف وتمضية الوقت في مكالمات مطولة تقلل من التواصل والحوار المباشر بين أفراد الأسرة. كما تعد مصدر إزعاج لأحد الزوجين، ويعتبرون في ذلك مؤشرا على وجود مشكلات داخل الأسرة تجعل أحد الطرفين يهرب عبر اعتماد الهاتف وقضاء فترات طويلة من وقته في البيت في التواصل مع أشخاص آخرين من غير أفراد أسرته الموجودين معه.
ويوضح استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر د. محمد محمود، أن اتهام الرجل لزوجته بالثرثرة على الهاتف أو العكس، هو من وسائل التراشق بالتهم الذي يعكس خلافاً قائماً بينهما، و”غالباً ما يكون من قبيل تجني طرف على الآخر، ولو نظر كل واحد منهما إلى نفسه لوجد أنه قد يكون يستخدم الهاتف مثل شريكه إن لم يكن أكثر”.
ويشير إلى أنه ظهرت في هذه الأيام نماذج عدة من الرجال ممن يتحدثون على الهاتف بصورة تنطوي على قدر كبير من المبالغة، خصوصاً عندما يعودون إلى بيوتهم.
وتفصح هذه الثرثرة عن خلل في العلاقة بين الزوجين وانعدام التواصل أو التفاهم بينهما، أو قد تدل على وجود مشكلة مزمنة أو إحساس بالملل لدى كليهما، مضيفاً “إن الثرثرة عبر الهاتف بقدر ما تنبئ عن خلل في العلاقة، فقد تكون أحد أسباب الخلافات الزوجية الحادة ولا سيما إذا باتت عادة لدى الزوج أو الزوجة وترتب عليها إهماله للطرف الآخر ولأسرته وبيته”.
ويرى أن الثرثرة الزائدة قد تكون عموماً أحد مظاهر الأمراض النفسية، أو قد تعبر عن حالة دفينة من القلق والانزعاج والشعور بعدم الأمان، لذلك ينصح استشاري الطب النفسي الأزواج بالبحث عن مواطن الخلل في علاقتهم وبمحاولة فهم وتفهم دوافع ووجهة نظر الطرف الآخر، والابتعاد قدر الإمكان عن الثرثرة مع آخرين سواء على الهاتف أو الإنترنت طوال وجودهم في البيت، وأن يكون وقت الرجل داخل بيته لزوجته وأسرته فقط والعكس.
وأصبح الرجال متهمين أكثر من النساء بالثرثرة عبر الهواتف في أغلب الأسر العربية والمصرية لأن الرجل يعتبر أنه دوما على صواب ولا يخشى انتقادات ولا اعتراضا من زوجته على ذلك في أغلب الأحيان، عكس الزوجة التي تخشى من ذلك وتخاف من أن يتهمها شريكها بإهمال بيتها وأبنائها أو بخيانته وغير ذلك من التهم.
وتؤكد أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة د. هناء محمد الجوهري، أن “ثرثرة الرجال عبر الهاتف خاصة إذا كانوا متزوجين تشير إلى وجود فراغ اجتماعي وعاطفي لديهم. كما تعكس فتوراً في العلاقة الزوجية، ما يجعل أحد الطرفين وغالباً ما يكون هذا الطرف هو الزوج، يبحث عن بدائل عبر الهاتف سواء من خلال الأصدقاء أو زملاء العمل، أو حتى عبر نسج علاقات أخرى من خلال التواصل عبر الهاتف”.
وتشدد الجوهري على أن استخدام الرجال للهاتف بكثرة جاء على حساب الأسرة وكبديل لممارسة هوايات وأنشطة أخرى أكثر أهمية كالقراءة والرياضة موضحة “إن النساء وإن اقترنّ تاريخياً واجتماعياً بالثرثرة عبر الهاتف إلا أن الرجال بدأوا يتفوقون عليهن في هذا الجانب في السنوات الأخيرة، جراء استحداث الهاتف النقال حيث بات في إمكان المرء التحدث مع من يريد في أي مكان وزمان، وهو ما أسهم في زيادة عدد الذين يثرثرون على الهاتف عموماً من الجنسين”.
وتوضح الفرق بين الثرثرة الهاتفية لكل من الرجل والمرأة قائلة “إن الفرق ليس في الوقت الذي يخصصه كل منهما للهاتف، وإنما في طبيعة الموضوعات التي يتناولانها، فالمرأة في معظم الأحيان تفضل الحديث عن موضوعات الموضة والطبخ ومشكلات الأطفال والأسرة… بينما يتناول الرجال أخبار العمل والزملاء، وقد يتحدثون في بعض الأحيان عن السياسة، وهي المادة التي لا تتداولها النساء عبر الهاتف، الأمر الذي يجعل الرجال يعتقدون أن موضوعاتهم ذات أهمية، وأن حديث النساء عبارة عن كلام فارغ”.
وتقول نوال فتحي، ربة منزل، “أصبحت الثرثرة عبر الهاتف من هوايات زوجي المفضلة، حيث يجدها فرصة للحديث في كل ما ليس له معنى، إضافة إلى تبادل النكات الخادشة للحياء مع أصدقائه وزملائه في العمل، حتى أنني لم أعد أجد وقتاً للحديث معه عن مشكلاتي اليومية المتعلقة بالأبناء وبسير دراستهم، وكلما حاولت أن أتحدث إليه يرن الهاتف، ولم أجد حلاً أمامي في لحظة من لحظات الغضب العارمة سوى مسح جميع الأرقام المسجلة على هاتفه، ما تسبب في نشوب خلاف بيننا”.
وتؤكد أن المرأة هي المتهمة بالثرثرة عبر الهاتف، غير أن فواتير المكالمات تدحض هذه التهمة وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنها مظلومة وأن الرجل هو الأكثر ثرثرة.
أما عمر فاروق، موظف، فيقول إنه يكره الحديث على الهاتف لكنه يعترف بأن الكثير من الرجال، هذه الأيام، لا يحلو لهم الحديث إلا عبر الهاتف، وقد أصبحوا أكثر ثرثرة من النساء، داعياً مستخدمي الهاتف من الجنسين إلى الاختصار في الكلام، معللاً أن الهدف الرئيس من الهاتف هو إنجاز مهمة سريعة، أو توصيل معلومة أو رسالة، ولا يعتقد أن هذه المهام تحتاج إلى أكثر من بضع دقائق.
ويعترف حازم عوض، طالب جامعي، بأنه لا يستطيع أن يعيش من دون هاتف قائلاً “قد أستغني عن أهلي إذا ضايقوني أو أزعجوني لكنني لا أستطيع أن أستغني عن الموبايل أبدا، لأنه الطريقة الوحيدة المتاحة لي للتسلية ومعرفة أخبار الأصدقاء وهو الوسيلة الأسرع والأسهل لمعاكسة الفتيات”.