الكاتبة الصحفية: فاطمة غندور - ليبيا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

في سنوات الدراسة بمدينتي طرابلس وبمرحلة تعليمنا الأولي تحديدا ، عرفنا كتلميذات بمدرسة الأنوار الابتدائية ،معلمتين عربيتين كانتا من مصر ، أولاهما كانت معلمة الرياضة ( أبلة سنية جمعه ) هي الرياضية في حركتها رغم وزنها الذي يبانُ مع قصرُ قامتها ، المنضبطة ، الصارمة معنا ، ، كنا ساعة نراها بحذائها الرياضي تمسك عصاها ، تخبط بقدميها الارض وتذرع ساحة مدرسة الأنوار جيئة وأيابا بنشاط وحيوية ، تحدقُ عيوننا بها نتابعها حتى تتقدم طوابيرنا وتُطلق صفارتها ببدء رياضة تخص طابور الظهيرة ما قبل الحصص الذي يختلف عن طابور الاستراحة ، بأستثناء توحده في نداءها  : فتح ضم، صفا انتباه ! فنرفع ساقنا اليمنى أولا ثم اليسرى ، أعلى أعلى بمستوى الصدر هكذا كانت تُنبهنا قبل أن ننزلها بقوة أرضا !،وتخفف عنا أوامرها آوان طابور الاستراحة فلا تكثر من تحريك جسدنا ، إذ تراعي أن بطوننا قد ملئتها وجبة الاستراحة وتشترط فقط أن نُسارع جريا من الطابور مباشرة الى حجرة الفصل .
في جدول الحصص حصتان للتربية الفنية مرة في الأسبوع ، هما لثانيهما من عرفنا و كم كان وقعها بردا وسلاما ، معلمتُنا " أسماء حمدي " ذات الأيقاع الهاديء ، في مشيتها كما صوتها ، قادنا فضولنا ان نتسمع مشكلات معلماتنا مع الأدارة أو مع بعضهن ، عدا الاستثناء " أبلة اسماء" ، فساعة تدخل علينا نأخذ راحتنا في الانتقال بين المقاعد لنتفرج على رسومات بعضنا البعض ، نقترب من طاولتها حيث تقف ، تأخذ كراسة الرسم خاصتنا وتعدل خطوطا أو كائنات ، وعادة أن ما نرسمه يبدو في نظرها مستحقا لكلمات أنه : حلو ، جميل ، برافو !، بالنسبة لي أبدا لم اكن رسامة جيدة، لكن تشجيعها كان طيبا ومفرحا لقلوبنا كما وأننا ناجحون بأجمعنا عندها  ، كثيرا ما مشيتُ ورائها أحملُ كراسات الرسم لتصصح وتُعدل ما رسمنا ، ، تفاجأت اول مرة إذ تكشف لي أنها تسكن مع رفيقة لها في بيت سبق وأن أستأجره عمي في شارعنا ، عرفتُ البيت بديكوره السابق لكنها أدخلت قطع أثاث تخصها وكان منها طاولة صغيرة ، ذات مرة وُضع عليها ألبوم صور وطلبت أن أضع كراسات الرسم قربه ، في زيارة أخرى رافقتها وكراسات الرسم ، أجلستني وفتحت اول صفحات ذاك الألبوم وإذا به صورتها و شقيقها " بليغ حمدي " ثم صورة أخرى أكبر يجلس فيها بليغ مع وردة على صالون مُتسع في ركنه ألة عود ، وعلقت : بليغ كسلان قوي بس حنون و قلبو طيب، ثم أقفلت الألبوم ودخلت المطبخ ودعتني لأخذ قطعة من بيتزا صنعتها بنفسها ، وقتها كانت " وجبة البيتزا" من أحب ما نشتهي و نأكل ، كنتُ طفلة لكن صورة وردة والضحكة الضاجة التي بدت على وجهها علقت بذاكرتي ،وصرت كلما شاهدتها بقناتنا الليبية الوحيدة أشير بأصبعي وأقول لعائلتي هذه الفنانة اعرفها وشاهدتها في بيتها جالسة مع زوجها ، أما الملحن بليغ حمدي فحملتُ أسمهُ منها ، وأعدتهُ على مسمع والدي : معلمتي شقيقة بليغ حمدي فضحك والدي مستغربا ذلك ،ما مثل له صورة متواضعة لتلك المعلمة التي أدرك اني أحبها و أقتربت منها ، وزاد تعجبه أنها تستأجر ذات البيت الذي استأجره شقيقه ، أسماء حمدي غادرت سكنها بشارعنا كما غادرت مدرستنا بعد خروجي بسنوات قليلة لم أعد أراها تقطع حينا لتتبضع أو تزور جيرانها لم أخمن ساعتها هل غادرت مدينتي طرابلس فقط أم غادرت كل البلاد .