زادت حدة “التطرف” في مجتمعاتنا، مع ذلك فإن ذكر كلمة “تطرف” تذهب مباشرة بالذهن إلى التطرف الديني، في حين أن هذا أحد أنواعه، كما أن الأحداث الإرهابية التي قامت بها القاعدة هي سبب رئيسي للرؤية من هذه الزاوية. إلا أن هذا الفكر بكل أنواعه واتجاهاته ناحية اليمين أو اليسار، هو حالة عير سوية، وذات نتائج خطيرة تتفاوت في حدتها وآثارها.
ومن محاسن الصدف أنه عندما تتراءى للكاتب فكرة معينة، يمر هو شخصياً بتجربة لتكون كلماته أقرب إلى الواقعية وأكثر ملامسة واحتراما للقارئ، فما بال إن مر بتجربتين تُفصّل القضية التي يود الحديث عنها بدقة متناهية.
كان موضوع التطرف في مجتمعاتنا العربية يشغلني على الدوام، وأقول هنا “العربية”، لأن أي حالة تطرف في أي بلد عربي لا تختلف عن نظيرتها فالمشكلة الثقافية في البلدان العربية عويصة ومعقدة. فالكل مثقف، وكل مثقف هناك من يتهمه بالجهل وانعدام الثقافة، وصولا إلى التطرف في المعتقدات والأفكار بسبب قلة الوعي واعتناق المعتقدات بسطحية. كانت مجتمعاتنا العربية في السابق وسطية، فيها المتطرفون يمينا ويسارا لكنهم يعتبرون حالات قليلة، ولم يكن لديهم آلات إعلامية لنشر أفكارهم وتجنيد أتباع لهم كما هو الحال اليوم!
المشهد العربي الآن بات يحتوي انتقال – أشخاص - من الوسطيين إلى اليمين بتطرف أكثر من اليمينيين أنفسهم. والبعض الآخر إلى اليسار بنفس طريقة تطرف اليمينيين.
أما قصصي التي حدثت في أسبوع واحد مع أصحاب اليمين وأصحاب اليسار. أنا بطبعي أنشد الوسط، لا آخذ الأفكار بقالب جامد فالفكرة لباس يجب أن يكون مناسبا لي، ومعاش يناسب ذائقتي لا أتطرف إلا في شيئين:الثوابت الدينية، والوطن. كانت الحالة الأولى:انتقدت فيها كتابات لصبي تعدى على الثوابت الدينية وطالبت بمحاسبته قانونيا، فهاجمني أهل اليسار بأسلوب الفجور في الخصومة!
أما في الحالة الثانية: فقد دعيت إلى إلقاء محاضرة في منطقة القصيم حول تجربتي مع المقالة الصحافية وردود فعل القراء، فهاجمني أولئك المتطرفين الذين يُحسبون – بهتانا - على المتدينين، وبما أنني أكشف وجهي فهذا معناه أني من أهل اليسار ويجوز الاعتداء علي مطالبين بإلغاء محاضرتي عبر أساليب التخويف والترهيب والتهديد.
وهنا وقفت متأملة هذين المشهدين، وأنا أتساءل: أين الغالبية الوسط؟ لماذا يجب أن أُصنف يميناً أو يساراً؟ وما هي دوافع من يريد أن يلغي الوسطية؟ في المقابل لماذا ترك أهل اليمين واليسار أماكنهم الراقية التي كنا نحترمهم من أجلها، ونحاورهم ونُكبر فيهم رقيهم ليرعوا المتطرفين، إما بالدعم المباشر أو غير المباشر، أو بالصمت عن أفعالهم؟
في الدول الغربية لديهم متطرفون إلا أنهم قلة، ولكن ما نشاهده لدينا أن كل يمين لدينا متطرف وكل يسار متطرف بسبب الصوت العالي والنشاط الحركي لهم، وضاع الوسط في المعمعة!
 والمشهد أمامي، مما أراه في دول الثورات العربية وبعض الدول الخليجية على طرفي النقيض فقد يصلان إلى حمل السلاح وتجاوز الأنظمة وتشكيل خلايا ترعاها دول معروفة بمصالح مكشوفة وكلهم باتجاه – متطرف - في نواحي وتشعبات خرجت كفروع تنبت للتخريب الفكري والوطني، أما الغالبية الوسط فقد ضاع صوتهم وسط التصنيفات الإقصائية، ولا عزاء للأوطان!