نورس يكن - سوريا - " وكالة أخبار المرأة "

 هل يأتِ الحب في الوقت الخطأ، أم أن العصر اختلف لدرجة أن نضطر لتغيير الكثير من المفاهيم المتعلقة بالعمر المناسب للكثير من الأشياء؟
- في وقت من الأوقات فكرت لماذا نعيش تجربة الثانوية العامة في عمر حساس مثل نهاية المراهقة؟ علم النفس قال بأن 18 هو عام تغيير في مسيرة الإنسان وعلى أساس العديد من النظريات العلمية المؤيدة لذلك حددت نهاية الطفولة بـ18، وهنا ننتقل لسؤال آخر: هل نحن أطفال فعلاً حتى سن 18؟ وكي لا نتوسع كثيراً في هذه الأسئلة نعود لسؤالنا الرئيسي: هل يأتِي الحب في الوقت الخطأ؟ هل الحب هو تلك النظرات مع ابن الجيران؟ هل علينا أن نتزوج أول شخص نحبه؟
- إذا ما اتفقنا على ما ورد في الجزء الأول من "عن الحب" حول ما أن الحب الأول هو الحب الحقيقي، وأن الحب الحقيقي مرتبط بعدة عوامل متعلقة بالشخصية، سوف نعرف تلقائياً أن الحب فعل واع مرتبط بالزمان، وهذا ما يغيب عن وعي العاشق وإدراكه، وهذه ثاني مشاكل الحب "الوعي والإدراك".
- في القديم كان الحب أمراً مقدساً أكثر من الآن، حيث كان خياراً وقضية، فمثلاً في الجاهلية كان للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، خصوصاً إذا ما كان سيداً في قومه وغنياً، ومع ذلك سمعنا عن قصص بملحمية عنتر وعبلة، أو كليب والجليلة، أو قيس وليلى، وكذلك كان في ذلك الزمان وفي الأزمان التي أعقبته علاقات عاطفية مبنية على المصالح وعمليات بيع حقيقي للبنات تحت مسمى المصاهرة، اليوم كل ذلك مستمر، عدا الروايات الملحمية وهذا ما علينا وعيه وإدراكه وما كان يمكن أن يكون حباً وزواجاً في الروايات لا يكون كذلك في الواقع الحالي، والارتباط العاطفي دون العشرين للمرأة والخامسة والعشرين للرجل هو تجربة نادراً ما تستطيع أن تثمر عن استمرارية سليمة للشريكين ولمن ينجبونهم.
- هنا نستطيع أن نقول إن الحب الذي نتعرف عليها بالتاريخ والقصص والروايات والأفلام الرومانسية هو حب من نوعية "قضية وخيار"، أما الحب الموجود واقعياً هو من نوعية "حاجة إنسانية".
- في الطفولة المبكرة يبدأ الحب مع دخول التعليم الابتدائي ربما، وربما قبل ذلك، لكن هذا الحب ليس الحب الذي يعيشه الإنسان بهدف الارتباط والزواج وبناء العائلة، إنما هو الحاجة النفسية للشعور بالآخر ويكون غالباً بدون تعبير وبدون أي خطوات، بعد مرحلة البلوغ يبدأ الجانب الغريزي من العلاقة العاطفية وتبدأ العلاقات الخاصة ذات الجانب العاطفي الحقيقي، هناك يبدأ الإنسان يفكر بالآخر الذي يرتبط به كشريك حقيقي ودائم، ويبقى متعلقاً بالذكرى الأولى لكل التفاصيل العاطفية النفسية والحسية، يبقى متعلقاً بالقبلة الأولى واللمسة الأولى والاحتكاك العاطفي الأول، إلا أن الحقيقي أنه لا يكون واعياً ومدركاً لمدى قلة النضج في هذه المشاعر، هي الرغبة في التجريب، ولا يمكن أن يعيش الحب مع الشخصية غير المكتملة بالحد الأدنى، هذا ليس حباً، إنما مرحلة جديدة من التجريب والاكتشاف الذي يبدأ مع الإنسان منذ اليوم الأول له في هذه الحياة، ولذا لا يصح أن نطلق اسم "خيبات عاطفية" على علاقاتنا في سن المراهقة فهي من الطبيعي أن لا تكتمل.
- إذا ما أردنا الإجابة على سؤال متى يجب أن نحب؟ أعتقد وبرأيي الشخصي أن الحب يبدأ بعد العشرين، وهذا لا يعني الانتظار، لدينا المساحة الكافية للتجربة والتعلم، ولكن علينا كبشر بجنسينا ذكوراً وإناثاً أن نعرف طبيعة العلاقة، ونعرف أننا نتهيأ من خلالها للحظة الحب الكبيرة الحقيقية التي قد تأتي وقد لا تأتي، وكذلك علينا معرفة ماذا نريد من هذه التجربة، يعني أن نعي وندرك أبعادها ونحاكمها من خلال ثقافتنا والبيئة الاجتماعية التي نعيش فيها.
- بعد العشرين نبدأ تشكيل وعينا الناضج ومعه نستطيع أن نشكل حبنا الناضج، يمكن لنا في ذلك الوقت الاستفادة من كل تجاربنا السابقة في بناء علاقة حقيقية والاستمتاع بوجود شريك "سند" نستطيع أن نمضي معه في مشوار الحياة.
- بعد العشرين يتمكن العقل والقلب (ممثل العاطفة) أن يكونا علاقة أكثر وداً وتبدأ صراعاتهما تقل وربما تختفي، حيث يكون العقل راضياً إلى حد بعيد عن اختيار القلب، وإن لم يكن كذلك فأنت تمضي في طريق خطأ.
- بعد العشرين يمكن الحصول على شريك ملائم للحياة الاجتماعية والحياة العاطفية، بدأ بالاكتمال عقلياً، لديهم رؤية لمستقبله التعليمي والمهني، ناضج جنسياً بدرجة جيدة، ولديه أيضاً ذات الرغبة بتكوين الشراكة الجدية.
- وبالتالي حل مشكلة الوعي والإدراك التي يواجهها الحب، يكون من خلال محاكمة كل علاقة عاطفية بظروفها الزمانية والمكانية وليس من خلال النظريات أو الأحلام التي نشكلها عن طبيعة قصة الحب التي تنتظرنا في الحياة، فلنترك أحلامنا عند بوابة العلاقة، ولندخل إلى الحب متسلحين بخبراتنا وتجاربنا وقرارنا الوعي، وهناك سنجده كما قالت عنه السيدة أم كلثوم في أغنيتها سيرة الحب "في الدنيا مافيش أبداً أبداً، أحلى من الحب".