" وكالة أخبار المرأة "

التحرّش الجنسي والاغتصاب ليسا أمرَين مستجدَّين في جامعات الولايات المتحدة الأميركية. ويعاد طرح الموضوع في الأيام الأخيرة، على خلفيّة ما أثارته إدارة ترامب حول المسألة بطريقة تشكك في معاناة الضحايا
تعود قضية الاغتصاب والتحرّش الجنسي في الجامعات الأميركية إلى الواجهة، وهذه المرّة على خلفيّة ما صرّحت به وزيرة التعليم بيتسي دافوس، إذ قالت إنّها تنوي إعادة النظر في الخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما التي كانت قد هددت من خلالها بحجب المعونات الفدرالية عن الجامعات التي لا تجري التحقيقات اللازمة في السياق والتي لا تحارب تلك الظاهرة بطريقة أكثر نجاعة وجدية.
وكانت دافوس قد التقت أعضاء من جمعيات محافظة يمينية تُعنى بحقوق الرجال، يدّعي بعضها أنّ اتهامات كثيرة في هذا الإطار هي باطلة وأنّ رجالاً كثيرين هم مظلومون. في السياق، أثارت تصريحات إشكالية لكانديس جاكسون، وهي الموظفة التي عيّنتها دافوس مسؤولة عن قضايا الحقوق المدنية المتعلقة بالاغتصاب والتحرّش في الجامعات الأميركية، حفيظة ومخاوف ضحايا وعائلات من عدم تعاملها مع الموضوع بجدية كافية، على أثر موقفها الإشكالي جداً. فهي قالت في حديث إلى صحيفة "نيويورك تايمز" إنّ "90 في المائة من الحالات التي يُبلَّغ عنها كقضايا تحرّش جنسي أو اغتصاب (في الجامعات) تحدث عندما يكون الطرفان في حالة سكر ويندم عليها أحدهما، وليس نتيجة استخدام العنف (الاغتصاب)". وهذه التصريحات غير المبنية على أيّ دراسة أو إحصائية تعيد ترسيخ الصورة النمطية والمجحفة بحق الضحايا والاستخفاف في التعامل مع قضاياهنّ من قبل إدارات بعض الجامعات ومن قبل الموظفة المسؤولة عن الملف في وزارة التعليم. صحيح أنّ جاكسون اعتذرت وحاولت التخفيف من حدّة تصريحاتها بعد الضجة التي أثارتها، إلا أنّ اعتذارها لم يطمئن المتخوّفين.
وتفيد دراسات مختلفة صادرة عن مؤسسات عدّة، من ضمنها وزارة العدل، بأنّ طالبة واحدة من بين كل خمس طالبات في الكليات والجامعات الأميركية تتعرّض للتحرّش الجنسي أو الاغتصاب. وفي عام 2015، كانت طالبة واحدة من كل أربع طالبات قد أقرّت بأنّها تعرّضت للتحرّش الجنسي أو الجسدي أو الاغتصاب، وذلك في إطار دراسة أعدّها معهد متخصص بتكليف من قبل رابطة الجامعات الأميركية. ويذهب بعض الاختصاصيين والناشطين في هذا المجال إلى تسمية تلك الظاهرة بـ "ثقافة الاغتصاب" في الجامعات الأميركية.
وعملت الحركات النسوية في الولايات المتحدة الأميركية منذ سبعينيات القرن الماضي على محاربة تلك الظاهرة ولفت الانتباه إلى الإشكالية في تعامل بعض إدارات الجامعات، خصوصاً المرموقة منها من قبيل هارفارد وكولومبيا وبرنستون، مع الضحايا وإفلات جناة كثيرين من العقاب. وقد وصل الوضع بالحكومة الفدرالية الأميركية في عام 2014 إلى فتح تحقيق حول هذه المواضيع مع 86 جامعة، لا سيّما طريقة تعاملها مع شكاوى اغتصاب داخل حرمها. في العادة، توكل مهمة التحقيق في تلك الأمور، عندما تحدث داخل الجامعة أو تتعلق بطلابها، إلى إدارة الجامعة نفسها، ولا تفتح الحكومة الفدرالية أي تحقيق في تلك الملفات إلا إذا استحق الأمر من ناحية الأدلة وإذا كانت ثمّة شكوك أو إثباتات على تقاعس الجامعات المتهمة بعدم متابعة الأمر والتحقيق حوله بصورة كافية. وقد هدّدت إدارة أوباما، في حال أدينت أيّ من تلك الجامعات، بأن تسحب دعمها الفدرالي على أساس البند التاسع من قانون الحقوق المدنية وفرص التعليم المتساوية.
بموجب البند التاسع، يتوجّب على الجامعات والكليات تأمين الحماية لجميع الطلاب والتأكد من أنّهم جميعاً يحصلون على فرص متساوية وعلى مدخل للتعليم، بغضّ النظر عن الانتماء الجندري والجنسي والهوية الجندرية. ويُعدّ التحرّش الجنسي والاغتصاب نوعاً من أنواع التمييز الجندري الممنوعة بموجب البند التاسع من قانون الحقوق المدنية وفرص التعليم المتساوية، بما فيها تلك التي تحدث خارج الجامعة وتشمل أشخاصاً ليسوا طلاباً. وعندما يتعرّض طالب أو طالبة لأجواء معادية بما فيها الاعتداء أو التحرّش الجنسي، على الكليات وقف هذا التمييز والعمل على منع تكراره والتعامل مع نتائجه وتأثيره، ومن بينها الانتقام من طلاب آخرين أو مسؤولين في الإدراة أو طاقم الجامعة. ولا بدّ من أن تتخذ الكليات الخطوات المسبقة اللازمة لمنع التحرّش الجنسي، بالإضافة إلى التحقيق الفعال والجدي في الادعاءات عندما تحدث، وعليها كذلك أن تؤدّي دوراً غير متحيّز للبتّ في قضايا التحرّش وتيسير التحقيق بها.
والإجراءات العقابية التي تتخذها الجامعة قد تتضمّن فصل الطالب أو توقيفه عن الدراسة وحرمانه من منحته الدراسية. يُذكر أنّ جامعات مرموقة عدّة لم تسلم من الفضائح في هذا السياق، ومنها جامعة كولومبيا في نيويورك وديوك وفيرجينيا وغيرها، وهي عموماً ترفض الإدلاء بأيّ تصريحات إعلامية حول هذه المواضيع.
ويدّعي منتقدو تلك الخطوات من عائلات المتهمين أو منظمات حقوق الرجال المحافظة، أنّ تلك التحقيقات تستلزم وقتاً طويلاً قد يفوق السنة، خصوصاً بعد الضغوطات التي قامت بها الحكومة الفدرالية لتأخذ الجامعات التحقيقات بطريقة أكثر جدية. ويرى هؤلاء أنّ الإدارات أصبحت تبحث عن كل صغيرة وكبيرة في القضايا التي تحقق فيها لكي تجد أيّ شيء يثبت التهمة.
في المقابل، ترفض منظمات حقوقية ونسويّة هذه الادعاءات وترى أنّ جزءاً من المشكلة يكمن في أنّ إدارات جامعية كثيرة لم تأخذ لعقود هذا الموضوع على محمل الجدّ، وقد رفضت كذلك التعامل مع تبعات الصدمة وضرورة تأمين حيّز عام وآمن للنساء خصوصاً ولجميع الطلاب عموماً في الجامعة وداخل الحرم الجامعي. وترى كذلك أنّ الخطوات التي تلمّح الوزيرة الأميركية - تحت إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب - باتخاذها قد تقوّض أيّ تقدّم أُحرز في هذه السياق ومجهود سنوات، وقد تشجّع بعض الإدارات على التنصّل من واجباتها لتعيد النساء مرّة أخرى إلى البدايات وإلى النضال من أجل إيصال صوتهنّ بهدف الحصول على جزء من العدالة ومعاقبة المجرمين من متحرّشين ومغتصبين.
تجدر الإشارة إلى أنّ إدارة أوباما كانت قد حاولت تشجيع الجامعات وحثّها بطرق عدّة، بالإضافة إلى التهديد بسحب الأموال الفدرالية، على توفير جوّ يؤمّن حماية أكبر إلى جانب نشر للوعي بين الطلاب والطالبات حول التحرّش الجنسي. ونشرت الإداراة على سبيل المثال قائمة بأسماء 55 جامعة لم تطبّق الخطوات اللازمة لتوفير جوّ آمن للجميع داخل حرمها. وإذا تراجعت إدارة ترامب، ممثلة بوزيرة التعليم، عن الخطوات التي اتّخذتها الإدارة السابقة، فإنّ ذلك يهدّد وبقوّة بتقويض أيّ تقدّم أُحرِز في هذا السياق وجعل الحرم الجامعي مكاناً آمناً للجميع خصوصاً النساء.