" وكالة أخبار المرأة "

يتأسس زواج المصلحة الذي بات يشهد انتشارا واسعا في السنوات الأخيرة وفي جل المجتمعات على تحقيق منافع شخصية بعيدة كل البعد عن العلاقة العاطفية التي تبنى عليها أغلب الزيجات، ويرى المقبلون على زواج المصلحة أن اختيارهم أسسه عقلية.
هل بدأ زواج المصلحة يزيح الزواج المستند إلى الحب؟ تساؤل طرحه معهد «باوليستا» المختص باستطلاعات الرأي في مدينة ساو باولو البرازيلية على قرابة 3 آلاف رجل وامرأة من جنسيات مختلفة، وكانت الأجوبة متفاوتة، إلا أن النتائج النهائية للاستطلاع أفادت أن غالبية النساء والرجال بنسبة بلغت 65 بالمئة يعتقدون أن زواج المصلحة بدأ يتحول إلى سمة تميز القرن الحادي والعشرين.
وأوضحت الدراسة أن نسبة كبيرة من زواج المصلحة تحدث بسبب الحاجة للهروب من واقع ما، وعلى وجه الخصوص واقع الانتساب إلى عائلة فقيرة غير مثقفة همّها هو الإكثار من الأولاد وعدم التفكير في مستقبلهم. ويؤيد الكثير من الشبان والفتيات زواج المصلحة ويرون أن الظروف الاقتصادية أو الخوف من العنوسة هما اللذان يفرضانه.
ويقول البعض إن أغلب الزيجات حتى التي يكون أساسها الحب، تستند على مصلحة خفية وغير مباشرة، معللين ذلك بأن الحب في حد ذاته حاجة عاطفية، والحاجة تقود إلى السعي وراء مصلحة ما، منها مصلحة عدم البقاء وحيداً ومصلحة إنجاب الأبناء؛ لكي يساعدوا الآباء والأمهات في الكبر.
ويرى معارضو هذا الصنف من الزواج أنه محاط بالكثير من المخاوف لأن فشله يجلب عواقب مأساوية كما أن عدم الشعور بالرغبة تجاه شخص ما يعني أن على المرأة أو الرجل إجبار نفسها أو نفسه على مشاركة إنسان الحياة الزوجية دون أدنى شعور تجاهه.
ويصف البعض الآخر زواج المصلحة بأنه يشبه تماماً إجبار إنسان على تناول نوع من الطعام لا يرغب فيه ولا يشتهيه، مشيرين إلى تجارب الآلاف من الرجال الذين تزوجوا من نساء ذوات مال وغنى، وبعد الحصول على أموالهن يرمونهن في الشارع، والموقف نفسه يمكن أن يحدث مع نساء فقيرات تزوّجن من رجال أغنياء وبعد ضمان حياتهن طلبن الطلاق.
وكشفت مكاتب تسوية النزاعات بمحاكم الأسرة المصرية أن هناك ارتفاعا ملحوظا في ظاهرة زواج المصلحة والتي غالبا ما تنتهي بكوارث وصلت نسبتها إلى أكثر من 40 بالمئة، تتفاوت بين السرقة والنصب والتعدي بالضرب، وقد تصل إلى حد القتل من أجل الحصول على أموال الزوج أو الزوجة.
حول ذلك يقول طه أبوحسين استشاري الصحة النفسية “هناك العديد من الأسباب التي تدفع الشباب للانجراف وراء زواج المصلحة ولعل من أبرزها السعي وراء المال أو النفوذ والسلطة، ناهيك عن الأسباب الاجتماعية المتعلقة بالظروف الصعبة الحالية والتي تجعل الشباب يلجأون لمثل هذه الزيجات للتخلص من أعباء الزواج”.
وأشار أبوحسين إلى أن الزواج الذي تستهدف من ورائه المصلحة يكون غير طبيعي، كون أن العلاقة الطبيعية تنشأ بين شخصين يحكم بينهما الحب والمودة والتفاهم، ويكون هناك تكافؤ من الناحية العمرية والمستوى الثقافي والعلمي والديني.
وأضاف أنه في زواج المصلحة غالبا ما يكون هناك فارق عمر كبير بين الطرفين حيث يوافق الشاب على الزواج من امرأة تكبره بعشرات السنين من أجل الحصول على أموالها أو وظيفة ما، كذلك الحال بالنسبة إلى الفتاة التي توافق على الزواج من رجل أكبر منها في العمر لكي يلبّي لها احتياجاتها المادية، لافتا إلى أنه بمجرد انتهاء المصلحة والغرض من الزواج تنتهي العلاقة فعليا، ويكون الطلاق هو الخيار الأفضل بالنسبة إلى ذلك الزواج.
وأكد أبوحسين أن العلاقة الزوجية الناجحة تبنى على الحب والمودة والتفاهم والرحمة، ولا تكون أبدا متعلقة بمصلحة شخصية، فالرابطان العاطفي والنفسي هما اللذان يكملان مسيرة الحياة الزوجية لأن العلاقة الزوجية تستمر بالصفات المحببة بينهما.
أما عن دور الوالدين والأسرة في زواج المصلحة فيوضح أبو حسين أن هناك من الآباء من يجبر الابن أو الابنة على زواج المصلحة من شخص ما من أجل تحقيق مصلحة معينة من ورائه، وهو ما نهى عنه الشرع، حيث لا يصح أن تجبر الأسرة ابنتها على الزواج من رجل من أجل الحصول على منفعة لأنها بذلك تحكم على حياتها بالفشل والتعاسة، مشيرا إلى أن الإحصائيات وجدت أن نسبة فشل زواج المصلحة تتخطى الـ60 بالمئة، بالمقارنة مع الزواج عن حب الذي يسوده التوافق والمودة.
من ناحيتها، تلفت عزة كريم أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر إلى أن هناك شريحة اجتماعية كبيرة تنجرف وراء زواج المصلحة بسبب ضغوط الحياة وارتفاع متطلبات المعيشة والزواج، حيث أصبحت المصالح المادية هي العامل المسيطر الأول والأخير على عقول الشباب، مشيرة إلى أن هناك نوعين من هذا الزواج، النوع الأول تكون فيه المصلحة معروفة ومحددة بين الطرفين لضمان حياة أسرية مستقرة ولبقائها أطول فترة ممكنة.
أما النوع الثاني وهو الذي تنتهي فيه العلاقة الزوجية بمجرد تحقيق المصلحة، وتكون نتائج هذا الزواج وخيمة، وعلى الفرد أن يتحمّل نتائج اختياره لأن زواج المصلحة هو صفقة وليس زواجا بالمعنى المتعارف عليه، وبها نوع من التجارة والمكاسب وتظهر آثاره النفسية على المرأة أكثر من الرجل، حتى وإن حققت بعض المكاسب المادية.
وأكدت كريم أن هناك بعض السيدات اللائي يلجأن إلى هذا الزواج للهروب من شبح العنوسة أو التخلّص من مصطلح مطلقة أو أرملة، وهي من الأسباب التي فرضتها العادات والتقاليد على المرأة.
مشيرة إلى أن على المرء أن يحسن اختيار الشريك، كون أن كثيرا من المفاهيم المادية التي تتعلق بالمستوى المادي والجمال من شأنها أن تتغير بعد الزواج وبعد وجود أسرة وأبناء، وسيكون هذا الزواج المبنيّ على المصلحة معرضا للسقوط مع أول عقبة يواجهها الطرفان، كون أنها علاقة بدأت في الأساس على خطأ، فالعلاقة الزوجية القويمة لا بد وأن تقوم على المودة والرحمة والتفاهم والتعاون لبناء أسرة ناجحة ومستقرة.
ونبه علماء اجتماع إلى أن هذا الزواج محكوم عليه بالفشل ويثير القلق في أوساط المجتمع نظرا إلى أن علاقة الرجل والمرأة في الزواج يجب أن تقوم على الاختيار والحب والتفاهم والاحترام المتبادل، أما بناؤها على أساس العقل والمنطق فيدل على وجود مصالح مادية تغيب تماماً المقاييس والمقاصد الأخرى للزواج.
كما أشاروا إلى أن هذا النوع من الزواج تطغى من خلاله المصلحة الشخصية ويؤدي إلى بطلان أهداف الزواج بين المرأة والرجل التي ترتكز على قيم نبيلة وأهداف سامية، أهمها المودة والرحمة والتفاهم والتعايش والاحترام، فمع تنامي الأنانية والحرص على المصلحة الشخصية أصبح أساس زواج المصلحة شركة اقتصادية تقوم على أساس توفير رأسمال مادي، وإلغاء كل المبادئ والأسس الخاصة بالزواج.