" وكالة أخبار المرأة "

في الغالب، وبحسب النظريات الاجتماعية المعرفية المتعلقة بالتمايز بين الجنسين، تتكون لدى الآباء والأمهات صورة نمطية واحدة حول ماهية السلوك المناسب للتعامل مع أطفالهم وفق جنس كل منهم، والذي يعتمد في الدرجة الأساس على عنصري الثواب والعقاب لضمان التزام أبنائهم بالتوقعات التي يمليها عليهم تصنيفهم الاجتماعي باعتبارهم ذكوراً أو إناثا. ووفق هذا المبدأ، كثيراً ما يثنى الأطفال من الذكور عن اللعب بالدمى في حين، تمنع الفتيات من ممارسة الأنشطة الجسدية المحفوفة بالمخاطر.
ويرى الدكتور روميو فيتيلي؛ أستاذ علم النفس في جامعة يورك في تورنتو، أن بعض الدراسات في هذا المجال تشير إلى أن الأمهات أيضاً يفضلن الحديث مع بناتهن بصورة أكثر كما يحرصن على عدم انضمامهن إلى أيّ نشاط من شأنه أن يسبب لهن الأذى، في الوقت الذي يميل فيه الآباء والأمهات على حد سواء إلى الانخراط في ألعاب القوة والحركة مع الأبناء الذكور تحديداً بدلاً من الإناث، في إشارة واضحة إلى دعمهم وتشجيعهم على التعاطي مع هذا النوع من السلوك الذي يعزز شخصيتهم الذكورية في المستقبل، بالطريقة التي تمليها عليهم توقعات المجتمع.
من جانب آخر، أظهرت دراسة في هذا النطاق أجراها باحثون أميركيون سنة 2015، بأن كلا الأبوين يكونان أكثر تقبلاً للمشاعر المبالغ فيها وردود الأفعال الغاضبة التي تبديها الفتيات، في حين يحرصان على معاقبة الأولاد عندما يصدر عنهم سلوك كهذا، باعتباره سلوكاً اجتماعياً مرفوضاً.
ويؤكد الدكتور فيتيلي على أن الآباء يبدون أكثر تطرفاً في التمييز في المعاملة بين أطفالهم، إلا أنهم لا يعبّرون عن اتجاهاتهم هذه بصورة صريحة في الدراسات التي ترصد هذه الإشكالية، حيث يخشون من اتهامهم بأنهم يعاملون أبناءهم بشكل مختلف في عصر ينادي بالمساواة بين الجنسين.
كما يعمد الآباء في الغالب إلى استخدام لغة معينة في تعاملهم مع الأبناء الذكور، باستخدام تعابير مثل “فخور بك” ، “أنت الأفضل والأقوى”، في حين يعتمدون على اللغة العاطفية في مخاطبة بناتهم بطريقة تعزز التوقعات “الجنسانية” وذلك بتشجيع الفتيات على أن يكنّ أكثر رقة وأكثر حرصاً على استخدامهن لمشاعرهن، في حين يتم تشجيع الأولاد على أن يظهروا قوة في التعامل وخوض الأمور بطريقة المنافسة واستخدام القوة.
وفي الوقت الذي تتفق فيه هذه النتائج مع الدراسات السابقة التي تبحث في السلوك الأبوي وأدوار الجنسين، فإن الأمر يظهر أيضاً أسئلة مثيرة للاهتمام حول السبب والنتيجة؛ فهل يعامل الآباء الأبناء والبنات بشكل مختلف بسبب توقعاتهم الجنسانية؟ أم أن الآباء يستجيبون ببساطة للإشارات الاجتماعية والسلوكية المرتبطة بالاختلافات البيولوجية بين الجنسين بين البنين والبنات؟
في أواخر العقد الأخير من القرن الماضي، كانت هناك مجموعة من البحوث التي أثبتت تأثير الآباء الكبير في النمو العقلي والنفسي لأبنائهم، ونتيجة لذلك، يطالب الآباء في أيامنا هذه بضرورة قضاء أوقات طويلة برفقة أطفالهم والمشاركة في الرعاية المباشرة لهم، وكثيراً ما يجدون أنفسهم في صراع للتوفيق بين عملهم ومتطلبات الأسرة.
ويرى الدكتور مايكل آشر؛ أستاذ علم النفس السريري في كلية طب بيرلمان في جامعة بنسلفانيا الأميركية، أن الآباء التقليديين يعرّفون عادةً أدوارهم في تقديم الحماية والرعاية المادية، لذلك، يصبح من المفيد أن يتشاركوا في أمور التربية بحذافيرها مع الأم وابتداءً من مرحلة الطفولة المبكرة.
ويحقق هذا التواصل القريب والحميم بين الآباء وأبنائهم، علاقة متبادلة من الثقة والانفتاح الأمر الذي يمنع من تكوين أيّ عوائق أو جدران افتراضية، تنشأ عادة في العلاقات العائلية التي تتولى فيها الأم الدور المحوري في رعاية الأبناء، بينما يتخذ الأب جانباً محايداً لا يكاد يشعر بوجوده الأبناء.
من جانب آخر، كثيراً ما يعتقد الآباء بأن دورهم التقليدي يملي عليهم تقديم المشورة والنصيحة للأبناء، وهذا أمر مهم بالطبع، لكن ينبغي عليهم أيضاً أن يكونوا مستمعين جيدين وأن يظهروا التعاطف إذا تطلب الأمر ذلك، حيث تؤكد الأبحاث الحديثة في مجال علم النفس التربوي على أن هناك صلة مباشرة بين إظهار التعاطف والتفهم وتطور الصحة النفسية للطفل، وهو ما يؤدي إلى خلق صلات قوية في علاقة الآباء مع أبنائهم، تكون بعيدة نوعاً ما عن أسلوب التحكم المباشر وإسداء النصائح والمثاليات في التفاعل.
من ناحية أخرى، يتردد معظم الآباء في إظهار مشاعرهم وحبهم لأبنائهم الذكور من خلال التعبير الجسدي كاحتضانهم وتقبيلهم، محكومين أيضاً بالمحددات الاجتماعية التقليدية التي تعزز الفكرة الخاطئة التي تصوّر مثل هذه المظاهر والتقارب واللمس البدني، الذي يعكس فكرة التشجيع والثناء بين الأب والابن، على أنه سبب في ضعف شخصية الطفل المستقبلية.
في حين، يؤكد علماء النفس على أن الأولاد الذين يتبنون السلوك العدواني ويستخدمون العنف في علاقاتهم مع الآخرين، يفتقدون في الغالب إلى الرعاية العاطفية والتشجيع سواء كان بالكلمات أو باللمس والتربيت من قبل الأبوين، في مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكرة. الآباء الذين يتبنون هذا النوع من السلوك المتاح والمنفتح في التعامل مع أطفالهم، سيكونون بالتأكيد نموذجاً مثالياً لأبنائهم من الذكور الذين سيصبحون بدورهم آباء مثاليين.