الرباط - فيصل عبدالحسن - " وكالة أخبار المرأة "

مفارقات المسرحية المغربية الكوميدية “ثلاثة باركة” التي عرضت في مسرح المركز الثقافي محمد المنوني بمكناس مؤخراً جاءت من طرافة المواقف التي تعرضت لها شخصية سي لمنور، الذي اتَّخذ ثلاث خطيبات في وقت واحد.
المسرحية قدمتها فرقة مسرح الشامات المغربية بدعم من وزارة الثقافة المغربية. وأعدَّها بوسلهام الضعيف وأخرجها أحمد حمود ومثلها كل من زينب الناجم، وسارة الحمليلي، وكريمة الخاطوري، وشيماء الجبيري، وياسين أحجام وسعيد الهراسي، ونفذ السينوغرافيا لهذا العمل رضا العبدلاوي.
بوينغ بوينغ
تدور أحداث مسرحية “ثلاثة باركة” حول شخصية سي لمنور، مهندس معماري شاب يعيش بشقة بالدار البيضاء ويؤمن بتعدد الزوجات، ويعتبر ذلك حقاً من حقوقه كرجل، وقد ظن نفسه ذكيّا، فخطب ثلاث فتيات دون علم إحداهن بالأخرى، وفي وقت واحد، مما جعله هدفاً لـ”الغارات المفاجئة”، التي تقوم بها كل واحدة منهن، وقد علمت كل واحدة منهن بغريزتها الأُنثويّة، أنَّ فتاة أخرى في حياة خطيبها، لا تعرفها. فبذلت كل منهن الجهد الكبير لاصطياده، وهو يخونها مع تلك الفتاة المفترضة.
عنوان المسرحية “ثلاثة باركة” هو في الأصل مثل مغربي ويعني ثلاث زوجات في البيت برَكة. وهي مقتبسة من مسرحية “بوينغ بوينغ” للكاتب الفرنسي الراحل مارك كاموليتي (1923 ــ 2003). كتبها في الستينات من القرن الماضي، واعتبرت بعد عرضها من أكثر مسرحيات الفودفيل الفرنسية نجاحاً، منذ مسرحيات موليير الاجتماعية الكوميدية.
تحكي المسرحية الفرنسية المفارقات الكوميدية، التي يعيشها مهندس معماري مستهتر يدعى برنارد، أوقع في حبائله ثلاث مضيفات طيران يعملن في ثلاث شركات متنافسة. لعب دور برنارد وسي لمنور في المسرحية المغربية، الممثل ياسين أحجام، ومثل سعيد الهراسي دور صديقه سعيد الأبيض، الذي جاء ليسكن معه في شقته لأسباب قاهرة يمر بها، فصار جزءا من لعبة الخداع التي مارسها صديقه للنساء الثلاث.
وقد مثلت الفنانة زينب الناجم دور الخادمة أو الحاجبة في النسخة المغربية، ومثلت الفنانة سارة الحمليلي دور صوفيا ألا وهي جاكلين في العمل الفرنسي وهي مضيفة فرنسية، وكريمة خاطوري أدت دور الزوهرة، وهي في الأصل شخصية جانيت المضيفة الأميركيّة، لكنها في المسرحية المغربية تعمل مع الخطوط التركية، فيما تقمصت شيماء الجبيري دور فاتن وهي شخصية المضيفة جوديث الألمانيّة في الأصل. وفي العرض استبدلت الخطوط الألمانيّة بالخليجيّة.
وقد واجه المُعِدُّ صعوبات جمة لوضع نص مسرحي كوميدي ملائم للنص الفرنسي، لاختلاف الواقعين الفرنسي والمغربي، كما أنَّ ما يمكن عرضه على جمهور فرنسي يختلف تماماً عن ملاءمته لجمهور مغربي بسبب اختلاف القِيَم والعادات بين مجتمعين عريقين، لكل منهما رؤيته ووجهات نظره بما يعيشه الشباب، وما يراه مناسباً لحياة هؤلاء الشباب.
وما يكون مضحكاً لدى الفرنسيين في العادة ربما سيستدر الدموع لدى مجتمع آخر كالشعب المغربي، خصوصاً في مسائل شائكة، طرحتها المسرحية، كالحب والخيانة، والخطوبة والزواج. واختلاف مفهوم الحياة الزوجية، وعلاقة الزوجين في المجتمعين مع الآخرين، وحدود حرية العاشقين قبل الزواج.
ومن الصعوبات الأخرى التي واجهها مُعِدُّ العمل بوسلهام الضعيف والمخرج أحمد حمود تقديم عرض كوميدي اجتماعيّ دون الوقوع في فخ الكوميديا الهابطة. والمعروف أنَّ هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين مسرح الفودفيل، الاجتماعي الكوميدي، ومسرح التهريج، الذي يُسخّرُ فيه المخرج والمؤلف والممثلون كل طاقاتهم لإضحاك الجمهور من دون هدف آخر غير الضحك.
كوميديا ناقدة
بلغت المسرحية ذروتها حين توحدت شركات الطيران، التي توظف هؤلاء المضيفات في شركة واحدة، ولذلك يصير سفر المضيفات الثلاث في الفترة نفسها، فيقصدن شقة خطيبهن سي لمنور في إجازتهن الأسبوعية. ويحاول سي لمنور أن يتدارك خطر اكتشاف خطيباته لخيانته لكل واحدة منهن، فلا يجد غير صديقه، سعيد الأبيض، الذي أقام معه في شقته. وبالرغم من بذل الصديق جهوده لحماية صديقه، فإنه بسبب حماقته وبراءته وأجوبته العفوية عرّض صديقه للفضيحة، فتكتشف الخطيبات حقيقة الخداع الذي تعرضن له من قبل سي لمنور.
إنَّ عناصر الرؤية المسرحية في النص تركزت حول مهارات كل ممثل وممثلة، دون الاعتماد على سينوغرافيا مؤثرة. فقد استخدم المنفذ عدداً محدوداً من الكراسي ومنضدة صغيرة، ولوحات جدارية تجريدية، وأخرى تمثل بورتريهات نسائية. وفي عرض المسرحية الفرنسية بدبي، استخدم ديكورا فخما لغرفة النوم، والاستقبال، وصالة المطار أضافتْ للمشاهد رؤية بصرية أغنت النص المسرحي، وجعلته أكثر حيوية.
وذلك ما فعلته مجموعة دبي للدراما، التي سبق لها أن قدمت المسرحية الفرنسية الأصليّة “بوينغ بوينغ” في كورتيارد بلاي، هاوس ــ دبي في مايو عام 2015. ويعود هذا النجاح في الأساس إلى حيوية النص، المُعَدّ عن الأصل الفرنسي، وإلى الجهود الكبيرة التي بذلها الممثلون والمخرج لإنجاح العرض الكوميدي، وجعله من الكوميديا الراقية التي تلهم الجمهور قِيَم الحق والجمال والفضيلة، ونبذ الخداع والحيلة والانتهازيّة التي يسلكها البعض للوصول إلى أهداف غير مشروعة.
ويمكن اعتبار ” ثلاثة باركة” من العروض الكوميدية التي اهتمت كثيراً بنقل مشاكل تعدد الخطيبات في وقت واحد، ورغبة الشباب في حياة مترفة سعيدة. وعرّت استهتار الرجال بعواطف الفتيات، واستغلالهم لطموحهن إلى الزواج والاستقرار مع شاب ناجح يوفر لهن الحياة السعيدة، ويبادلهن الحب الصادق.