محمد عيد أيوب - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

في هذه البلدة الصغيرة، تكثر مشاكل الإرث، وطالما حلّ الظلم، فالطرف الضعيف دوماً هنَّ البنات، مأكول دوماً حقهن، مهضوم بلا عناء.. لن يمنعك مانع، ولن يزجر سوء صنيعك زاجر، فرأس الكل موبوء بذات البطحة!
لا فرق في بلدنا -يا سيدي- بين اللص والمدرس والطبيب والفلاح.. إذا ما أتى الكلام إلى إرث البنات، فلا دين ولا فقه ولا ضمير ولا قانون!
يستوي في هذا الوباء أصحاب الملاليم مع أصحاب الملايين، فإرث البنات هو الغنيمة السهلة.
عادات وتقاليد هذا البلد ساعد في كسر شوكتهن، وأعطى لأخيها حقاً ليس له، تختلف الذرائع، وتتعدد التبريرات والنتيجة واحدة.
أعمد تماماً إلى استخدام لفظ البنات، مبتعداً عن الإناث، فالجاني ليس فقط الأخ أو الأب، وإنما الأم تشارك في الجريمة راضية توهم نفسها أن القسط في ألا ترث بنتها من أبيها شيئاً، في هذا الأمر حل للغز من بعض ألغاز إرث البنات، لهم في ذلك مقولة زائفة: إذا ورثت البنت فقد انتقلت أملاكنا من حوزة العائلة إلى عائلة أخرى غريبة!! وإلى أولاد ليسوا بأولادنا! هنا يا سيدى ابن الابنة لا يعدونه من بنيهم، ولا مقارنة بينه وبين ابن الابن، الذي يحمل اسم العائلة، ويأخذ ماله وما ليس له عن طيب خاطر من كل أولئك البؤساء الجهلاء.
علموها مذ كانت صغيرة أنها غريبة، وجودها في بيت أبيها محدود، فهي ضيفة، وليس للضيف أن يرث!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منظرة بيت مولانا، تتعالى الأصوات، وكل يتحايل ويتمايل، ويأتي من الحجج التي تعضد من رأيه، يحاول أن يستأثر بحق أخواته البنات، سكتن جميعاً فلم يعترضن، إلا تلكم الصغيرة، مقصوفة الرقبة "إكرام".
دارت على بيوت عزبتهم بيتاً بيتاً، شكت وبكت، وأتت للصغير والكبير، حجتها قوية، وبيانها فصيح، ضاق أخوها بكلامها، وكلما هددها، لم تعِر لتهديداته اهتماماً، فهي تعرف حقها الذي أوجبه الله لها تردد الآية
- "للذكر مثل حظ الأنثيين" لي نصف مالك من مال أبينا، ومن أرضه ومن البيت الذي سكنته أنت.
يرد عليها مستشيطاً من تبجّحها:
* البنت ما بتورث في البيت.
- بتورث يا أبو ذمة واسعة، سألت مولانا وقال لي بتورث في كل شيء
* اللي ماشي فى بلدنا وسلونا إنها ما بتورثش في البيت.
- ونصيبي في الأرض فين؟
* نصيبك محفوظ، بس يرضيكي أرضنا تروح لناس أغراب؟
- أغراب؟!
تنظر إليه مستنكرة ما يقوله ذاك المبتز الجاهل، إنه لص يصول ويجول من أجل الغنيمة التي استحلها من أخواته، إلا هي.. استعصت عليه، فلم ترضَ ولم توقع له على ورقة التنازل.
يدور رأسها وتضيق عليها الدنيا ثم تردف:
- أنا ولادي مش أغراب، ليهم ورث من جدهم أبو أمهم، وهياخدوه كامل مش ناقص تعريفة.
* نصيبك في الأرض هنحسبه زي بقية إخواتك البنات، القيراط بألفين جنيه.
- إزاي وأقل فدان في الناحية دي اتباع بمتين ألف جنيه؟! يعني القيراط واقف على أكتر من 8 آلاف جنيه.
بص يا سيد يا أخويا، أنا عاوزة أرضي وأنا أتصرف فيها بطريقتي، هزرعها أو أزرَعها لحد.. ورثي وأنا حرة فيه.
يضيق ذرعاً بكلامها ولا يعرف كيف يأتي منها بالتنازل المطلوب، فالمحامية الأستاذة عصمت أخبرته أن موقف أخته قوي إذا ما لجأت للقانون، والأستاذة عصمت لمن لا يعرفها، هي أهم محامية في الناحية تخصصت فى حل مشاكل الإرث، وكل حلولها باطل، ومن يدفع أكثر، يناله من القسمة ما يشتهي.
ورغم كونها امرأة، فقد وضح جلياً أن بعض النساء عون على أكل حقوق غيرهن بالباطل، تنظر إليها "إكرام" كلما صادفتها متوجعة، فلو كان الجاني ذكراً لهان عليها الألم.
الجانيات هنا كثيرات، وتعجب حين ترى منهن بلهاء كأختها سحر، اقتنعت بكلام أخيها وأمها، وارتضت بما قسمه لها أخوها رغم علمها بجوره على حقها.
اقتنعت أن المال لعائلة لأبيها، وسينقص إذا ما ورثت وانتقل المال إلى أولادها الذين يحملون اسماً غريباً!
اقتنعت بعد أن هددها أخوها بأنه لن يدخل لها بيتاً، وليس لها أن تغشى عتبة داره الذي هو في الأصل دار أبيها!
ولا تعلم -يا سيدي- ما يعنيه هذا التهديد في بلد ريفي كبلدنا!
في الأعياد والمواسم، يظل حتماً على كل أخ ذكر أن يزور بيوت أخواته الإناث، ويحمل ما تيسر له من الهدايا ومبلغاً من المال.
في الغالب، لا تنتظر البنت من أخيها مالاً ولا هدايا، ولكن زيارته دليل على أن لها أهلاً يسألون عنها، ويهتمون لأمرها.
لو غابت الزيارات، فستعيرها نساء بيت زوجها، أم الزوج ونظيراتها من زوجات أخي الزوج "السلايف" وهن في بلدنا أشد بأساً من الحموات في المدينة، وأشد دهاء ومكراً وضرراً إن أردن من لدغة العقرب.
ناهيك عمن سيقف للمغلوبة على أمرها إن ظلمها الزوج؟ ليس لها إلا أخوها.. يبقى هو طوق النجاة وإن طغى وتجبر وأكل مالها.
أدركت سحر كل تبعات الوقوف أمام أخيها، وارتضت ما قدمه لها، ووقعت على ورقة التنازل فى وجود الأستاذة عصمت المحامية.
وكذا فعلت أختهم الثالثة بعد أن شاورت أمها وأختها.. الكل رضي إلا هي، إكرام.. عنيدة، صلبة الرأس، ترد الكلمة عشراً.
(يُتبَع)