حسينة بالحاج أحمد - " وكالة أخبار المرأة "

تشكل فترة اجتياز امتحان الباكالوريا صعوبات بالغة بالنسبة إلى كافة الأسر، نظرا لما يكتسيه هذا الامتحان من أهمية بالنسبة إلى الأولياء الذين يرونه خطوة أساسية للاطمئنان على مستقبل أبنائهم.
ويعيش الأبناء بدورهم مرحلة صعبة تطغى عليها ضغوط المراجعة وتكدّس الدروس وضغوط فترة الامتحانات، وتتضاعف هذه الضغوط بسبب مشاعر القلق والتوتر التي يعيشها الأولياء في هذه الفترة والتي لها تأثيرات سلبية على الأبناء الذين يحتاجون إلى الهدوء والسكينة من قبل المحيطين بهم.
ويقول عبدالستار الخديمي، أستاذ لغة عربية بأحد المعاهد التونسية، “فترة الامتحانات المدرسية وما قبلها تفرز جملة من التفاعلات العميقة على المستويين المادي والمعنوي، فجل الأسر -التونسية والعربية عموما- تشهد تغيّرا ملحوظا في نظام حياتها اليومي، حيث يعمد الآباء والأمهات إلى البحث عن سبل الراحة المساعدة لمنظوريهم على فهم واستيعاب الكم الهائل من الدروس والمعادلات والأفكار، منها ما يتطلب تنشيطا للذاكرة ومنها ما لا يتم إلا بدقة التمشي وصواب التخمين”.
ويضيف الخديمي  أن “الآباء كما الأمهات يجتهدون في شراء ما أمكن من المواد الغذائية التي تحوي كمّا لا بأس به من الفيتامينات كالعصائر ومشروبات الطاقة.
ولا تبخل الأمهات بتوفير المشروبات المنبّهة، فتارة يقدمن القهوة لأبنائهن مع بعض الحلويات وأخرى يقدمن الشاي مع الفواكه، ظنا منهن بأن الحفاوة على غير العادة بفلذات أكبادهن ستفتح أمامهم أبواب النجاح على مصراعيها، حتى أن بعضهن ولشدة توترهن يجافيهن النوم فيأرقن لأرق أبنائهن”.
وأشار إلى أنه “باختلاف أعمار الأبناء ومستويات فصولهم الدراسية يختلف تعامل الوالدين، فيعمدان إلى التلقين أو المساعدة على الحفظ أو الاكتفاء بالتشجيع والنصيحة، فيغدو الكل عالما بخفايا المناهج الدراسية”.
وأكد أن كل ما يقوم به الأولياء بوعي أو من دونه يسلط ضغوطا كبيرة على الأبناء، فيزداد توترهم وقد ينعكس كل ذلك بالسلب على النتائج المدرسية.
أما ما يثير الانتباه فعلا حسب الخديمي أنه رغم تطور العقول وطرق التفكير فإن كل ذلك يتم في ارتباط وثيق بالأعراف والعادات الشعبية التي لا تزال مترسخة في الأذهان.
فيكثر الدعاء والتبرك بقراءة آيات قرآنية وصولا إلى الاستعانة بالعرّافين، ولا حرج أيضا من الاستعانة بوصفات وسائل التواصل الاجتماعي التي تغدق على المتصفحين تحليلات مستفيضة، يستند أصحابها إلى شتى العلوم النفسية والاجتماعية.
وأوضح قائلا “بالرغم من أن جل الآباء والأمهات يعرفون بوعي عميق أن الامتحانات هي آخر حلقات التحصيل الدراسي، ونتائجها لا تخضع فقط لما يقدمه التلميذ في فترة الاستعداد أو إنجاز الامتحانات، بل هي نتاج عمل دؤوب منتظم غير منقطع يمتد على طول العام الدراسي، فإنهم يتصرفون بالكثير من الحرص، مدفوعين بمشاعر الخوف والرهبة من الإخفاق”.
وختم الخديمي يقول “يتكرر الأمر مع كل فصل جديد من الامتحانات ولعل المخاوف تتضاعف خاصة مع امتحانات الأقسام النهائية كالباكالوريا”.
وتقول حسناء لعبيدي، ربة بيت وأم لأربعة أبناء مرت بخوض تجارب الامتحانات على اختلاف مراحلها “أشعر بتوتر شديد يتناقله كل أفراد العائلة ولا أدري مأتاه وكأننا جميعا سنجتاز عتبة الامتحانات”، وبقولها هذا اختزلت لعبيدي كل مشاعر الأمهات والأسر أيضا أيام الامتحانات المدرسية.
وأكد الكثير من الأولياء مروا بتجربة اجتياز أبنائهم لامتحان الباكالوريا أن التوتر لا ينحصر صلب الأسر التي تحظى بتلميذ متوسط النتائج بل يشمل أيضا أسر التلاميذ المتميزين، حيث يخشى الأولياء من مفاجأة عدم حصول ابنهم على النتائج المرجوة.
ولا تقتصر هذه السلوكيات على الأسر العربية بل تنتشر أيضا في الدول الغربية، حيث قال استطلاع إن 26 بالمئة من التلاميذ يرون أن أولياءهم يعدون مصدرا للقلق، فيما يشعر 49 بالمئة بالتوتر.
ويقول أحد التلاميذ من المقبلين على اجتياز امتحان الباكالوريا “لدي شعور بأن أبي وأمي يشعران بالتوتر أكثر مني وكأنهما سيجتازان هما أيضا الباكالوريا، أمي مثل قنبلة موقوتة مستعدة للانفجار في كل لحظة، وسيختفي كل خوفها وفزعها عندما أعلمها بأنني نجحت”.
ويقول خبراء التربية إن لا شيء يدعو إلى توتير الأولياء لأبنائهم خلال هذه الفترة ومن الأفضل البقاء هادئين وحتى منغلقين إذا تطلب الأمر ذلك، والأساس هو مساندتهم. ويتطلب الأمر النقاش على أسس صحيحة، فبعد تفهم وتحليل توتر الأولياء، ينصح الخبراء الأبناء بألا يبقوا صامتين، كما يرى الخبراء أنه من الضروري مناقشة الأمر معهم وذلك ليوضحوا لهم أن توترهم وقلقهم المبالغ فيهما لهما تأثير سيء عليهم ولا يحملان أي إيجابيات.
وشددوا على ضرورة أن يثبت الأبناء لأولياءهم في الوقت ذاته بأنهم تقدموا في المراجعة وبأن الأمور تسير على ما يرام، وذلك بعرض الملخصات وحفظ الدروس أو بطرح مخطط المراجعة، فالأولياء لا يخشون شيئا إلا البقاء دون فهم ما يجري حولهم خاصة إذا كان من حولهم يحيط به نوع من الضبابية.
وتقول دومينيك إحدى الأمهات الفرنسيات “ابني على ما يبدو ليس معنيا مطلقا بالتوتر الذي يداهمني.. فهو لا يتوقف عن تكرار بألا أنزعج وبأن كل شيء سيكون على خير ما يرام.. ولكنه لا يفعل أي شيء ما يجعلني أحس بالتوتر على مدار اليوم. أعد له حتى ملخصات الدروس لكي أساعده في المراجعة”.
وتضيف “لكن حديثي معه يريحني: لا شيء يستدعي القلق ولا توجد أسباب تجعله لا يحصل على شهادة الباكالوريا، لأنه تحصل على نتائج جيدة على مدار السنة الدراسة”.
ويطالب الخبراء الأبناء بتفهّم خوف وقلق الأولياء، فقد تكون لذلك علاقة بالماضي مثل ذكرى سيئة لها علاقة بفترة اجتياز الباكالوريا، مشيرين إلى أن كل أب وأم يتمنيان أن يريا أبناءهما في أحسن الأحوال ولا يتمنيان لهم إلا كل شيء جميل، لذلك على الأبناء عدم التركيز على غضبهما وتوترهما.
ونبهوا إلى أنه إذا لم يحصل التلميذ على نتائج جيدة طوال السنة الدراسية وليس مستقرا في مراجعته، فإن ذلك من شأنه أن يكون مدعاة لقلق الأبوين وتوترهما الدائم.
وتقول التلميذة إيستال “عندما كنت في المرحلة النهائية فكرت في الترفيه أكثر من العمل، مما جعلا والداي يقلقان ويغضبان بشدة وبدآ يوبخانني ويؤنبانني من الصباح إلى المساء، ويقولان إنني لن أتمكن من فعل شيء في المستقبل ويقارنانني دائما بشقيقتي الكبرى التي كانت دائما مثابرة”.
فهذا الطبع غير المسؤول يمكن أن يكون مصدرا حقيقيا للتوتر بالنسبة إليهما، حيث تقول سيلفي أم إيستال “ابنتي كانت قليلة الحماس إلى درجة أنني لم أتمكن معها من التوقف عن القلق وأن أتساءل عن مستقبلها، ومما يزيد من سوء الموقف أنني لا أعلم كيف أضعها على الطريق الصحيح، أو كيف أقنعها بأن شهادة الباكالوريا مهمة لكي تمر إلى إنجاز دراستها العليا، وهي لا تفعل شيئا حيال ذلك وتأخذ كلامي بكل بساطة دون أن تعيره أي اهتمام، كم أحس بالأسى”.
وأوضح التلميذ كريستوف قائلا “حتى أتمكن من الحفاظ على كامل حظوظي فضلت مغادرة البيت والتوجه إلى منزل جدتي للمراجعة.. التوتر في المنزل بات يصيبني بالعجز وأصبح لدي شعور بالاختناق”.
وإذا تفشى التوتر يفضل الابتعاد عن هذه البيئة غير الصحية، وينصح التلاميذ بعدم التردد في قضاء بعض الوقت عند الأقرباء أو في المكتبة العمومية للتمكن من المراجعة في أجواء يعمها الهدوء. كما ينصح التلاميذ بأن يكونوا على ثقة في قدراتهم ويعملوا بانتظام لكي يمنحوا آباءهم الطمأنينة.