بيروت ــ عصام سحمراني - " وكالة أخبار المرأة "

المدرسة أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية، فهي التي تغذي التلاميذ بقيم الحقوق والواجبات والأخلاقيات. إذاً، ما الذي يتلقاه تلاميذ لبنان حول المرأة تحديداً؟ هل تسود ثقافة الحقوق كتبهم أم لا؟
هل يساهم المنهج المدرسي اللبناني في تكريس الصورة النمطية للمرأة ودورها في المجتمع عبر إعادة إنتاج القيم نفسها وتغذية المتعلمين بها جيلاً بعد جيل؟ أم يهيئ التلاميذ لحياة مستقبلية، أكاديمية ومهنية وأسرية وحقوقية، قائمة على المساواة بين الجنسين تبعاً للاتفاقيات الدولية التي صادق عليها لبنان من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)؟
امرأتان فقط
تستلزم هذه القضية بحثاً متكاملاً في علم اجتماع التربية قد يصلح لأطروحة أكاديمية. لكن، بما يتوفر من مصادر أولية يمكن اتخاذ عينة من كتاب "التربية الوطنية والتنشئة المدنية" الرسمي بأجزائه الثلاثة التي تغطي سنوات الدراسة الثانوية، كونه الكتاب الذي يضمّ القيم والتراث الوطني والقوانين والحقوق والتنظيمات المختلفة الخاصة بأبناء المجتمع اللبناني. وكون تلك السنوات الثلاث هي المرحلة الفاصلة ما بين تحول التلميذ من معال إلى معيل راشد يتولى مسؤولية نفسه قبل كلّ شيء، وتترتب عليه عدة واجبات كبرى تجاه مجتمعه.
يشار إلى أنّ الطبعة الأولى من هذه الكتب، وهي المسماة "المناهج الجديدة" تعود إلى عام 1998، وقد أطلقت الطبعة الرابعة عشرة للعام الدراسي الحالي (2016- 2017) بالذات، وهو العام الذي يشارف على نهايته. وهي معتمدة في المدارس الرسمية المجانية، والأهلية نصف المجانية، وفي أكثر المدارس الخاصة.
في إشارة استباقية إلى تفاصيل الكتب الثلاثة تبرز المرأة في مهن محددة غالباً، ومهنة معلّمة المدرسة إحداها. مع ذلك، من اللافت أنّ المرأة لا تظهر في لجنة إعداد الكتاب أو الهيئة الاستشارية إلا بالكاد. فاللجنة تضم ستة عشر اسماً من بينها اسمان لامرأتين فقط، أما الهيئة الاستشارية فتضم ستة أسماء ليس من بينها امرأة واحدة حتى.
"كاتبة عدل"
مع ذلك، فإنّ مضمون الكتب غني بالمواد التي تنصّ على المساواة بين الجنسين، وتشدد على حقوق المرأة في مختلف المجالات، وذلك تبعاً لغناها بمواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبعض النصوص المستقاة من اتفاقية "سيداو".
في هذا الإطار، تظهر الكتب تلك المساواة في أمثلة عديدة، من بينها صورة فوتوغرافية تشير إلى حق المواطن في الاقتراع تظهر سيدة تضع صوتها في صندوق انتخابي، ومعها تعليق "مواطنة تقترع". كذلك، يبرز الحديث، في الأمثلة حول الجمعيات المختلفة، عن جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة. وفي حق العمل تبرز المرأة في مهن عديدة منها صورة فوتوغرافية لامرأة في مكتب مع تعليق "المرأة في حقل الإدارة". وفي الإطار نفسه تبرز صورة فوتوغرافية لتخريج قضاة أكثريتهم إناث، ورسم تعبيري عن تولي امرأة منصب كاتبة عدل، ولو أنّ التعليق المرفق يلتزم بالتسمية الرسمية الذكورية للمنصب وهو "كاتب العدل".
تبرز إشارة إيجابية في تعداد الحقوق التي حصلت عليها المرأة في لبنان، من خلال التطرق إلى غياب حقها في منح جنسيتها لأطفالها المولودين من زوج أجنبي، ناهيك عن حقها في تمرير جنسيتها إلى زوجها الأجنبي.
أما الخدمة العسكرية فتتحول إلى قضية جدلية في المنهج، فبينما يشير كتاب السنة الثانوية الأولى إلى أنّ "خدمة العَلَم" تُفرض على الذكور لكن "تخضع لها اللبنانيات عند الاقتضاء بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء، تحدد فيه شروط استدعائهن" ويعرض الكتاب صورة فوتوغرافية لشابتين لبنانيتين بالزيّ العسكري في أحد المكاتب، فإنّ الحديث عن الخدمة العسكرية في كتاب السنة الثانوية الأخيرة يختلف. هنا يقترب من الواقع أكثر، وهو الواقع الذي يشير إلى أنّ التجنيد من نصيب الذكور وحدهم في لبنان. تجدر الإشارة إلى أنّ التجنيد الإلزامي توقف في لبنان منذ عام 2006، واستعيض عنه بالتطوع وقوامه الذكور، ولو أنّ الجيش وقوى الأمن الداخلي وبقية الأجهزة الأمنية تستقبل متطوعات، لكن في مهام غير قتالية.
"بفرحة عريس"
في المقابل، ومع الحديث عن الصور والرسوم التي تضمنتها الكتب، فإنّها بداية لا تفي المرأة حقها في المساواة. مثال على ذلك يبرز من خلال إحصاء الصور والرسوم التي تضمّنها كتاب الصف الأول الثانوي، إذ يضمّ 232 صورة ورسماً ليس من بينها أكثر من عشر صور موضوعها المرأة وحقوقها وقضاياها بالذات. وهي الصور التي تتحدث عن حقها في المشاركة السياسية من ترشح واقتراع وتظاهر، والصحة، والتعليم، والبيئة الأسرية السليمة، والعمل.
بخصوص العمل بالذات، يبرز ذلك التنميط من خلال الأمثلة المصورة حول الأعمال التي تحتاج إلى جهد بدني أكبر. فهذه الأعمال يتولاها الذكور في تلك الأمثلة. فما الذي يبقى للمرأة من مهن؟ يبرز ذلك خصوصاً في محور دروس حول أخلاقيات العمل، وذلك في كتاب السنة الثانوية الثانية، حيث يتضمن أربع صور فوتوغرافية لنساء عاملات، الأولى مذيعة أخبار، والثانية ممرضة، والثالثة معلّمة مدرسة، والرابعة خيّاطة.
كذلك، يبرز التنميط في محاور الأسرة من خلال تقسيم المهام المنوطة بكلّ من الأب والأم، فالأب هو "ربّ الأسرة المسؤول عنها يعطي أفرادها الاسم والجنسية والمذهب. أما الأم فلا يقتصر دورها على الإنجاب وإدارة شؤون المنزل، وهي شريكة لزوجها في التوجيه والتربية، وفي تحمل الأعباء المالية بعد دخولها سوق العمل، وهي توفر الحنان والودّ والمحبة لكلّ فرد في الأسرة". ويبرز التنميط أسرياً أيضاً في جلسة الأب والأم مع الابنة مصوّرة في مشهد حديث الفتاة عبر الهاتف، بينما يلتصق بها الأهل، كأنّها إشارة إلى رقابة لصيقة مفروضة على الإناث وحدهن من دون الذكور. هذا التمييز الذكوري تجاه المرأة يبرز في صورة أكثر جلاء في التهنئة التي يتلقاها العروسان لدى زفافهما، وهي من صميم المجتمع اللبناني، وقد أبرزها كتاب السنة الثانوية الثالثة بصيغة "بفرحة عريس" التي تشير إلى التمنيات للعروسين بمولود ذكر حصراً.
"البيضة وتقشيرتها"
تنطلق الأستاذة في علم اجتماع التربية الدكتورة هيفاء سلام في تعليقها على التنميط الذي يواجه صورة المرأة، من الواقع اللبناني الذي يشهد على الانتقاص من الحقوق. تقول سلام لـ"العربي الجديد": "المرأة اللبنانية لم تنل كلّ حقوقها بعد، ويمكن أن نتبيّن أمثلة على ذلك من خلال عدم حصولها على الحق في منح جنسيتها لأبنائها إذا كانت متزوجة من أجنبي... هي مواطنة مثلها مثل الرجل لكنّ ما يستطيع فعله تُمنَع عنه بالقانون. كذلك، يتبيّن ذلك من خلال مثال آخر يتعلق بحضانة الأولاد بعد الانفصال، فالقوانين (محاكم دينية) لا تمنح الأم الحضانة بشكل بديهي، مع أنّ ذلك يجب أن يكون بديهياً إذ يحتاج الأولاد إلى أمهم ورعايتها، وبذلك، تفرض المحاكم على الأم التي تنفصل أن تناضل من أجل إثبات أهليتها كأم محترمة قبل أن تقرّ لها هذا الحق". ولا يقتصر انتقاد سلام لواقع انتقاص حقوق المرأة على القوانين، بل يمتد إلى غياب التمثيل الأنثوي الكافي والفعّال في الأحزاب اللبنانية التي لا تعطي مجالاً للمرأة: "من دون زعل، الرجل يأكل البيضة وتقشيرتها".
تدعو سلام، التي تحاضر في معهد العلوم الاجتماعية، إلى تكامل ما بين الرجل والمرأة في المجتمع على أساس الحقوق، فتركيب كلّ منهما مختلف عن الآخر، لكنّ المطلوب التعامل مع المرأة كمواطنة لها كامل الحقوق: "هناك نساء يعملن في نفس وظيفة الرجل لكنّهن يتقاضين رواتب أقل منه، وهو أمر غير مقبول".
ومن عرض الوقائع التي تصادفها في عملها الأكاديمي والبحثي إلى التعليق على المنهج المدرسي، تشدد سلام على ضرورة اعتماد مقاربة عدم التمييز في إعداد المناهج خصوصاً مع التغيرات التي تفرضها الحياة العصرية: "الأديان نفسها تتطور وباتت تتقبل عمل المرأة ومشاركتها الاقتصادية في المنزل. حصر مسؤولية تأمين المال بالرجل في الأسرة تعني حصر السلطة به بشكل غير مباشر".
تختم سلام بالحديث عن أهمية الكتاب المدرسي في تكوين الأجيال وإعادة إنتاج قيم المجتمع: "عقليتنا نكوّنها في المدرسة بالذات، فالمدرسة تغذي التلاميذ، بدءاً من الأجيال الصغيرة وبالانتقال مع كلّ مرحلة، بالقيم والأخلاقيات والالتزامات في كلّ شيء. وهي رسائل مباشرة وغير مباشرة، مبطّنة وعلنية، تسعى جميعها للوصول إلى الهدف المنشود".