" وكالة أخبار المرأة "

ليلة سينمائية جمعت تحت ظلها الكثير من الجنسيات والثقافات التي غصّت بها قاعة العرض السينمائي في مهرجان مووف البلجيكي الـ25، لمشاهدة فيلم المخرجة الفلسطينية ميسلون حمود “بر بحر” الذي جمع في فضاءاتِه التمثيلية أكثر من اثنين وأربعين ممثلا وممثلة، أدارتهم عدسة المخرجة بتقنية مشهدية لتنقل واقعا تراه عينها بالاشتراك مع أبطال الحكاية.
قصة الفيلم تدور حول ثلاث فتيات فلسطينيات قادمات من خلفيات ثقافية واجتماعية متنوعة، يلتقين في بيت لسكن الشابات بتل أبيب، تطرح هنا ميسلون حمود قضية الهوية، ففلسطين موجودة في كل ثنايا الفيلم، لكنها غير فلسطين التي يتم تقديمها دوما في السينما العربية، أتت في التتابع المشهدي في شكل “راكورات” ثابتة تعكس هويَّة متأصّلة متجذِّرة في الجيل الفلسطيني الذي وُلِد ونشأ وتلقَّى ثقافته في ظل الاحتلال الإسرائيلي للبلاد.
حياة موازية
تقول ميسلون حمود  إن فلسطين دائما محصورة سينمائيا بين الضفة الغربية ومدنها من جهة وقطاع غزة من جهة ثانية، لذلك أرادت تقديم نموذج مختلف بعيدا عن البطل والضحية من خلال انعكاس الاحتلال الذهني على شريحة واسعة غير مرئية في المجتمع الفلسطيني في ما بات يعرف بأراضي 48.
ثلاث فتيات يلتقين لتأخذهن مسارات الحكاية نحو حياة موازية للحياة الطبيعية، يكون الواقع المُتخيَّل فيها هامشا بينما يغدو الهامش في ذهن الآخر هو العمود الفقري الذي تُبنى عليه مشاهد الفيلم، فالفتيات مهمومات بالحياة والحرية، الحرية تنطلق عندهن من القدرة على الاختيار في ظل وجود خيارات لامتناهية لشكل الحياة، هكذا أرادت ميسلون، كما تقول، تقديم شيء مختلف يكسر النمطية في حضور قصص الداخل الفلسطيني التي لا يعرف العالم عنها شيئا.


وتسترسل حمود قائلة “الحياة الموازية للحياة الطبيعية تسير في بناء الشخصيات الذي استغرق ثلاثة أعوام على الورق، ضمن متتابعات ومتتاليات متسلسلة تربط داخل الشخصية بعوالمها الخارجية، استوقفتني هنا شخصية نور الفتاة القادمة من أم الفحم للدراسة في تل أبيب، وهي مرتبطة رسميا بخطبة من شاب فلسطيني اتخَذَّ من الدين واجهة لتقديم نفسه”.
وتحاول نور طيلة الفيلم أن تخلق جسورا بين عوالمها الداخلية والخارجية، فتصطدم بواقع صعب تحاول التخلص منه بعد تعرضها للاغتصاب من خطيبها الذي أراد محاصرتها من خلال فرض سطوته على كل تفاصيل حياتها.
هذه الحادثة تمثِّل مفصلا أساسيا في حياة البطلة فكانت لها تبعاتها التي جعلتها تتعامل مع الواقع خارج إطار الفهم المسبق للأشياء، انطلاقا من قاعدة العقلية النمطية القائمة على عقد اجتماعي أو ديني.
مقولات عديدة
على الضفة الأخرى تبرز شخصيتا سلمى وليلى اللتان تعملان بجد لكسب المال لأجل التفاصيل اليومية التي تصادفهما في المعترك الحياتي الذي يقود كلا منهما في اتجاه، هذا التقديم من خلال الشخصيات المتنوعة أسَّس لفكرة التناظر بين الأبطال، التناظر وليس التضاد.
من هنا يصطدم زياد الطيباوي القادم من نيويورك الأميركية بعد دراسته السينما هناك والمنفتح على الحياة مع حبيبته بسبب العقد الاجتماعي الذي ما زال يعيش في عقله الباطن رغم محاولاته الدائمة التمرد عليه. أمام هذه الشخصية تبرز شخصية وسام أو الحاج خطيب نور، الذي يعمل في جمعية لمساعدة الناس وفي الوقت ذاته يعيش حياة أخرى في الظلام يتخلَّص بها من كل الضوابط الأخلاقية التي يدَّعيها في النور.
تناظر الشخصيات لم يكن فقط في البناء الدرامي، بل أيضا في المصائر الحكائية السردية، حيث تتطور الشخصيات وفق معطيات ما يُفرَض، فهناك هامش دائم للمناورة على كل شيء، لهذا تبني ميسلون عوالم الممثلين في قوالب درامية محكمة قائمة على فكرة أنّ التحرّر يبدأ من العقل، فتعتمد المخرجة على الصدمة التي تحققها لدى الآخر لتقدّم له مقولات الفيلم، ما ساعدها في ذلك هو إيمان فريق العمل بكل فكرة تم تمريرها ضمن مشاهد الفيلم.
أسأل حمود هنا عن فريق العمل، لتقول إن الاتفاق الضمني والمعلن كان على تقديم الواقع كما هو دون تجميل أو تغيير، ودون الاستناد إلى فكرة الضحية والجلاد التي تنطلق منها الذهنية الذكورية.
أثار فيلم “بر بحر” ردود أفعال متناقضة في الفضاء العربي، فقد قوبل بالترحيب والاعتراض على حد سواء، لأنه يتضمن مقولات عديدة يمكن أن تُقرأ على أكثر من وجه، وهو ما تؤكده ميسلون حمود، معتبرة أنَّ كل ما صدر من دعوات ضد الفيلم ما هو إلا دليل على نجاحه، لأنّ مجتمعاتنا دوما تفعل في السر ما لا تقبل الإشارة إليه أو إظهاره في العلن.