طنجة ــ وصال الشيخ - " وكالة أخبار المرأة "

تتميز أشقار بالقرب من طنجة بمعالم سياحية تجذب الآلاف سنوياً، كمنارة "كاب سبارطيل" ومغارة هرقل. لكنّ المميز على الطريق المؤدي إليها أكلة شعبية من يد بائعات اللبن
يتلذذ كثيرون بمذاق السايكوك (خبز شعير) باللبن البارد تحت المظلاتّ المنتصبة على الطريق المؤدي إلى أشقار، على ساحل المحيط الأطلسي في طنجة، شمال المغرب. فعلى جانب الطريق، تقف عشرات النساء الآتيات من منطقة جبيلة القريبة، يبعن هناك أكلتهن التراثية - الشعبية. بعضهنّ يأتين بخضار وفواكه لبيعها أيضاً. يقفن هناك منذ أكثر من عشرين عاماً في مهنة نسائية خالصة، فإعداد السايكوك باللبن يحتاج إلى أنامل نسائية، كذلك، فإنّ ظروف المهنة تحتاج إلى قناعة وهدوء وصبر تتميز بها النساء.
آسيا الكرموني، أمّ لخمسة أطفال، تبيع الأكلة الشعبية تلك فوق عربتها الخاصة والتي تبعد متراً واحداً تقريباً عن عربة منّانة معمّلي. تقول لـ"العربي الجديد": "كانت عائلتي تعدّ اللبن وتبيعه في السوق ولم أكن أعمل حينها. بعد زواجي وإنجاب أطفالي، أجبرتني الظروف على العمل ببيع اللبن، فبدأت بشراء كميات يومية من الحليب من المزرعة التي تملكها عائلة زوجي، فأعدّ السايكوك باللبن بطريقة تقليدية".


تعترف الكرموني بأنّها مهنة صعبة تتطلب ثمن مواصلات يومية فضلاً عن تحمّل ظروف الطقس السيئة أحياناً، خصوصاً الرياح الشرقية المشهورة في طنجة، والتي قد تقلب طاولة البلاستيك لديها وتكسر ما عليها من أوانٍ. تقول إنّ "المنطقة مفتوحة على هواء الأطلسي وتعرف طنجة برياحها القوية. كذلك، نعمل تحت حرارة شمس عالية في الصيف ولا بدّ من مطر يصيبنا في الشتاء فتبتلّ ملابسنا". تتنهد: "هي أوقات عصيبة يطول شرحها".
زوّدت "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" بائعات اللبن حديثاً بعربات جديدة توفرّ لهنّ مساحة أكبر للأواني والأوعية المستخدمة في عملية البيع مع مظلّات تقيهن حرّ شمس الصيف وأمطار الشتاء، إلاّ أنّ حملاً ثقيلاً زاد فوق أكتاف النساء. تقول الكرموني: "العربة ذات عجلات ثقيلة، لا نستطيع جرّها وحيدات، يجب أن نطلب المساعدة من الرجال حولنا، وأضطر إلى جرّها، عندما لا يكون زوجي هنا. والعربة غير مجهزة بمولّد كهربائي أو ثلاجة لحفظ اللبن بارداً. أيضاً، فرضوا علينا استخدام المظلّة على الدوام لكنّهم لا يدركون قوّة الرياح التي يمكن أن تقتلعها وتؤذي أناساً آخرين".
تتمنى الكرموني لو أنها تعمل في مهنة أخرى ظروفها أفضل مما تعيشه على مدار العام. مع ذلك، هي سعيدة بالزبائن الذين يثنون على مذاق اللبن الذي تبيعه. كذلك، هي سعيدة بالنساء اللواتي يقفن إلى جانبها ويشاركنها المصير نفسه.
منانة معمّلي أيضاً أم لتسعة أولاد، وعمرها أكثر من ستين عاماً. تقول لـ"العربي الجديد": "أمتهن بيع اللبن منذ 20 عاماً. آتي يومياً إلى المكان وأبيع ما تيسر لي حتى يتمكن أولادي من إنهاء تعليمهم. مات زوجي قبل أربع سنوات وتطلبت ظروفنا أن أستمر في هذا العمل بمساعدة ابني الكبير الذي ينقل لي الأدوات، وأحياناً قد أضطر إلى استخدام التاكسي الذي يكلفني عشرين درهماً (2 يورو) حتى أصل إلى مكان عملي". معمّلي تسكن أيضاً في جبيلة في حارة الكرموني نفسها. تعدّ السايكوك بمعاونة شقيقها الذي يرعى المواشي.


عادة ما يتناول الزبائن السايكوك عند العربة بالذات في أواني البائعات، اللواتي يغسلنها ويضعنها في الشمس لتجف. ويرتفع الطلب على اللبن في فصل الصيف ويرتفع سعره في المقابل. تقول الكرموني: "قد يمرّ يومان في الشتاء من دون أن نبيع شيئاً، أمّا الصيف فهو مكرمة للسايكوك. ولا منافسة في البيع، كلّ بائعة ترزق وفق ما هو مقدر لها".
الرزق المقدّر كان دافعاً لمعمّلي حتى تمتهن بيع اللبن بائعة حرّة. فمع سؤالها عن سرّ عدم لجوئها إلى مهنة أخرى، تجيب: "الضعف، أنا ضعيفة لا أملك شيئاً، بيع اللبن أفضل من العمل لدى أشخاص يهدّون صحتي في العمل المرهق. البيع على العربة حرّ ورزقي مقدّر وقنوعة به". لكنّ معمّلي تتمنى لو تتمكن من بيع الخضار إلى جانب اللبن، فإمكانياتها المادية لا تسمح بذلك حالياً.
ليكتمل مشهد الأكلة التراثية الطنجاوية، ترتدي النساء زي سكانّ الجبال، أي شاشية (قبعة مزينة)، ومنديل أحمر يغطي النصف السفلي. وهو زي تعود جذوره إلى الموروث الأندلسي في شمال المغرب.


سيدة أخرى تعمل إلى جانب آسيا ومنانة تقول، لـ"العربي الجديد"، إنّ عملها في بيع اللبن جاء نتيجة عدم توفر أراض زراعية في منطقتها. هي تمتحن مع زميلاتها في المهنة ظروف الطقس وقدرتها على التحمل في دفع العربة يومياً. عن ذلك، تقول: "كلّ يوم نأتي ونذهب بهذه العربة الثقيلة التي تهدّ الكتفين. نخفيها في مكان ما ولا يمكن أن نضع حارساً عليها لأنّ ما نحصل عليه لا يكفي أن نتقاسمه معه، بعدما منعتنا السلطات المحلية من استخدام الحمير في نقل أثقالنا في منطقة أشقار". تتطرق إلى الحقوق: "كذلك، نحن نعمل في مهنة لا ضمانات لها... اصطدمت سيارة بعربتي ولم يعوضني السائق إلّا بمائة درهم (10 يورو) بالرغم من أنّي رفعت قضية عليه ولم تنصفني المحكمة، إذ لم تأمر بتعويضي مع أنّي توقفت عن العمل شهرين بسبب الحادث".