" وكالة أخبار المرأة "

يتساءل باحثون هل هنالك ما هـو أكثر إثارة للأعصاب وتسببـا في الضغـط والإجهـاد النفسـي مـن هجـوم إرهـابي يحدث أمـام المــرء في الشـارع، وهـو ذاهـب إلى عملـه مثلا؟
كان الرد بالإيجاب لأغلب أفراد عينة بحث طريف شارك فيه أكثر من 2000 من البريطانيين البالغين الذين رصدهم باحثون في الجمعية الفسيولوجية، الذين قاموا بتصميم استبيانات احتوت على قوائم بأبرز الحوادث اليومية أو المأساوية التي قد تواجه الفرد يقابلها مقياس الإجهاد النفسي المصاحب لها، حيث طلب من المشاركين تبيان شعورهم الحقيقي عند وقوع حوادث بحسب تأثيرها النفسي السيء عليهم.
وأظهرت نتـائج الاستطلاع الذي تم تنظيمه بالتعـاون مع شـركـة استطـلاعات الـرأي العـام (YouGov)، أن وفاة أحد المقـربين أو الشريك والأصـابة بمرض عضّال من أبرز الأحداث التي تتسبب في حدوث توتر نفسي شديد، وكان الحدث الأكثر بروزا وفاة الزوج الذي سجّل فيه المشاركون في الاستطلاع درجات من 9.43 من أصل 10 مقارنة مع المتوسط، تلاها الخوف من السجن أو التورط مع الشرطة مع متوسط درجات 9.15 من أصل 10 درجات.
كما أشارت النتائج إلى أن المرأة أكثر عرضة للإجهاد النفسي من الرجل، حتى مع اختلاف الحوادث التي تشارك كلا الفريقين في الإشارة إليها ضمن الأولويات في تأثيرها على حالتهما النفسية.
وأشارت الدكتورة لوسي دونالدسون المشرفة على البحث في الجمعية الفسيولوجية إلى أن التطور التقني أحدث العديد من مصادر التوتر النفسي، لم تكن معروفة على نطاق واسع قبل خمسة عقود على الأقل، مثل وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، كما أن النتائج التي أوضحت تأثير هذه الضغوط بصورة مضاعفة على المرأة، يمكن أن يكون تأثيرها كبيرا على صحتها العامة في المدى البعيد.
واستخدمت الدراسة 18 حدثا من حوادث الحياة المختلفة، وطُلب من الأفراد المشاركين تقييمها على مقياس (0-10) لتبيان مدى شدّتها وتأثيرها النفسي عليهم؛ حيث يشير الرقم 0 إلى عدم تأثير حدث معين على صاحب الاختيار بصورة مطلقة، في حين يشير الرقم 10 إلى أن الحدث مجهد للغاية.
وتبين أن الأحداث الإرهـابية مثلا في مقدمة الأسباب التي تحدث توترا نفسيا شديدا إلا أن النساء تفوقن في هذا الخيار أيضا، من ناحية أخـرى تبين أن وقـوع هجوم إرهابي يتعـادل تقريبا في أثـره النفسي الشـديد لـدى الجنسين، مع ضياع الهاتف النقال!
كما أن الأحداث السعيدة كان لها نصيب واضح في إحداث التوتر على العكس مما هو متوقع؛ كالحصول على وظيفة جديدة والتخطيط لحفل الزفاف وولادة أول طفل في الأسرة، وكان التوتر واضحا أثناء ولادة الطفل الأول لكلا الجنسين خاصة في الفئة العمرية الواقعة بين 25 و34 سنة.
وأظهرت نتائج الدراسة أن مستويات التوتر تزداد أيضا مع التقدم في السن، وجاء فقدان شريك أو نهاية عـلاقة طويلة الأمد إلى جانب فقدان الوظيفة، في المستوى الثاني بمعدل 8.47 على مقياس 10 وهذا يعني أن هذه العوامل أقل تسببا في الإجهاد النفسي من المجمـوعة الأولى، التي تضم حـوادث الموت والمرض القاتل وفقدان الهاتف الجوّال! وعمـوما، شملت قـائمة الحـوادث المسببـة للتوتر النفسي مجموعة من الواجبات والصـدف غير المرحب بهـا في الحيـاة اليومية؛ كأعطال السيارة، الزحام في الشوارع، الدخول في سجالات مع الغرباء في الأسواق أو الشارع، رعاية المرضى من المسنين أو المعاقين، إضافة إلى فقدان الحيوانات الأليفة.
وأوضح البعض من تقييمات أفراد العينة للعوامل المؤثرة في زيادة التوتر النفسي، أن خلافات أفراد الأسرة حول الترتيبات والتحضيرات في الأعياد، مع مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي بإسهاب، من شأنهما أن يرفعا مستويي الإجهاد والتوتر النفسي إلى أعلى المستويات.
وينظر علماء النفس إلى الضغط النفسي باعتباره عاملا حاسما ومسّرعا للعديد من الاضطرابات النفسية والعضوية، وذلك عند شخصية مهيأة ولديها استعداد مسبّق للوقوع في الاضطراب.
وهكذا تكون حادثة وفاة شخص عزيز، أو خسارة تجارية، أو صدمة عاطفية بمثابة المثير الضاغط الذي يؤثر في كيميائية الدم، بحسب متخصصين، وبالتالي يمكن أن يحدث ذلك أعراضاً بدنية غير واضحة السبب؛ فصعوبة النوم والألم العضلي وحساسية المعدة، كلها من علامات التوتر النفسي، فضلا عن أن ردود فعل الشخص الذي يتعرض للضغط النفسي قد تكون مبالغا فيها ولا تتناسب مع طبيعة المثير.
يتقن بعض الناس طرقا للتعايش مع الضغوط النفسية، إذ أن التخلص من أعبائها دفعة واحدة أمر غير واقعي، ولهذا ينصب هدف البعض على محاولة التخفيف من هذه الضغوط بصورة تدريجية، الأمر الذي يضاعف من قدرتهـم على عمليـة التعـايش هذه على أن تتم معالجتها تباعا، ولجعلها مثل أهداف قابلة للتحقق في فترة زمنية معقولة.
إلى ذلك، أوضحت دراسة ألمانية حديثة أن النساء أكثر قدرة على مواجهة الضغوط النفسية من الرجال من خلال بحثهن المتواصل عن دعم الأصدقاء والأقارب، على العكس تماما من الرجال الذين لا يفضلون التحدث عن همومهم النفسية لأحد، حيث وصفهم البحث بكونهم ذئابا منفردة، فهم يعتقدون بأن الوضع ما زال تحت السيطرة وأن بإمكانهم الخروج من هذا النفق دون الحاجة إلى طلب المساعدة من أحد.