محمد محمود- القاهرة - " وكالة أخبار المرأة "

يمثل الاحتفال بـ"عيد الأم" في مصر والعالم العربي يوم 21 مارس/آذار من كل عام، تكريماً للأمهات، حيث يحمل الهدايا وباقات الورود وكروت المعايدة المزينة بكلمات المحبة والتقدير من أبنائهن.
ولكن يمر اليوم نفسه على أمهات أخريات، مثل المصرية نادية عبد الرازق، كأي يوم من السَّنة، فكيف لتلك الأم العربية أن تحتفل بيومها وابنها الوحيد مريض بالتوحد!
"عيد الأم" لوالدة مريض "التوحد"
بنبرات خافتة حملت الكثير من التمني، تقول نادية عبد الرازق  "الاحتفال بيوم (عيد الأم) تنتظره الأمهات كل عام، ولكن لدى من هم مثلي الأمر يبدو مختلفاً ويمر اليوم كيوم عادي معتاد؛ نظراً لحالة ابني، فهو لا يدرك أو يعلم حتى أستطيع أن ألقى حفاوة احتفاله معي بعيد الأم في عينيه، أو يلقي على مسامعي تلك الكلمات الرقيقة التي تتوق إلى سماعها كل أم، وكنت أشعر ببعض مظاهر الاحتفال بـ(عيد الأم) من قِبل زوجي قبل وفاته منذ عامين".


هي الآن أم لشاب في السادسة والعشرين من عمره -يدعى رؤوف- يعاني "التوحد"، "كنت أتمنى أن يقول لي ابني في هذا اليوم (كل سنة وأنت طيبة)".
والتوحد، هو أحد الاضطرابات التابعة لمجموعة من اضطرابات التطور المسماة باللغة الطبية "اضطرابات في الطيف الذاتويّ" (Autism Spectrum Disorders - ASD) تظهر في سن الرضاعة، قبل بلوغ الطفل سن الثلاث سنوات، على الأغلب.
تتابع عبد الرازق: "أحاول تعويض الأمهات ممن لديهن حالات مشابهة من خلال إقامة احتفال جماعي بعيد الأم تنظمه جمعية (أبشر) لذوي الاحتياجات الخاصة التي أسستها عام 2009 في منطقة السيوف شرق مدينة الإسكندرية (شمال مصر)، لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة ومرضى التوحد خاصة، وتوعية الأمهات بطبيعة التعامل مع تلك الحالات الخاصة بصفة عامة".
تفاصيل يومك كأم لحالة ذات طبيعة خاصة


"مع دقات السادسة صباحاً، يبدأ يومي بالتزامن مع الاستيقاظ المبكر لابني رؤوف الذي يستهل يومه عادةً بالجلوس على الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز وسماع القرآن الكريم، ونتناول الإفطار معاً ويساعدني ببعض الأعمال المنزلية البسيطة، ويصاحبني في الذهاب إلى الجمعية بشكل شبه يومي".
توضح "عبد الرازق" سعيها خلال فترة وجودها بالجمعية منذ تأسيسها إلى دعم الحالات المماثلة، وتبني تأهيلهم لاكتساب بعض المهارات؛ مثل تعليم الكمبيوتر والقرآن الكريم لغير الناطقين من حالات "التوحد"، "وبمجرد انتهاء يومنا نذهب إلى المنزل، ونتناول الطعام وأدرب ابني على بعض البرامج الذهنية".
تعامُل الأم مع مريض التوحد من واقع تجربتها يؤكد ضرورة تقبّل الأم حالة مريض "التوحد" بحيث لا تعبر تصرفاتها عن الاستياء؛ بل يجب أن يشعر المريض بالحنان من ذويه، وخاصة الأم؛ لما لذلك من "تأثير السحر" على نفسية المريض، ويعزز استجابته لتعلم المهارات بشكل أفضل، محذرة من التخلى عن المسؤولية وإلحاق المرضى بدور الرعاية مثلما يفعل البعض.
وتؤكد أن التعامل الخاطئ مع الكثير من حالات "التوحد" يؤثر بشكل سلبي ويؤدي إلى إصابة الأطفال خاصة بنوبات مستمرة من الصراخ والبكاء، ويزداد الأمر سوءاً عندما يقوم العائل بحبس أو وضع المريض في غرفة مغلقة، وهناك حالات متكررة لأطفال مرضى قفزوا من شرفات منازلهم نتيجة تقييد حريتهم.
تعامل ومعاناة الأم مع المرض


بشعور الأم وكلماتها التي توضح تأثرها، تقول: "كنت مصدومة في بداية الأمر من أن ابني الوحيد مصاب بالتوحد، فكل أحلامي انهارت أمام عيني، وكنت أهرول لمحاولة علاجه من مرضه، وحمدت الله على ما أصابني".
في استرجاع للذكريات تصف حالتها، "كنت أعاني في البداية صعوبات أن يكون لديّ ابن لا يستطيع تناول الطعام أو دخول الحمام وحده"، مشيرة إلى ارتدائه حفاضات الأطفال حتى عمر 6 سنوات، وهو ما دفعها للالتحاق بدورات تدريبية للتعامل مع حالات "التوحد"، "وبالفعل استطعت إكسابه ممارسة المهارات الحياتية اليومية منفرداً دون أي مساعدة".
معاناتها كأم من نظرة المجتمع لمرضى "التوحد"
الاستياء عادةً ما يكون الانطباع السائد تجاه كلمات وتعامل البعض مع حالة ابنها بتصرفات قاسية للغاية لا تحترم مشاعرها كأم أو معاناته كمريض لا يعي طبيعة مرضه، ورغم أن بعض الكلمات قد تشير إلى التعاطف مثل "لا حول ولا قوة إلا بالله.. بصي الولد زي القمر وبصي يا عيني عامل إزاي!"، "إلا أنها كانت تصيبني بالأذى نفسياً وتجعلني أبكي بحالة هيستيرية، وهناك نوع آخر من التعامل أشد قسوة وجدته ممن كان يطالبني بمنع ابني من الحركة، أو يقوم ذووهم بمنع أطفالهم من اللعب معه وكأنه مرض أو جرثومة وليس إنساناً ذا ظروف خاصة"، وذلك بحسب تعبيرها.
تعتبر "عبد الرازق" أن "المفارقة والخطأ في التعامل مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة مصدره الأمهات والآباء الذين كانوا يمنعون أطفالهم من التعامل مع ابني، وليس الأطفال، فهم يرغبون في التواصل معه، لدرجة سؤال بعض الأطفال عن سبب عدم رده على حديثهم، وكنت أجيبهم بأنه مثلما خلقنا الله مختلفين في لون البشرة والشعر خلقه مختلفاً عنهم في عدم قدرته على النطق والكلام".
تساءلت عن سبب رفض الإشارة في بطاقة الهوية أو جواز السفر إلى طبيعة الإعاقة لذوي الاحتياجات الخاصة، وخاصة الإعاقات الذهنية المتعلقة بصعوبة حركة اللسان والنطق.
أصعب المواقف التي صادفتك كأم من الآخرين
تؤكد أن "الإحراج هو العامل الأساسي في كل المواقف، عانيت كثيراً قبل تدريبه على المهارات الحياتية اليومية في أثناء السير بالشارع أو الجلوس بأي مكان عام، خاصة أماكن التجمعات أو المطاعم، طلبه بإصرار الحصول على الطعام أو زجاجة المياه التي يراها بصحبة أي شخص، ومحاولة جذبها عنوة، ما يضعني في موقف غير لائق لا يتفهمه بعض الأشخاص".
عن أصعب المواقف، ذكرت "اليوم الذي لن أنساه طيلة عمري رغم مرور أكثر من 10 سنوات، عندما قامت سيدة بصفع ابني على وجهه عندما استند عليها دون أن يدرك أنه لا يصح حدوث ذلك، ولكنها لم تتمهل حتى تدرك طبيعة حالته المَرضية وسبقها رد فعلها السريع بصفعه، ما أثار حفيظتي واشتبكنا بالأيدي وتفاقم الأمر؛ بسبب غضبي من موقفها العنيف".
اكتشاف الأم العلامات الأولى للإصابة بـ"التوحد"
تشير "عبد الرازق" إلى بدء التعرف على وجود إعاقة ما لدى ابنها بعد إتمامه العام الثالث من عمره، وعدم استجابته لأي صوت أو مؤثر محيط به وتفضيله دوماً الجلوس منفرداً، بالإضافة إلى الإفراط في الحركة ومحاولة النقر بأي شيء يقع في يديه، حتى اتضح من الفحوصات إصابته بمرض "التوحد"، وألحقته بمركز مختص بمتابعة تلك الحالات من عام 1994 وحتى 2008، وانتقل للجمعية بعد إنشائها لتحقيق التواصل والدمج مع بعض الحالات المماثلة.
استجابة ابني غريبة مثيرة للتفكر
"لنتكئ قليلاً ونعود قرابة العشرين عاماً ونتذكر عندما وجدت تفاعلاً من الطفل ذي الست سنوات آنذاك مع أحد ألعاب الفيديو الإلكترونية التي كانت مهداة إليه بعدما كان يشاهدني في أثناء ممارستها، وفوجئت بمشاركته اللعب مع بعض الأطفال الأسوياء وهزيمتهم بأكثر من لعبة، ما دفع والده لبدء تعليمه التعامل مع جهاز الكمبيوتر، كما بدأ خلال تلك الفترة شغفه لسماع القرآن الكريم والأذان وأداؤه حركات الصلاة بالتزامن مع صلاة الجماعة بالمسجد أسفل مسكننا دون ترك المنزل، وهو ما وصفه الشيخ خالد الجندي أحد علماء الأزهر الشريف عند سؤاله بأن (هذا الطفل يسكن تحت عرش الرحمن ويرى ويسمع ما لا يدركه عقل)".
تكريماً لعشقه لسماع القرأن الكريم، قالت "عبد الرازق": "أهديته جهاز المصحف الإلكتروني لتعليم قصار السور، وكلما كان يستمع لأحدها على التلفاز كان يقوم بتشغيل السورة نفسها على الجهاز، وشارك في مسابقة بالأزهر الشريف، واستضافته وكرم في مسابقة جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم بدورتها السادسة عشرة عام 2012".