الصغير الغربي - منظمة المجتمع العلمي العربي - " وكالة أخبار المرأة "

اقتحمت المرأة العربية كل مجالات الإبداع العلمي والفكري تقريبا وهي متواجدة فيها بنسب مختلفة. ولم يكن ليصبح وجود المرأة في الكثير من المجالات العلمية ممكنا وميسرا كما هو اليوم لولا نساء رائدات كانت لهن الشجاعة والعزم على شق طريق جديد وسط عالم ظل رجاليا بحتا لوقت طويل. ومن بين هؤلاء الراحلة توحيدة بن الشيخ أول طبيبة تونسية وعربية مسلمة.
ولدت توحيدة بن الشيخ سنة 1909 في شمال تونس وحصلت على الدكتوراه في الطب سنة 1936 في فرنسا قبل أن تعود إلى وطنها وتساهم في معركة مكافحة الأمراض التي استشرت في أوساط شعب يرزح تحت الاستعمار وتقع أغلب شرائحه تحت مستوى الفقر. ساهمت من خلال عملها في لأربعة عقود كطبيبة ثم كمسؤولة في المستشفيات في تحسين الوضع الصحي للمرأة التونسية في جميع الأوساط خاصة الفقيرة ووضع سياسة تنظيم العائلة التونسية مما ساهم إلى حد كبير في تراجع هام لنسب وفيات النساء والأطفال عند الولادة في ستينات القرن الماضي. وكانت وفاة الدكتورة توحيدة بن الشيخ في شهر ديسمبر عام 2010 عن عمر فاق القرن من الزمن.
تقول توحيدة بن الشيخ في شهادة تضمنها كتاب "نساء وذاكرة: تونسيات في الحياة العامة 1920-1960" أنها ولدت في شهر يناير من عام 1909 في عائلة ميسورة الحال من كبار ملاك الأراضي الفلاحية في قرية رأس الجبل التابعة لمحافظة بنزرت شمال تونس وتوفي والدها بعد أشهر قليلة من مولدها فنشأت مع أخويها في كنف أمها حلومة بن عمار المنحدرة من عائلة عريقة وهي شقيقة رئيس الحكومة التونسية في الخمسينات من القرن الماضي الطاهر بن عمار. وقد حرصت هذه الأم على تعليم ابنتها مثلها مثل شقيقيها في وقت كانت الأمية منتشرة في أغلب فئات المجتمع التونسي وخاصة لدى العنصر النسائي بسبب رفض الأسر التونسية ارسال بناتهم للمدارس أو دفعهن إلى الانقطاع عن التعليم خلال المرحلة الابتدائية.
وحصلت التلميذة توحيدة على الشهادة الابتدائية عام 1922، ثم واصلت دراستها الثانوية في معهد "أرمان فاليار" بتونس العاصمة، حيث نالت البكالوريا (الثانوية العامة) عام 1928، لتكون بذلك أول تونسية مسلمة تحصل على هذه الشهادة.
التحقت توحيدة بن الشيخ بكلية الطب بباريس في السنة الموالية بفضل الطبيب والباحث الفرنسي في معهد باستور للبحوث الطبية بتونس ايتيان بورني Etienne Burnet وكانت قد تعرفت عليه عن طريق زوجته. وساعدها الدكتور بورني على التسجيل بهذه الكلية وفي قبولها بحي سكني جامعي للبنات. ولم يكن من السهل اقناع عائلتها الموسعة بالسفر إلى فرنسا لولا وقوف أمها إلى جانبها والتي تكفلت فيما بعد بمصاريف دراستها ومعيشتها في الغربة. ولم تنقطع توحيدة بن الشيخ عن زيارة تونس بعد انتهاء كل عام دراسي لتقضي إلى جانب أسرتها فترة العطلة الصيفية قبل العودة إلى باريس في بداية الخريف. وبعد عامها الرّابع اضطرت لمغادرة الحي السكني الجامعي لتترك المكان لطالبات أخريات، ومن حسن حظها فقد استقرت عائلة الدكتور بورني Burnet في باريس، فسكنت معهم في بيتهم حيث تعرفت عن كثب على رجال علم وكتاب وشخصيات طبيّة مرموقة.
وفي العام 1936، حازت توحيدة بن الشيخ على شهادتها في الطّب لتكون أول تونسية وأول طبيبة عربية مسلمة تحصل على الدكتوراه في الطب. إذ سبقها في نيل هذه الشهادة طبيبتان مسيحيتان عربيتان هما السورية لوريس ماهر والمصرية هيلانة سيداروس اللتان حصلتا على الشهادة في عام 1930 الأولى ضمن الدفعة الأولى من المعهد الطبي بدمشق والثانية من انكلترا.
وعادت توحيدة بن الشيخ إلى تونس بعد نيل شهادتها لتفتح عيادتها الخاصة وتشتغل في البداية في الطب العام لكنها سرعان ما تخصصت في طب النساء والتوليد لأن أغلب زبائنها كانوا من النساء وخاصة منهن المنتميات للطبقات الفقيرة وكانت كثيرا ما تقدم الكشف بالمجان مما جعلها تلقب بطبيبة الفقراء.
وإلى جانب ممارسة عملها كطبيبة نشطت الدكتورة وحيدة بالشيخ من خلال العديد من الجمعيات الأهلية لتحسين الظروف الصحية للتونسيين الذين تعتبرهم السلطات الاستعمارية الفرنسية مواطنين من درجة ثانية، فانضمت إلى الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي، وأسست جمعية الإسعاف الاجتماعي خلال فترة الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1950 أسست "جمعية القماطة التونسية" للعناية بالرضع من أبناء العائلات الفقيرة وتوعية الأم وتثقيفها لتكتسب مهارات صحية تساعدها في العناية برضيعها، كما شغلت منصب نائب رئيس الهلال الأحمر التونسي.
ولم تغفل توحيدة بن الشيخ عن دورها في فضح ممارسات الاستعمار الذي عملت على مقاومته من موقعها من ذلك إعدادها لتقرير يدين السلطات الفرنسية خلال أحداث يناير 1952 التي جدت بالشمال الشرقي للبلاد بعد انتقالها على عين المكان. كما عملت على إنارة الرأي العام الدولي حول الوضع الصحي والاجتماعي المتردي للمرأة التونسية في ظل الاستعمار.
وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأت توحيدة بن الشيخ معركتها الثانية في مجال صحة الأم والطفل، وكانت من بين واضعي مشروع التنظيم العائلي الذي تبنته الدولة فأنشأت قسماً خاصاً بالتنظيم العائلي في أكبر مستشفيات تونس مستشفى شارل نيكول عام 1963. وواصلت جهودها في هذا المجال خلال تقلدها العديد من المناصب كرئاسة قسم التوليد وطب الرضيع بنفس المستشفى ثم بمستشفى "عزيزة عثمانه" وكمديرة مديرة لبرنامج التنظيم العائلي وهو المنصب الذي ظلت فيه إلى غاية إحالتها على التقاعد (المعاش) عام 1977.
وتوفيت أول طبيبة مسلمة في العالم العربي توحيدة بن الشيخ في السادس من شهر ديسمبر عام 2010، بعد أن فتحت أمام المرأة التونسية والعربية طريقا جديدا في مجال علمي صعب كالطب.
وكانت توحيدة بالشيخ محل احتفاء تونسي كبير خاصة في السنوات الأخيرة من خلال انتاج فيلم وثائقي يحكي سيرتها بعنوان "نضال حكيمة" عام 2013 وإصدار البريد التونسي لطوابع بريدية تحمل صورتها.