" وكالة أخبار المرأة "

ترفض الكثير من العائلات تزويج الفتاة الصغرى قبل الأخوات الأكبر سنا. ويرجع هذا الرفض إلى العديد من الأسباب التي تأتي على رأسها العادات والتقاليد والخوف من نظرة اجتماعية دونية للأخت التي لم ترتبط قبل الصغرى. وبقطع النظر عن وجاهة دوافع هذا الرفض فإنه قد يشكل مدخلا لاختلال العلاقة بين الأخوة. وتعتبر الأخت الصغرى أخواتها الأكبر منها عثرة في طريق تحقيق أحلامها في الزواج، خاصة إذا كانت على علاقة حب مع المتقدم لخطبتها. وتحولت بسبب ذلك العديد من علاقات الأخوة إلى علاقات صراع وتنافر.

تتسم العديد من العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج بالتعقيد وأحيانا بالغرابة. وبعض العادات التي وضعها العُرف الاجتماعي تعرقل وتصعب الارتباط عوض تسهيله. ولم يستطع تطور نمط المعيشة في المجتمعات العربية، وتبعا له تغير بعض عادات الزواج، تخليص العائلات والشباب الراغبين في الارتباط منها، رغم أنها لم تعد تواكب العصر الراهن.
ومازالت بعض العائلات في المجتمعات التقليدية تمنع زواج البنت الصغرى قبل أختها الكبرى. وتعتبر ذلك الزواج لا يجوز لأنه من قبيل العيب.
وتخشى هذه الأسر كلام الناس الذي لا يرحم ويقوم من خلاله الكثيرون بوضع الفرضيات والتصورات التي جعلت الأخت الكبرى تتأخر في الزواج مقارنة بالصغرى. وتبدأ الانتقادات والمقارنات بين الأخوات، وأحيانا قد تسمح بعض الألسن الخبيثة لنفسها بإطلاق الإشاعات والأحكام التي قد تطال سمعة الفتاة الكبرى وترسم لها صورة الفتاة المليئة بالعيوب.
وتعي الأسر التي ترفض تزويج الفتاة الصغرى قبل الكبرى ذلك، ولكنها لا تدرك أن مراعاة كلام الناس قد يوتر العلاقة بين الأخوات، وقد يعمق مشاعر اللوم والغيرة والكره بينهما وقد يكون سببا للخلافات أيضا.
وتتصور الأخت الكبرى وفقا للأعراف والمسلّمات الاجتماعية أنها أحق بالزواج قبل أخواتها الأصغر سنا، لأنها أكبر سنا وأنضج ويبدو لها أنها قادرة على تكوين أسرة، في الوقت ذاته تواجه الأخت الصغرى في أغلب الأحيان رفضا من قبل الأسرة عندما تُطلب للزواج مراعاة لمشاعر أختها التي تكبرها والتي لم تتزوج بعد حتى لا تشعر الكبرى بالضيق، ولا تفكر في أن فرصتها في الزواج قد انتهت وأنها أصبحت عانسا.
وتقبل بعض الأسر في المقابل، زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى، ولا ترى في ذلك مشكلة. وقد تغيرت اليوم الكثير من العادات سيما تلك المرتبطة بسن الزواج، خصوصا بعد خروج الفتاة للتعليم والعمل، حيث اختلفت الحسابات العمرية والاستعدادات للزواج في الوقت المناسب وفقا لإنهاء التعلم والبحث عن عمل، وأيضا حسب رغبة الشباب الذي بات يفضّل قضاء فترة هامة للتعارف قبل الارتباط.
ويوضح أستاذ علم النفس بجامعة القاهرة أحمد يوسف، المشاكل التي تنتج عن رفض زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى، بأن رفض زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى من شأنه أن يخلق العديد من المشاكل النفسية والتوترات والخلافات بين الأخوات.
ويشير إلى أن إحداهما قد تقف أمام طريق سعادة الأخرى، وقد تنتج عن ذلك مشاكل بين الأب والابنة الذي يحول بينها وبين سعادتها لرفضه زواجها.
وينصح يوسف الوالدين بأن يتفهّما وضع البنت الصغرى أكثر من ذلك، فلا يصحّ مثلا أن ترفض الأسرة شابا يناسب البنت الصغرى بسبب عدم زواج الأخت الكبرى. ويؤكد أنه يجب على الوالدين ألا يقفا في طريق ابنتهما وأن يدعما الابنة الكبرى ويزيدا من ثقتها بنفسها.
ويرى أحمد يوسف أنه على الأخوات أن يكُنّ أكثر تفاهما. وينوّه إلى أنه بإمكان الأم أن تلعب دور حلقة الوصل بين البنات، وأن تحول دون إحساس أي واحدة منهن بمشاعر الغيرة واللوم. كما يمكنها أن تبعد إحساس الأخت الكبرى بالظلم أو بالنقص مقارنة بأختها الصغرى حتى لا يكون هناك مجال لنشوب خلافات بينهما من شأنها أن تؤثر سلبا على رابط الأخوة في الأسرة.
ويلفت يوسف إلى أن التربية الصحيحة من قبل الأسرة للأبناء المبنية على المحبة من شأنها أن تقلل الخلافات بينهم، خاصة تلك القائمة على عدم الرضا وحب الذات. ويظل تعبير الأخوة على حبهم لبعضهم البعض الحل الأفضل لتقوية روابط الأخوة والصداقة بينهم. كما يجب على باقي أفراد الأسرة تعزيز ثقة الأخت الكبرى بنفسها وحثها على رمي القيل والقال جانبا، وعلى عدم التفكير في أن فرصها بالزواج يمكن أن تقلّ في حال تزوجت الأخت الأصغر قبلها.
ويضيف يوسف أنه على الرغم من التطور في العديد من مجالات الحياة في المجتمعات العربية إلا أنه مازالت بعض العادات والتقاليد الجامدة تسيطر على التفكير وعلى المسائل الاجتماعية مثل الزواج. وهي تؤثر بشكل سلبي على الحياة، لأن زواج الأخت الصغرى يفترض أن يُقبل من جانب الأسرة بشكل طبيعي إذا نظرنا إلى أنها تتميز عن أختها الكبرى في بعض الصفات التي تؤهلها للزواج قبلها.
وتشير أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس سامية خضر، إلى أن هذه الظاهرة ترجع لاستمرار سيطرة بعض الموروثات الثقافية حتى اليوم خاصة في المجتمعات والأسر التي تتعامل مع العادات والتقاليد على أنها مقدسات. وتنتشر هذه الثقافة في المناطق الريفية والبدوية التي تجعل الأعراف الاجتماعية تتحكم في مصير الأبناء، ومن ضمنها رفض زواج الأخت الصغرى قبل الكبرى.
ويسود الاعتقاد في هذه البيئات بأن زواج الأخت الصغرى سيقلل حظوظ الكبرى في الزواج، بالإضافة إلى عجز الأسرة عن تخليص هذه الأخيرة من المشاعر السلبية.
وتحمّل خضر الآباء ذنب تعطيل مستقبل الأخت الصغرى بسبب رفضهم تزويجها معتبرة مبرراتهم غير مقنعة.
وتؤكد سامية خضر، أن زواج الأخت الصغرى من شأنه أن ينتج اضطرابا في الحالة النفسية للأخت الكبرى ما بين الفرح لزواج أختها والحزن على نفسها، فيتكون لديها الخوف على مستقبلها وقد تبلغ حالة من الاكتئاب. وترى خضر أن المجتمع يلعب دورا هاما في التعب النفسي لدى الأخت الكبرى لأنه يطاردها بنظراته المنتقدة وأحيانا الساخرة ويطرح عليها تساؤلات عن سبب تأخرها في الزواج.
وتقول أستاذة علم الاجتماع أن الأمر يكون أكثر تعقيدا إذا كان في الأسرة أكثر من بنت، حيث يتعطل قطار زواج لدى جميع الأخوات بسبب عدم زواج الأخت الكبرى، الأمر الذي من شأنه أن يخلق مشاعر الكره بينهن ويسبب مشاكل نفسية لا حصر لها.
ويقول العميد الأسبق لكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية جامعة الأزهر محمود مزروعة، إنه من زاوية نظر دينية، لا يحق للأسرة أو الأخت الكبرى منع أختها من الزواج لمجرد أنها لم تتزوج.
ويعتبر ذلك حقا من حقوقها، كما يجب على الآباء مراعاة مصلحة جميع أبنائهم، مؤكدا أن رفض الأسرة أمر لا يقرّه الشرع في حال رغبتها في ذلك.