" وكالة أخبار المرأة "

ليس أمراً عادياً أن تختار امرأة مهنة قلّما يختارها الرجال، نظراً إلى خطورتها وصعوبة التعامل معها. رافعه قسيم فعلت ذلك وتميّزت في مجالها.
رافعه قسيم بيغ في التاسعة والعشرين من عمرها. ليست المرأة الباكستانية الأولى التي راحت تنزع الألغام وتفكّك القنابل، بل هي من الأُوَل على مستوى آسيا، رغم العقبات الكثيرة التي واجهتها. وجلّ تلك العراقيل هي اجتماعية، على خلفيّة أعراف البلاد وتقاليدها المتبعة، ولا سيّما أنّها تنتمي إلى البشتون المعروفين بتشدّدهم في التمسك بالتقاليد والذين يمنعون نساءهم عادة من تحصيل العلم.
"منذ الصغر، كنت أحبّ مواجهة التحديات والقيام بأعمال شاقة وصعبة. ولطالما أحببت حمل السلاح وأحببت مشاهدة رجال العائلة وهم يحملونه". يُذكر أنّ حمل السلاح أمر شائع في شمال غرب باكستان، وتحديداً على مقربة من المناطق القبلية وتلك الحدودية مع أفغانستان.


يُشاع عن تغلغل الفساد في الشرطة الباكستانية، بالتالي فإنّ العمل في صفوفها أمر غير محبَّذ للنساء، خصوصاً نساء الشمال الغربي اللواتي ينتمينَ إلى القبائل البشتونية المحافظة. لكنّ "الأمر عاديّ" بالنسبة إلى رافعه، فهي مرتاحة جداً في عملها في صفوف الشرطة الباكستانية، "وأشعر بسعادة فائقة عندما أقف في الطابور الصباحي بين زملائي من عناصر الشرطة".
قبل سبعة أعوام، انتسبت الشابة إلى الشرطة الباكستانية، بعدما رفضت العمل في عدد كبير من المؤسسات المحلية والدولية. يُذكر أنّها تحمل شهادتَي ماجستير، إحداهما في العلاقات الدولية والثانية في الاقتصاد. "كنت أحلم كأيّ فتاة بأن أحصل على وظيفة جيّدة في مكان ما، خصوصاً المؤسسات الدولية التي تدفع رواتب عالية جداً. وبالفعل حصلت على عمل في إحدى تلك المؤسسات التابعة لـالأمم المتحدة". لكنّها كانت ترغب دائماً في الانضمام إلى الشرطة، لا سيّما في ظلّ الأوضاع السائدة، إذ هي تحبّ مواجهة التحديات.
وبعد سنوات عدّة من العمل، شهدت الشابة حادثة أليمة. قُتل محامون ومواطنون في انفجار استهدف مجمّعاً قضائياً في شمال غرب البلاد. على أثر ذلك التفجير الدموي، اتخذت قرارها بالعمل مباشرة من أجل إنقاذ الناس. ومن بين مهن كثيرة ذات صلة، اختارت مجال تفكيك القنابل وإبطال مفعول المتفجرات. رحّب القيّمون في الشرطة الباكستانية بقرار الشابة، ووافقت اللجنة المخوّلة البتّ في هذا الشأن على أن تكون من ضمن فريق تفكيك القنابل الخاص بإقليم خيبر بختونخوا. وبعد دورات تدريبية عدّة في مناطق صعبة جداً في شمال غرب البلاد، باشرت عملها.
"التدريبات كانت صعبة وشاقة، كذلك العيش بعيداً عن الأهل"، بحسب رافعه. "لكن بفضل تعاون الأسرة والرفاق في العمل، تمكّنت من الحصول على كلّ ما كنت أحتاجه، وما زلت خاضعة للتعليم والتدريب. فأنا أعمل وأتعلّم من رفاقي، ولن أتأخّر في يوم عن أيّ مهمّة، مهما كانت صعبة".


والشابة التي حصلت على شهادة بكالوريوس في القانون، ثمّ شهادة ماجستير في العلاقات الدولية وشهادة ماجستير أخرى في الاقتصاد، أربكت عائلتها بقرارها وانضمامها إلى الشرطة قبل سبعة أعوام. حينها، كانت الأوضاع خطيرة للغاية، فالرجال لم يكونوا يحبّذون العمل في الشرطة لكثرة استهدافها من قبل المسلحين، لكنّ رافعه تجرّأت على ذلك واضعة خلفها كلّ الأعراف والتقاليد السائدة في شمال غرب البلاد.
بالنسبة إلى الشابة، "نساء باكستان ما زلنَ في حاجة إلى جهد كبير. فالعقبات كثيرة، بعضها اجتماعي وبعضها الآخر اقتصادي، وهي تحول دون تحسّن حالهنّ ووصولهنّ إلى مجالات يصعب عليهنّ العمل فيها لأسباب مختلفة". وتقول: "أرغب في أن أكون قدوة من خلال مزاولة هذا العمل، لنساء بلدي جميعاً، أولئك المحرومات من حقوقهنّ. العمل في المتفجرات والقنابل يوجّه رسالة إلى الباكستانيات ليكنّ في المقدّمة ولا يتأخرنَ عن أيّ عمل ولا يسمحنَ لأيّ عرف أو تقليد بأن يمنعهنّ من العمل والتعلّم". يُذكر أنّ رافعه كانت قد عملت في إطار فريق ساهم في الإفراج عن أحد الأطباء المشهورين من قبضة خاطفيه. "ما زلت أذكر ذلك وأنا على أهبّة الاستعداد للقيام بأيّ عمل مهما كان خطراً".
والشابة لم تكن لتحقق حلمها لولا تعاون أسرتها ووالدَيها خصوصاً. "أسرتي، أفرادها جميعهم متعلّمون ومثقّفون. وهذا السرّ الوحيد وراء نجاحي وتقدّمي وتحقيقي حلمي". ولا تنسى التأكيد على دور "الصبر والمثابرة والعمل الدائم بهدف بلوغ الهدف".
تجدر الإشارة إلى أنّه خلال العقود الأخيرة، وتحديداً العقدَين الأخيرَين، أحرزت المرأة الباكستانية تقدماً ملموساً في شتّى مجالات الحياة، على الرغم من عراقيل كثيرة ولا سيّما الأمنية منها والاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد السائدة. وإن لم يكن مستغرباً تقدّم المرأة في مجالات التعليم والسياسة والاقتصاد وغيرها، إلا أنّ عملها في مجال رافعه أمر ما زال يثير أسئلة كثيرة.