" وكالة أخبار المرأة "

تتنوع القرارات الفردية المهمة في حياة الأشخاص مثل تغيير محل السكن، تغيير الوظيفة، اختيار دراسة معينة، إنهاء علاقة زوجية أو بداية علاقة، إنجاب الأطفال، وغيرها الكثير من أساسيات الحياة الشخصية التي تحتاج في أغلب الأحيان إلى اتخاذ قرارات فردية بشأنها، الأمر الذي يجعلها أكثر صعوبة؛ حيث يستدعي الأمر في بعض الحالات التخلي عن أحد البدائل المهمة والتضحية بما نمتلكه فعلاً في سبيل الحصول على شيء جديد قد لا يكون هو الخيار المناسب.
لكن أكثر أنواع القرارات صعوبة، كما يراها الدكتور ريتشارد جو ويلسون -وهو معالج نفسي ومرشد اجتماعي أميركي- هي ما يسمى بالقرارات الجامدة أو المشلولة ويقصد بها القرارات التي تعتمد كثيراً على آراء الآخرين ووجهة نظرهم، ولأنها قرارات شخصية محضة فلا يتوجب أن يشاركنا في اتخاذها شخص آخر حتى لو كان من أقرب المقربين.
ويعتقد ويلسون -وهو أستاذ في جامعة نيويورك- أن السماح للآخرين بالتدخل بهذه الصورة يجعل من عملية حسم الأمور واتخاذ القرار المناسب أمراً مرهوناً بانتظار توقع تقديم الدعم والنصيحة من الآخرين، هذه النصيحة التي قد تتأخر كثيراً أو تأتي بعد فوات الأوان وربما لا تكون في محلها.
أما رغبتنا في أن نكون على صواب دائماً، فهي أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء تردد البعض في اتخاذ القرار، فعندما يضع المرء نصب عينيه أن هناك حداً فاصلاً ومرئياً بين الخطأ والصواب فهذا يجعل من عملية المفاضلة بين الخيارات أمرا عسيرا إن لم يكن مستحيلاً، وهذا الإجراء قد يتسبب في نهاية الأمر بترجيح خيار غير ملائم لرغباتنا بغية الظهور بمظهر القوة أمام الآخرين، حيث يمثل الخيار الخاطئ (افتراضياً) مصدر ضعف في الشخصية من وجهة نظر البعض.
ويرى متخصصون أن الأبناء الذين ينشأون في ظل آباء متسلطين بشكل مفرط، معتادين على طاعة الأوامر والامتثال لتعليمات الأبوين مع الاعتماد الكلي على توجيهاتهما في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، يعانون أكثر من غيرهم من الفشل في اتخاذ قرارات مناسبة بعد أن يستقلوا في حياتهم. ويصب علماء النفس التربوي جام غضبهم على هذا النوع من الآباء الذين لا يتركون الفرصة لأبنائهم لبناء شخصيات مستقلة ومن ثَمَّ يعانون قصوراً واضحاً في الثقة بأنفسهم وتدنيّا في احترامهم لذواتهم.
يعمد هؤلاء الأشخاص الذين واجهوا ظروفاً مشابهة وتربوا في بيئة قامعة ومتشددة، إلى نشدان الدعم من الآخرين بمن فيهم الأشخاص من خارج نطاق الأسرة، ويشعرون على الدوام بالرغبة في الاستئناس بآراء الآخرين بل وموافقتهم وتجنب غضبهم إن أمكن كلما عزموا النية على اتخاذ قرار مصيري في حياتهم.
ولهذا، يكون من الصعب عليهم التعرف إلى قدراتهم الشخصية المستقلة واستعدادهم الذاتي في تسيير أمورهم، بالشكل الذي يحقق لهم الرضى والاكتفاء الذاتي، بما في ذلك تقييمهم للقرارات التي سيتخذونها وقدرتهم على المفاضلة بين الخيارات المتاحة فيما هو أفضل بالنسبة إليهم، إضافة إلى الثقة في حكمهم على الأمور التي تخصهم هم وحدهم ولا شأن للآخرين بها.
ويؤكد ويلسون على أن الشك والتسويف والتردد هي من أبرز السمات التي يتصف بها هؤلاء الأشخاص، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات العاطفية والزواج؛ حيث يؤدي عدم الثقة بالنفس وتدني مستوى الذات إلى عرقلة كل مساعي الطرف الثاني لبناء علاقة متوازنة، يسهم فيها كلا الطرفين بتصوير نموذج مشترك للعيش وفق رغباتهما وتطلعاتهما وما هو أنسب لهما، من دون السماح للآخرين بالتدخل غير المبرر.
من جانبه، يرى الدكتور دينيس روزين -وهو طبيب متخصص في النوم ويعمل في مستشفى الأطفال في بوسطن الأميركية- أن بعض الحيل يمكن أن تجعل من اتخاذ القرارات أمرا يسيرا بصرف النظر عن أهميته وخطورته؛ فبعض الناس يفضلون الانتظار، حتى مع توفر وقت كاف لديهم للتفكير، ويؤجلون الأمر إلى وقت النوم.
والآن، يقرّ متخصصون بأن الفترة القصيرة من الهدوء والتأمل التي تسبق النوم من شأنها أن تعيد للذهن صفاءه وتألقه، وبذلك تعد وقتا مناسبا تماماً للتفكير والمفاضلة بين الاحتمالات. ليس هذا فحسب، بل إن الاستغراق في النوم والاستيقاظ بنشاط في اليوم التالي قد يكونان أيضا عاملا بارزا يسهم في اتخاذ قرارات ملائمة.
ووجد باحثون في كلية طب جامعة هارفارد ومستشفى ماكلين الأميركيين، أن الأشخاص الذين يعانون الحرمان من النوم كان أداؤهم ضعيفاً في الاختبارات القياسية التي صممت لتحاكي عملية صنع القرار، في البحث الذي أجراه المتخصصون في تبيان أهم العوامل التي تؤدي إلى اتخاذ القرار، وذلك مقارنة بالنتائج التي حققها الأشخاص الذين أخذوا قسطاً كافيا من النوم.
وكان الباحثون قد زودوا المشاركين ببعض المنبهات كالقهوة إضافة إلى الفيتامينات كمحاولة لتنشيط أذهانهم ولتعزيز أدائهم في الاختبار، غير أن المشاركين لم يستعيدوا نشاطهم إلا بعد أخذ قسط كاف من النوم. وسواء أتعلق القرار بشراء سيارة أم باختيار وظيفة جديدة أم حتى اختيار هدية عيد ميلاد مناسبة، وغير ذلك من الخيارات، فالأفضل أن يكون الذهن صاحياً ونشطاً، وأن يتم اتخاذ قرار حاسم وسريع وفق قناعة شخصية من دون تدخل الآخرين.