دعاء الشامي - مصر - " وكالة اخبار المرأة "

بعد انتهاء الطعام، تجهَّز المطعم ليكون صالة للعرض مجدداً، هذه المرة ليس مجرد فيلم؛ لأن صانعته حضرت إلى المخيم بنفسها لتناقشه معنا رغم كونها حاملاً في شهورها الأخيرة، ولأنه أيضاً أول فيلم عربي يرشح لجائزة الأوسكار، كما أنه يحكي عن ثورة ربما لم تلقَ اهتماماً إعلامياً يناسبها؛ الثورة اليمنية. أغلبنا يعرف قصصاً كثيرة عن الثورات في تونس وسوريا ومصر، أما اليمن وليبيا فسقطتا من ذاكرتنا؛ ربما لعدم وجود من يحكي عنهما.. ومخرجة هذا العمل فعلت ذلك.
سارة إسحاق، صانعة أفلام يمنية، تبدو سيدة مختلفة ولا تشبه اليمنيين ظاهرياً، ملامحها دقيقة وشعرها قصير جداً، سألت نفسي: لماذا تحمّلَت السفر إلى هذا المكان لتحكي لمتدربين في مكان قَصيٍّ عن فيلم صنعته قبل أعوام وحقق شهرة عالمية؟! ربما ترُدُّ لأستاذنا جميلاً، وقد تُكنّ لعملها تقديراً واضحاً...! تبدو خجولة، قدمت نفسها باختصار كصانعة أفلام وبدأ عرض الفيلم.
"ليس للكرامة جدران"، هكذا عنونت فيلمها، كانت المشاهد صادمة، هتافات ثورية تشبه ثوراتنا ولقطات مخضبة بدماء شهداء سقطوا قتلى من دون ذكر في نشرات أخبارنا، اعتمدت المخرجة على لقطات لمصورين محترفين أو أشخاص شاركوا في الثورة، لذا جاءت اللقطات صادقة وصادمة، كما أنها سافرت لليمن في أثناء اندلاع الثورة لتنهي فيلمه.
قبيل منتصف الفيلم، بكيت كثيراً وفعل مثلي زملائي، حتى الرجال منهم حاولوا إخفاء دموعهم عبثاً، كأننا عدنا بذاكرتنا إلى أيام ثوراتنا المجيدة، تذكرت تفاصيل معركة الجمل منذ بدايتها، مرت بخاطري وجوه شهداء كثر سقطوا أمام عيني، تذكرت "لبنى" رفيقة ليلة المعركة، يا لهذه الذكريات، ستظل تؤرقنا ما حيينا!.
أكملنا الفيلم وكل منا يفكر فيما حدث في وطنه، سوريا ومصر وتونس واليمن، ومن منا لم يعش لحظات كهذه! أنهينا المشاهدة وحضرنا نقاشاً مع صانعته، حكت عن صعوبات واجهتها في أثناء العمل وسردت كيف واجهت مجتمعها اليمني كفتاة تخوض مجالاً صبعاً في وقت دقيق من عهد بلدها، لم تفقد إيمانها بثورتها ولا بذاتها، تخطت عقبات المكان والزمان والتمويل وأنجزت فيلماً أصبح علامة فارقة لها ولليمن وللوثائقي اليمني بترشحه لجائزة الأوسكار وحلت لغز حضورها، فالفيلم من إنتاج شركة الأستاذ أسعد الذي تحمس لمساعدتها في مراحل المونتاج الدقيقة رغم كونها تجربتها الأولى في الإخراج، ابتسم شاكراً جهدها فهو الذي يريدنا أن نتعلم درس المثابرة والعمل والإيمان بأنفسنا حتى في تجاربنا الأولى.
كدنا نسقط من التعب في أثناء اللقاء، ولكن جدول الأعمال كان لا يزال يحمل المزيد، تناولنا عشاء خفيفاً على وعد بسهرة مختلفة رغم مغالبتنا للنوم في يوم بات طويلاً، لم ننم منذ يومين، جلسنا مبتسمين في انتظار السهرة الموعودة، لم نتخيل نوع المفاجأة لنجد فرقة موسيقية تجلس في غرفة الدرس.
أربعة شباب بآلاتهم الموسيقية الشرقية جلسوا قبالتنا يرددون أغاني بديعة، بدأوا بكلمات أعرفها "أُخفي الهوى ومدامعي تُبديه، وأُميتهُ وصبابتي تحييه، فكأنه بالحسن صورة يوسف، وكأنني بالحزن مثل أبيه" هي قصيدة لابن الفارض. ابتسمت وأخذت أردد معهم؛ أحب هذه الكلمات تصلح لكل الأحبة وفيها الكثير عن علامات ذلك الشعور الذي حير الكثيرين "الحب"..
تبادلنا الابتسامات وتمايلنا على نغمات الموسيقى، وواصل العازفون الانتقال من مقطوعة إلى أخرى بسلاسة وجمال يرافقهم ذلك الشاب بصوته الرائق، رددوا أغاني كثيرة بعضها سوري وبعضها مصري، فيما نتبادل نحن الغناء معهم حتى أستاذنا راقتْه الموسيقى فغاص في عالم ذكرياته صامتاً.
بعد دقائق، انضم إلينا إيمرا وزوجته وضيوفهما، بدوا مندمجين مع الكلمات العربية رغم أنهم لا يجيدونها، تولى كمال توزيع أكواب الشاي علينا فيما ألهانا الغناء عن إنهاء أكوابنا، بدا أستاذنا سعيداً رغم تعب اليوم وتفاصيله، تأخر عن موعد نومه الذي يفضله باكراً، فاليوم لم ينته بعد، ستبدأ فقرة تسليم شهادات التخرج.
لم يهتم أي منا بارتداء ملابس رسمية ولم نرسم ابتسامات مزيفة على وجوهنا، لم نبحث عن لقطة مكتملة؛ بل كنا على طبيعتنا كما كان مخيمنا، فهمت الآن لماذا أصر أستاذنا على كونه مخيماً وليس دورة تدريبية، فالحياة لا يمكن التدرب عليها؛ بل العيش فيها.
توقفت الموسيقى قليلاً، تأهبنا لتسلم صك اجتيازنا المخيم، ورقة بيضاء سُطرت عليها أسماؤنا بلون ذهبي وذيلت بتوقيع الأستاذ، نادى على أسمائنا واحداً تلو الآخر، سلمنا الشهادات وحصلنا على لقطات سريعة لتلك اللحظة، لم تكن كأي لقطة لتسلم شهادة لدورة تدريبية؛ بل كانت كميثاق من نوع خاص، هي بالنسبة لي تجربة حياة تعلمت فيها دروساً عدة، ليست عن الوثائقي فقط؛ بل عن الحياة.
سلمنا شهاداتنا، ثم عرَّج لتكريم معاونيه في الدورة، بدأ بأستاذ "معاوية" كبير المعاونين مقاماً وسنّاً، وتبعه الأستاذ "طه" بخجله الجم وأخلاقه الطاغية، وبعده أطلت "منة" تلك الفتاة المتعلقة ببراءة طفولتها دوماً، وتبعها "وحيد" الشغوف بعمله، وأتى الدور على تلك الفتاة التي لم يكتفِ الأستاذ بتكريمها؛ بل ضمها إلى صدره، وطبع قبلة على جبينها!
 كانت تلك القبلة على جبين "مريم"، فتاة عشرينية ما زالت تحمل من الأحلام الكثير، نشيطة جداً. جميلة هي تلك الفتاة! كنت أشعر بغيرة حقيقية منها حتى قبل أن نلتقي، فقد تابعت طوال أشهر كثيرة سلسلة تدوينات نشرت على "هافينغتون بوست" حكت فيها عن رحلاتها إلى إفريقيا تحت عنوان "نحن الفتيات نسافر إلى إفريقيا".
كنت أنتظر حكاياتها وأتمنى لو أمتلك شجاعتها وأغبطها؛ لأن أستاذنا يشارك تدويناتها على صفحته الخاصة بشكل دوري، يالها من فتاة محظوظة!
شُجاعة وجميلة وتمتلك أسلوباً مبتكراً في الحكْي والحياة، وها هي تظفر بتزكية دائمة من الحكّاء الأقرب للقلب، الأكثر اهتماماً بتفاصيلنا الدقيقة في المخيم، والأكثر رغبة في التعلم رغم كونها قريبة جداً من الأستاذ. تساءلتُ كثيراً عن سر تلك المكانة، وقبيل حضوري للمخيم علمت السبب مصادفة، وفي الحقيقة لم تمر تلك الحقيقة بخيالي من قبل!