يقولون في الروايات أن الأحلام لا تتحقق ولكنها تخفف من آلام الواقع المر .. تزيل شعور العجز والمستحيل الذي تحمله إلى صاحب الحلم بما يريد ليهرب من الواقع المرير ... ولكن حلمي كان فوق المستحيل ... فمنذ أن اقتلعت من وطني الحبيب فلسطين على أيدي الصهاينة بعد خروجي من السجن المقيت بأربع وعشرين ساعة . لم يغيب فكري مطلقا عن الوطن وبقي 30 عاما يحلق في شوارعنا ومدرستي وبيتي وحارتي بين أصدقائي وبين رفاقي وما يتعرضون له .... بين أزمة الحارات التي طاردنا بها المحتل أيام الصبا اليافعة ... بين ذراعي أمي وأبي بين أخواتي وإخواني  ... بين ذكرياتي الجميلة منها والصعبة ... وكثيراً كنت أضغط على جفوني لأستيقظ على كابوس الغربة علي حقيقة اللجوء القصري الذي حملني ما لا يمكن أن تتحمله الجبال فكيف بي طفلة تتحمل هذا العذاب وهذه الرحلة القاسية جداً بعيداً عن الأهل والوطن والأحبة وتهيم على وجهها في بلاد لا تعرفها وأهل جدد وأصدقاء لابد من صناعتهم . سارت الأحداث على عجل وكأنني على موعد مع المستحيل ... جاءت أخبار الدفعات الأولى _ القوائم للأسماء التي قدمت من السلطة للعودة  إلى أرض الوطن ... كان قلبي يرقص خوفاً من أن لا تحتوي القوائم اسمي ... فأنا صاحبة قضية مستحيلة ( ملف المبعدين ) وهذا الملف لم يطرق بعد ... رفض اسمي من قبل الاحتلال وظهرت أسماء مختلفة ... وبدأت طقوس الوداع لمجموعات العائدين إلى الوطن ... كنت قد استقريت في سوريا ... بعد عامين من عودتي من رحلة الدراسة في بلغاريا ..
عشت فترة الاستقرار والأمل ... هل ستتحقق المعجزة ؟؟... هل سأعود ؟... كيف لي أن أهدأ وأنا أحلق هناك في بيتنا , في وطننا ربما كان إحساسي رغم كل الألم الذي يعتصرني لكن هناك شئ في داخلي يطمئنني يؤكد لي أنني سأعود... لن أموت في المنفى ... سأرى وجه أمي .. سأمشي في شوارعنا الحزينة ستعرف أمي وأخواتي ورفاقي مكان قبري سأعيد البسمة الغائبة عن وجه أمي وأخواتي ورفاقي ... ولكن كيف ؟ ومتى ؟ لا أدري بدأ الأرق يغزو نومي ... والكوابيس تلاحقني . وكثيراً أستيقظ من نومي والدموع تنهمر من مقلتي ... وأخشى العودة للنوم خوفاً من كابوس آخر .. أتجول لزيارة بعض الأصدقاء المتبقيين معي في المنفي ... أستأنس بهم _ نعزي بعضنا البعض وفي ليلة غراء لا أنسى ما حملته لي ... انتهت زيارتي لعائلة صديق,  عائلة ( صالح أبو عنزة) وهو يسكن أمام بيتي ... الساعة الثانية عشر ليلاً غادرت إلي منزلي... وأمام باب شقتي سمعت جارتي أم علي وهي من عائلة سورية ( مهجرة) من الجولان ... هم يعيشون كالفلسطينيين أزمة الغربة والهجرة وغير ذلك وكأنهم عائلتي أم علي تنادي بصوت مضطرب ( مريم جاءك تليفون من ابن عم لك من الأردن يريدك أن تكلميه حالاً ) ليس لدي تليفون وهم يعرفون ذلك ... لست متعودة على أن يتصل بي أحد من الخارج .. هل هناك شئ دائماً نفكر بالمجهول مصيبة شعرت جارتي بحيرتي .... ووقفت أقول كيف سأنتظر للصباح لا أعلم ما السبب والوقت متأخر ولا إمكانية لحل هذه المشكلة ... فوراً جارتي قالت ستأتي معي لتتصلي من عندي وبعد إلحاح كبير قبلت حيث أعلم أن المكالمات غالية وظروفهم صعبة... ذهبت معها وطلبت الرقم ؟ رد ابن عمي الواصل من الداخل ولم أكن أعرف وجهه فقط نعرف بعضنا بالاسم فصرخنا فرحاً ... تعالي يا ابنة عمي .... سأصطحبك معي إلى فلسطين. لقد أحضرت لك تصريح زيارة .... شعرت النار تلتهم جسدي لم أستطيع استيعاب هذه الفرحة... لم أكن أعلم أن أهلي قد وفقوا في عمل تصريح زيارة لي وهم لايعلمون عني شيئاً كان صوت أنور ابن عمي أجمل صوت سمعته منذ 30 عاماً ... فيه مزيكا رائعة , هي مزيكا العودة إلى حضن الوطن الغالي .... إلى حضن الأهل إلى حضن أمي المقهورة من عذابات الزمن صوت أعادني إلى ذكريات  الطفولة التي ملأتها  الصخب والمعاني . البراءة والنضج و النضال والكفاح... أعادتني إلى صوت حفيف الشجر وشدو البلابل ... وإلى جداول صافية رقراقة . .. إلى سماء زرقاء هادئة إلى حب وحنين اشتقت إليه... هو صوت العودة وعندما أخبرني بأنه ضروري التوجه إلى عمان لاصطحابي إلى فلسطين طار عقلي ولم أفيق من حلمي المستحيل إلا على أصوات حولي تهدأ من روعي .... تيقنت أني فقدت وعيي من هول الصدمة... هل معقول ؟ هل يتحقق حلم المعجزة ؟ بقي صدى صوت أنور في أذني ... يا ابنة عمي تعالي فوراً سأصطحبك معي إلى غزة... أحاطني الجيران بالعناية ... كانوا خائفين من ردة فعلي ... انتابهم شعور فرح وحزن ... فرح لعودتي إلى غزة وحزن على فراقي ... وعندما تماسكت استأذنت منهم وعدت إلى البيت تنقلت في كل زاوية ركن في منزلي حتى وصلت إلى المطبخ ... الذي يشرف على الشارع ... هو مرتب كأنه صالون لجلسات الأصدقاء الحميمين... وفيه صوفه تستخدم كسرير مريح... ألقيت بجسدي على الصوفه وحلقت عيوني على الشارع ومنه قفزت إلى حديقة الجيران ... وسرحت في أحلامي اليقظة ........ أأعود إلى هناك ... كيف سيكون ذلك ؟؟ وهل سأستعيد الماضي بجماله وبراءته ؟ هل سيتحمل قلبي هذه اللحظة الرهيبة ؟ هل سيتمكن لساني من نطق كلمة أمي ؟ ما هو الواقع الجديد؟ كيف سأتابع مشواري النضالي في الواقع الجديد ؟ هل سيعرفني أبناء شعبنا  والأهل ؟ كيف يعرفوني ؟ أسئلة متلاحقة... متى ستشرق الشمس... أريد أن أصرخ أملأ الدنيا بصوتي ... لا أطيق هذا الصمت لابد أن يعرف الجميع أنني سأعود إلى فلسطين.. ومرت الساعات كأنها دهور لا تتحرك وكان وجه أمي أمامي لم يغادرني تقلبت كمن يتقلب على الجمر... متى سيبزغ الفجر أريد أن أطير في السماء... لا أدري هو شعور فرح أم شعور حزن... تخيلات تناقضات رهيبة , كيف سأغادر رفاقي بعد هذا العمر الطويل ولكن حنين الوطن أهم .
شقشق الصباح وكنت قد غرقت بأحلام من الصعب تفسير طلاسمها... حيث رأيت أمي وأبي أمام الباب ... وجه أمي وقد عادت صبية يافعة وضفائرها تغطي صدرها الممشوق هي أمي وليست أمي... وأبي قد مات منذ زمن ؟ وجدت الجيران يقولون حاولنا نستضيفها عندنا رفضوا وأصروا البقاء أمام البيت ... قلت لهم تفضلوا... دخلت أمي ولم يدخل أبي ... كنت خائفة رغم أنني نائمة قلت هو ميت, وإذا دخل البيت ستقع مصيبة... وفجأة رأيت أمي في قارب في عمق البحر ... وجهها غجري ... ضحكتها تنطق وفي نظراتها لمعان رهيب ... ووجهها اتجاهي ... صرخت بها أمي أمي وإذا بي أستيقظ من هذا الحلم الرهيب... ماذا يعني أن أتفاءل  خيرا وقلت هذا يعني أنني سأعود وأنني وأمي نعيش حيرة... خيوط الشمس تدلت من الشرفة علي جبهتي, جلست أركز على خطواتي اللاحقة... أعددت القهوة وأشعلت سيجارة الصباح ومع أول رشفة قهوة تململت إلى الإسراع في الانطلاق إلى المكتب... لم يكن بمظهري  الشيئ الجديد ولكن مشاعري انعكست على وجهي , وكأنما إشراقه جديدة تلفحني ... الضحكة الصاخبة غطت وجهي ... وأسرعت الخطى كأني الطير بين الأغصان ... تداخلت الصرخات في بذات صوتي...وصلت إلى مكتبي مكتب المرأة...وجدت رفيقين في انتظاري ورفيقاتي...صرخت فيهم ...احكوا اضحكوا افرحوا...سأعود إلى فلسطين ...لا أعلم ماذا تكلمت حيت تداخلت الكلمات ولم أترك مجالا للرد...وانتقلت بصوتي بالغناء وكأنني لوحدي ...استغرب الرفاق والرفيقات ولمست حزنا غريبا خيم على وجوههم...ماذا تقولين ؟...نعم سأعود إلى فلسطين أخيرا...جاءني تصريح زيارة...أحسست أنني لم أكن موزونة في إيصال الفكرة ونسيت أنهم رفاقي الذين شكلوا إليّ العائلة والأهل ولذلك سيكون من الصعب عليهم رغم فرحهم أن يفقدوني فجأة ودون مقدمات...سرحت قليلا وبدأ ينتظم الكلام...وشرحت فكرتي لهم وبدأت اتصالاتي بالقيادة لأخبرهم بالأمر...بارك الرفاق الأمر...رغم حزنهم لفراقي... وبدأوا يرتبوا لعودتي كان من الضروري المغادرة إلى الأردن للمشاركة بورشة عمل لمؤتمر المنظمات الغير حكومية في الأردن...وخلال يومين عليّ أن أكون هناك...فعمدت أن يكون سفري للمؤتمر...هو طريق لعودتي إلى فلسطين...  بدأ الخبر ينتشر كالصاعقة ... وتداعى الرفاق والرفيقات والأصدقاء وأقاموا حفل وداع في مكتب المرأة تجمع فيه كل القوى والمنظمات النسوية والرفاق والرفيقات في اليرموك وبدأ الحفل الوداعي ... كان حفل بكاء .. وحزن ... لقد شعر الرفاق والأحبة أنني خطفت منهم دون مقدمات... وقيلت الكلمات والتوصيات .... واختلطت المشاعر الفرحة مع الحزينة وغادرنا إلى المنزل وجاء معي عدد كبير من الرفاق والرفيقات والأصدقاء... واستمر الوداع حتى الصباح وقت المغادرة إلى عمان... لن أنسى هذه الليلة الموحشة وجاءت السيارة التي ستنقلني مع مجموعة من الفتيات المشاركات في المؤتمر المنعقد في عمان... ودعت الرفاق وكنت قبل ذلك ودعت الرفيق الحكيم ( هو والدي وقائدي ورفيقي ) لم يكن سهلاً عليه ولا عليّ لحظة الوداع... أتذكر جيداً ... كيف انتفض وصرخ وقال للرفاق  هذه مريومة أنتم ما بتعرفوها وهي طفلة ؟ قالوا الرفاق نعرفها يا حكيم ... قال لا ... ليس كما أعرفها ورافقني حتى المدخل ولم يطاوعه قلبه وداعي وانهمرت دموعنا لتتعانق معاً وقال وصوته ممزوج بالحزن والضحك معاً .. مش هاين عليّ أودعك  نعم كان صعب عليه أن يودع ابنته , رغم الفرحة الكبيرة لعودتي إلى أرض الوطن وعدته بالتواصل ... والتمسك بالثوابت ... وبلغني أن أسلم على أهلي وأمي  خاصة وأن أزور قبر جيفارا في غزة وأن أقابل كل الرفيقات والرفاق في الوطن.
سارت السيارة وحاولت أن أخلد لنفسي قليلا.. وأعود لترتيب أفكاري ...
زيارتي الأولى لعمان بعد وقت طويل سأدخل بجواز يمني ولأول مرة بعد ثلاثين عام سيكون دخولاً رسميا... حيث كانت المرة الأولى في عام 1992 عندما جاءت أمي لزيارتي خوفاً من أن تموت دون رؤيتي وذلك بمساعدة ابن عمي في الأردن ودخلت الأردن باسم غير اسمي ... وصلت الحدود الأردنية بعد عناء طويل وبعد أن تحولت بأفكاري في كل المحيطات والقارات... وطلبوا منا النزول والتوجه إلي الجوازات... ذهبت مع صديقاتي اللواتي جاؤوا معي لحضور المؤتمر ... كنت خائفة جداُ من اكتشافي للمخابرات ومنعي من دخول الأردن بعد رحلتي الأولى باسم أخر... ولكن لأن وجهي قريب من اليمنيين ... وتبدل خوفي على نفسي من المنع إلى الخوف على زميلاتي حيث منعوا أمنيا من الدخول... واعتقد الأردنيون أنني صحفية ولا أدري لماذا ساد لديهم هذا الاعتقاد... وعادت زميلاتي بعد محاولات حثيثة لدخولهم وغادرت وحدي إلى عمان ... لقائي الأول سيكون برفيقة عمري ليلى خالد... وهي تنتظرني على أحر من الجمر وأنا متلهفة للقائها.. نعم وصلت إلى بيت أختي ورفيقة وحبيبة عمري ليلى بعد فراق طويل... كانت قد انتظرتني على الباب تعانقنا ودخلنا المنزل... ليلى رغم أنها فدائية بامتياز فهي أم وربة منزل بامتياز... دافئة كدفء أم... وعظيمة بعظمة هذا الوطن... كانت قد أعدت لي غذاء فاخراً وقد دعت إليه رفيقة عمرنا وداد القمري... وهي من مناضلات الجبهة الشعبية ومن قياداتها النسوية الأولى .... تناولنا طعام الغداء وتبادلنا أطراف  الكلام عن كل شئ ... الرحلة العقبات التوقعات.. مشاعر الوداع للرفاق ... العودة إلى الوطن... وشعرت أن ليلى وزوجها د. فايز رشيد ووداد كأنما يسايروني ويجاروا مشاعري ... إن شاء الله تعودي .. وبدأت ليلى تهيئني نفسياً لاحتمال عدم السماح لي بالعودة من قبل إسرائيل وبدأت تمازحني .. هل يهون عليك أن تعودي وتتركيني لوحدي هنا الخ .... من هذا المزاحات التي كانت تقلقني كثيراً.. ولكن شئ ما كان في داخلي يدخل الطمأنينة إلى قلبي ... انطلقنا في اليوم التالي عدنا إلى فندق ( الرجنسي ) حيث فيه منتدى المرأة  وبدأ النشاط ... كان لوجودي طابع مميز بعد غياب 30 عام عن ساحة الأردن والنشاط السياسي فيها ... وحملت هذه السنوات تراكم لتجربة كبيرة ... فكان فيها الكثير فقد غادرت الأردن ابنة التاسعة عشر وعدت إليها ابنة الخامسة والثلاثون وفوق هذا تجربة ومؤهل علمي... شهادة الدكتوراه بالفلسفة فتفاجأ الجمهور بخطابي وإمكانياتي وكنت مع ليلى كأنما توأم انطلق من بويضة واحدة بصوت واحد وحركة النحل الدائمة والصدام مع الأصوات التي تنادي بتهاون مع التطبيع والتنازل عن الحقوق الثابتة كانت قوات الأمن الأردني تنتشر في القاعات وكان المؤتمر يعج بالحاضرين من جميع الأقطار العربية وكانت رعاية المنتدى للأميرة بسمة وشعرت أن هناك عيون مفتوحة عليّ : كنت أشعر بالخوف في داخلي من أن يؤثر ذلك على عودتي إلى فلسطين ولكن لا أستطيع كبت مشاعري وغضبي ولكن بخطاب أكاديمي منطقي لم يكونوا متعودين عليه منذ زمن جمهورنا في المؤتمر : سمعت كلمات الإعجاب والتعجب من قيادات نسوية لم يروني منذ تاريخ طويل .. قالوا لرفيقتي ليلى ! يا سبحان الله دكتورة مريم تغيرت كثيرا .. ما شاء الله شئ رائع .. وأصبح الجمهور يسأل عن مكان وجودي والورش التي سأرأسها حتى تعج القاعة بالحاضرين شعرت بأنني امتلكت عقل الجمهور.. فزادني هذا الشعور إبداعا ونشاطاً وكانت المناضلة عصام عبد الهادي تتغزل بي وتقول : ليلى .. دكتورة مريم بتبيض الوجه لقد كبرت كثيراً .....
أنهينا المؤتمر تعرفنا على العديد العديد من النشطاء والناشطات وتبادلنا العناوين وغادر كل وفدا إلى بلاده أما أنا فعدت إلى بيت الرفيقة ليلى لأتابع مسيرتي وأرتب إجراءات العودة إلى فلسطين... وأنا لا أعرف إلى أين أتجه إلى إنهاء معاملاتي وطلبت من ليلى أن ترافقني فادعت بانشغالها وكذلك زوجها لم يوافق أحد لمرافقتي ... شعرت بحزن لم أكن أعرف لماذا يتهربون من ذلك... هم لديهم يقين بأن الأردن لم تسهل عودتي ولا يريدون صدمتي بذلك سألت عن الداخلية الأردنية وذهبت بسيارة ونزلت بالشارع والأفكار تطوقني .. هل سأوفق ؟ ماذا سيكون الحل ؟ نظرت خلفي لمحت جندي يمشي ورائي وكأنه يلاحقني.. توقعت أن يكون أحد من أمن المنتدى الذي كان في المؤتمر أصابني الخوف من أن أكون مراقبة ويتم تعطيل عودتي ... وصلت المكان وجلست على الكرسي في صالة الانتظار لأسأل عن الإجراء المطلوب نظرت وجدت الجندي يجلس بجانبي.. كنت ألبس جاكيت مطرز فلسطيني سألني: أنتي فلسطينية؟  قلت له نعم  وأنت أردني ؟ قال لا أنا فلسطيني من الخليل..
هو ضابط طيار وقد شده لباسي المطرز وأعاده إلى انتمائه فسألني بسرعة : لماذا أنتي هنا ؟ قلت له لديّ تصريح زيارة ولا أعلم ماذا أعمل ... وقال لي قومي معي ذهبت معه وقال لي: أنتي ابنة أختي. فقلت له ماشي وكان يريد أن يساعدني وهو يعرف بحكم موقعه الكثير من العاملين.
تبعته ورأيته يتحدث معهم انهوا لي هذه المعاملة... هذه ابنة أختي ... وأنا متأكدة أنهم لم يقرءوا اسمي وفوراً ختموا المعاملات الساعة كانت الثانية إلا ربع , أنهيت المعاملة ويجب أن أذهب إلى الجوازات لعمل جواز سفر بديل للسفر به ( جواز أردني مؤقت ) سألني معك سيارة ؟ قولت له لا ... أوقف سيارة وغادرنا إلى الجوازات وعلى الباب صرخ عليهم وهم يحاولون إغلاق البوابة إنهاء للعمل انتظروا ... فقط أنهوا هذه المعاملة إنها ابنة أختي .. انتظر الموظف المعني وخلال وقت قصير أنهى معاملة جواز السفر وسلمني الجواز وخرج معي وقال لي هذا رقم تليفوني وإذا أردتي أيّ خدمة أنا جاهز وأوقف سيارة لي وودعته وشكرته وغادرت إلي البيت .
لم يبقى إلا يوم واحد على انتهاء التصريح .. يجب أن أغادر اليوم التالي مباشرة ليلى كانت تنتظر عودتي باكتئاب كبير لأنها تتوقع أن لا يسير شئ كما يجب .. جهزت لي أجواء تحاول من خلالها إخراجي من المأزق عدت وأنا أشعر بالإعياء الشديد غداً سأسافر وماذا بعد ؟؟؟ .
وصلت المنزل ضحكت ليلى وقالت جهزت لك طعاماً شهياً وتجاهلت ما ذهبت إليه في الصباح ولم تسألني عن معاملاتي وفجأة حملت الجواز ولوحت به وقلت لها : أنا جاهزة للسفر ..
أصابها الذهول وقالت يا الله لم أكن أتوقع ولا أحد لذلك لم يذهب معك أحد حينها فهمت لماذا لم يذهبوا معي خوفاً من الصدمة .. وبعد تناول الغذاء بدأنا نرتب أموري للسفر .
... غادرت في الصباح إلى جسر الأردن وكانت معي رفيقتان من الداخل واحدة من غزة ( ماجدة السقا ) والأخرى من الضفة ( إيمان عساف ) كانتا قد حضرتا المؤتمر معي وطلبت منهن الانتظار للعودة معي حتى يدلوني على بيتي ... فلم أعد أعرف أين يقع بيتي . ركبنا باص المسافرين إلى جسر الأردن... كنت رغم الجموع المحتشدة شاردة بأفكاري تساؤلات لا حدود لها تتسارع في مخيلتي وكان لدي معلومة أن هذا اليوم ستستلم الشرطة الفلسطينية المعابر .. هيأت نفسي  لكل الاحتمالات لا يوجد لديّ صبر لتحمل دقيقة انتظار واحدة ... هواء بلادي اخترق جسدي لا أستطيع المقاومة بيني وبين حلمي خيط رفيع وكلمة من اثنتين إحدى هذه الكلمات ستحول حياتي إلى جحيم والأخرى إلى نعيم هي لا لن تدخلي بسبب أمني ... والثانية نعم ادخلي إلى الوطن !!!
كرهت كلمة لا ... هيأت أذني لعدم قبولها راقبت تحركات الجنود والناس كأنه يوم القيامة .. حملت أمتعتي ودخلت مع زميلاتي وفجأة تسمرت أمام ضابط هو نفسه تسمر أمامي .. كأننا أصدقاء حميمين افترقنا منذ زمن بعيد ولكن التقينا صدفة... ربما رفيق قديم خدم معي في القواعد في الأردن أو كنااااااا...... تساءلت ولكن فجأة وقع بصري على إشارة إسرائيل نجمة داوود على كتفه ودون تركيز وجدت رأسي يدور بعكس وجهه ... إنه يهودي ومرة أخرى شعرت بالقلق لماذا حدث هذا .. وجهه مألوف جداً لديّ .. ربما هو من المدسوسين في حرب لبنان أو أحد قد يعرفني.. قد يوشي عني .. ارتعبت وارتفعت درجة حرارتي ولم أطمئن لذلك لاحقني باهتمام شديد ... ساعدني بالحقائب سألني : متى كنت في الأرض المحتلة؟ قلت له : هذه المرة الأولى التي أحضر بها للزيارة ولا أعلم شيء عما يجب عمله .. بدأ يشرح لي ما يجب فعله بعناية شديدة اخلعي ذهبك واحفظيه حتى لا يضيع منك وافعلي كذا وكذا.... استغربت هذا الاهتمام، الجندي المعني بالمعاملات لدخولنا للأرض المحتلة في استراحة الغذاء، لاحظ قلقي من الانتظار.. هدأ من روعي وقال : ساعة للغذاء وسيعود وستكوني أول العائدين.. وكان يريد أن يحدثني لوحدي ولا أعلم حتى اللحظة لماذا ؟ فبدأ يقول لزميلاتي اذهبوا ابحثوا عن حقائبكم حتى لا تضيع.. صديقاتي لاحظوا أنه يبعدهم يريد أن يتحدث معي منفردا .. ذهبوا .. واصل الكلام معي قليلا من الوقت وسيحضر موظف الجوازات في تلك اللحظة شاهدت الجنود من الفلاشا يتجولون بين المسافرين: شعرت بالقلق وفي نفسي قلت هؤلاء القردة لا أعلم من أين أتوا لهم حق التجوال والحياة في أرضنا وهم يقررون لنا نحن أصحاب الأرض أن ندخل أو..لا.. وممكن أن يقتلونا بسبب أو بدون سبب.. إذا لم يسمحوا لي بالدخول سأخطف باروده من أحدهم وأطلق النار على الجميع.. عليّ وعلى أعدائي يا رب .
ولكن لا أرغب في ذلك أريد أن أدخل إلى أرض الوطن.. أريد أن أعيش حلم حياتي أن أفرح قلب أمي وأخواتي وأصدقائي باللقاء.
في تلك الأثناء وأنا متجمدة بأفكاري وكأنني شجرة عارية وحيدة بين الأدغال جاء صوت الضابط.. تعالي .. جاء موظف الجوازات ذهبت معه نظر إليّ الموظف سألني: ما اسم والدك قلت له.. ما اسم أمك : قلت له .. لحظة كالبرق وجدت نفسي أحلق وأصوات من حولي تهلل.. مبروك مبروك!! هو قال بالعبري: تمام ادخلي انتهت معاملاتي.. كل شيء صار على غير ما توقعت !! وصارت قوايّ وكأنني خارجة من معركة مضنية .. قال لي الضابط اليهودي مبروك ومع السلامة .. لا يدري أنني أريده أن يغرب عن وجهي.. وشعرت الدم يتكدس في قمة رأسي.. حرارة عارمة توزعت على جسدي كأنما لفني تيار كهربائي وأسرعت الخطى وكأنني أريد الهروب من وجههم قبل أن يفيقوا ويعيدوني مرة أخرى خارج الوطن.. مباشرة كنت أمام الشرطة الفلسطينية وزميلاتي يطوقوا خطواتي المرتبكة قالوا لي أهلا بك.. فلان أبو دقة يعمل معنا هنا.. ماذا يقرب لك .. قلت دون تفكير .. هو ابن عمي .. أين هو؟ أريد أن أجد شيئا من أطراف البيت والعائلة لأهدئ صدمتي العارمة.. قالوا لي هو في إجازة.. صمت وقلت لهم كلكم أقاربي .. مش مهم.. حينها طلبت مني صديقاتي الخروج لمواصلة المسيرة إلى غزة .. هناك على مسافة قريبة سيارات الركاب لغزة والضفة، والجميع ينادي الركاب وينتظر خروج المسافرين.. قلت لهم قبل كل شيء لا بد أن أهاتف توأمي ورفيقة دربي ليلى خالد لأطمئنها أنني دخلت الوطن .. لأنها كانت متأكدة من عودتي إليها.
لملموا لي شواكل .. لأنني لا أملك عملة إسرائيلية ولا أعرفها .. وطلبنا ليلى ..رد على الهاتف ابنها الأصغر بشار خالتو رجعوكي .. قلت له لا حبيبي أنا بحكي معك الآن من فلسطين.
مبروك خالتو.. أنت سعيدة !! سنشتاق إليكي .. بوسي تراب فلسطين وسلمي لنا على كل الأهل.. ليلى خطفت منه السماعة وهي تعتقد أنني عدت إليها .. مريومة حبيبتي رجعوكي مش مهم .. تعالي أنا عملالك غذاء محترم بنتغذا سوا .. وأنا عارفة إنه ما بهون عليكي تروحي لغزة وتتركيني وحدي.. فرددت عليها فورا .. ليلى أنا بحكي معك من أريحا.. من أرض فلسطين ذهلت ليلى .. مبروك مريومة .. ألف مبروك سلمي على أمنا المشتركة وراح نشتاق كثيرا لك ما تنسي أختك ليلى.. وسلمي على الرفاق جميعا وسلمي على أرض جيفارا غزة.
أنهينا المكالمة تحت ضغط الصديقات واستعجال السائق هناك في سيارة غزة ركاب يعرفوني وأنا لا أعرفهم يلا يا دكتورة حتى لا نتأخر.. ودعنا رفيقتنا إيمان لأنها ستغادر إلى الضفة وذهبت أنا والحبيبة ماجدة السقا إلى سيارة غزة.. ماجدة انتظرتني لتدلني على بيت أهلي الذي لم أتعرف عليه وحدي بعد هذا الزمن (ثلاثين عام من الغربة ) لقد تغيرت ملامح التاريخ فكيف لا تتغير البيوت.. ماجدة أحبك لأنك الصلة .. أنت أول وجه من بلادي رأيته ورافقني وأعطاني الأمل .. ماجدة فلسطينية حقيقية.. فدائية نبتت من ملح الأرض تحولت إلى زهرة أقحوان .. مليئة بالحب والعطاء والمستقبل سألني السائق من أي طريق تريدي أن نسلك قلت له المهم أن توصلني  بسرعة البرق إلى قريتي الغالية .. ولكن أريد أن تمر عبر البحر ومن جوار سجن السرايا لأتذكر أيام سجني القذرة ومن أمام مدرستي ( مدرسة العودة ) التي خرجت مجموعات الفدائية الأوائل... وبعدها للبيت وبالفعل .. السائق أخ لرفيق من الجبهة الشعبية وكان معنا أخوة من فتح ودار نقاش طويل عريض .. عن أوسلو وعن العودة وعن الوضع العام .. وبصري كان يتجول في كل ذرة رمل تدوسها عجلات السيارة.. لقد كنت أحتفظ برمال غزة في قنينة أحملها معي في كل مواقع حياتي وكأنني أحمل الوطن معي.. نعم الآن كل رمال غزة ورمال الوطن أمامي ... أنتظر لحظة أن تدوس قدمايّ برقة فوق هذا التراب الذي يعرفني جيداً .. فأنا حبوت فوقها فتراب الأرض تعرفني .. فكم حبوت فوقها وكم لعبت ...!!!
نعم الساعة الآن العاشرة مساءاَ واليوم هو اليوم الأخير لتصريح الزيارة.. كان الأهل كاتمي حقيقة عودتي , خوفاَ من العملاء أن يشوا لسلطات الاحتلال ... وقد فقدوا الأمل بعودتي وكانت القرية تعيش في ظلام دامس .. الأغلب نائم... وأمي لفت حزنها في داخلها وفي غرفتها بين حوش من الأشجار الكثيفة وحدها لا أدري كيف بدأت تعزي نفسها ... وصلت السيارة إلى بيت عمي المقابل إلى بيتنا.. هنا قالت ماجدة إلى هنا أعرف القرية تغيرت كثيراً.. لا تشبه أبداً القرية التي غادرتها .. وفجأة سمعت صوت ابن عمي جلال.. صوته مميز ... خشن فتحت باب السيارة وصرخت فيه دون سلام أو استئذان _ جلال جلال اطلع دلني على بيتنا.. هو ارتعب لم يتوقع أن يراني بعد 30 عام وفجأة في غزة.. كان يصطحب ابنه الصغير معه ... فصعد دون كلمة واحدة ووصلت مدخل بيتنا .. ثواني محددة وجدت القرية كلها أمامي كأنما خرجت الناس من القبور ليوم الحساب لا أعرف أحد.. لا أميز أحد كأنما أصاب رأسي دوار البحر.. انقلب الظلام الدامس إلى نور.. أضيئت كل البيوت ... ازدحام كبير.. أريد أن أرى وجه أمي قبل كل شئ , اضطررت أن أقول لهم .. أريد أن أرى أمي.. تعالوا معي .. إلى البيت .. دخلت مسرعة الخطى وتدفقت الجمهور المحتشد.. فتحت باب الغرفة التي تعيش فيها أمي وجدتها وحيدة مقعدة... عيونها تلمع كأنها لم تصدق نفسها .. رميت رأسي في حضنها لأمسح بحضنها .. عذابات غربة السنين ..
حبيبتي أمي هاأنذا عدت إليك .. قامت أمي .. وأشرق وجهها وخرج منه نور الفرح الذي فقدته منذ فراقنا.. في لحظات قليلة امتلأ حوشنا بالزينة وبالأنوار والناس من كل حدب وصوب .. وماجدة حبيبتي معي تتأمل المنظر المثير .. قبلتها أمي وأخواتي أحبوها كثيراً .. وأصروا عليها البقاء ... قالت أريد أن أذهب.. هاأنذا أوصلت لكم حبيبتكم أمي وأخواتي أحبوها كثيراً وتعلقوا بها لأنها التي أوصلتني إليهم .. هكذا قالوا ..
ودعتها بحب غامر لم أشعر بمثله من قبل شكراً لك يا ماجدة يا رفيقة دربي ويا من رافقتني لتحقيق حلم المعجزة... ستبقي ما عشت حب لا ينتهي وصورة مشرقة ونقطة ضوء في طريق عودتي .. بدأت أحاول أتعرف على الجماهير التي تطوقني وتقبلني.. لا أعرف أحد من الآخر .. بدؤوا يعرفونني و سرعان ما بدأت حلقات الدبكة والأغاني والفرح تعم القرية ... وجدت أمي واقفة تصفق وتغني وجهها مكسوا بالحمرة كمن تزينت يوم زفافها.. الجميع ينظر إليها بدهشة هي لا تستطيع عمل ذلك أو حتى الوقوف على رجليها ... ولكن كم هو عظيم الفرح هو الحياة هو الجمال.. هو الأمل فرحت كثيراً..  واستمرت سهرتنا حتى الصباح ..  وفي الصباح الباكر كنت علي أحر من الجمر لزيارة قبر والدي رحمه الله وقبر أختي الذين توفوا في غيابي.. أريد أن أقبل تراب قبورهم وأقول لهم هاأنذا عدت إليكم يا أعزائي .. أريد أن أتحدت إلى روحهم لأنني ما زلت غير مصدقة عيني أنني فقدتهم.. ذهبت إلى المقبرة ومعي مجموعة من الأهل والأقارب .. وحينما وصلت قبر والدي .. تجمدت قدمايّ رهبة واحتراماً وتصورت والدي يقف أمامي .. ممشوق القامة مهندس الهندام , وعلى كتفه عباءة ذهبية فخمة فخور .... شامخ كأنه يرحب بي و مبتهج نسيت أنني أمام ضريحه وتحدثت إليه... أنا مريم يا أبي عدت من جديد ... لك الرحمة ولأختي ... وكل الوفاء لكم ... وسأكمل رسالتي التي ربيتني عليها ... كان موقفا رهيبا ... حزينا... هذا هو قدر الفلسطيني ... كل الفلسطينية في ظل الاحتلال.           
ومنذ فجر اليوم التالي بدأت قوافل المهنئين والأقارب تتوافد... أنا لست مصدقة ما يجري ... والناس تريد أن تتأكد من وجودي... كنت كالبلهاء أتدور في كل زاوية وكل وجه, كل ركن, كل حركة... لا أفهم شيء مما يجرى حولي لا أعرف الحضور, هم يسألوني من أنا, من أنا... أنا لا أعرف... هم ثلاثين عام فالأطفال أصبحوا لديهم أطفال ومن خلق بعدي لا أعرف شيئا عنه... تغيرت ملامح البناء والشارع فكيف بوجوه البشر ... لقد نقش عليها كل ضربات الزمان, وأخذت أنظر إليهم كالحمقاء... هل جننت ... لا شيء بقيّ كما كان ... الشكل, والتفكير و السلوك ! الشيء الوحيد الذي لم يطوله هذا الانقلاب في قريتي الحبيبة عبسان الكبيرة ... هو التآلف فيما بينهم, ولمه العائلة , والانتماء للعائلة ... بدأت أسترق النظر وأتجول بين ملامحهم وأقارن بينهم وبين ماضيهم بكل شيء فتحت العائلة كل بيوتها والدواوين لاستقبال المهنئين, عمي أبو ناجي , عمي أبو جواد , ابن عمي أبو الفتوح و إخوتي ..... ابن عمي أبو عمر , أخواتي هجروا بيوتهم وأقاموا معي... الشتاء كان قد هاجر منذ زمن عن المنطقة ... فجأة... هطل الشتاء لأول مرة بهذا الشكل الغزير... فرح الأهل , لأنهم يهتمون بالزراعة , والشتاء خير لنا ... فقالوا لي وجهك خير علينا...  فرحت بذلك, وبدأت قوافل المهنئين من الشعب ومن القوى, من المقاتلين من الطلبة... زحف رهيب تقدمه رفاقي من كل المحافظات وأجمل الطلقات التي عشقت سماعها هي تلك التي أطلقها المقاتلون فرحا بعودتي وتحية لي ... زال الخوف مني , وشعرت بفخر كبير ... العائلة والجماهير والقوى استقبلتني كقائد وطني محترم وليس كأنثى وهذا الشعور جعلني أكثر قوة مما كنت نعم هذا دعم كبير لي وهذا يؤكد أن معاناتي أثمرت وهاأنذا أشعر بها جاءت وفود الطلاب الثانويين من مدرسة العودة التي ترعرعت بها وخرجت للعمل الفدائي منها يأتون مع الأساتذة لتأدية تحية العودة لي .. كانت لوحة فائقة الجمال خلجات قلبي رقصت هتفت يحيا الوطن عاشت فلسطين عاش شعبنا الرائع الذي لا ينسى أبناءه وان بعدت المسافات وطال الزمن غمرني بقطاعنا الحبيب بدفء لم أعهده منذ أن غادرته لأول مرة أشعر بالأمان, رغم كل الأخطار المحيطة من قبل الاحتلال لكن حضن الوطن هو الحماية الكبرى لي وبدأت طقوس الاحتفالات ولائم الغذاء في العائلة الحبيبة كان اليوم الأول غذاء أمي قد أرادت رغم إصرار عمي على أن يكون الغذاء الأول عنده وكان اليوم التالي غذاء عمي والثالث عمي الثاني أبو جواد وتتالت الولائم وبين العائلة لمتنا ولمت الأحباب على ولائم الاستقبال لها نكهة خاصة فمنذ زمن لم أعيش هذا الجو الحميم الصادق ... الكرم الحقيقي والحب الحقيقي ومنذ زمن نسيت عادات الأهل في ذبح الذبائح وتعودت على عادات أخري وأصبحت هذه الطقوس من وحيّ الخيال ثلاثة شهور احتفالات وولائم ودعوات كأنها أعراس لا تنتهي وما زلت لا أصدق عيني بأنني عدت إلى أمي إلى بيتي إلى عائلتي وأزقة حارتي إلى رفاقي  وأبناء شعبي وبعد أسبوعين من زحمة الاستقبالات وجاء ابن عمي أنور وقال لي ألا تريدي التجول في غزة قلت له بالطبع أريد هيا بنا لقد جئت لأصطحبك في جولة في غزة انطلقنا في السيارة إلى غزة وكانوا معي أولاد عمي وبدؤوا يشرحون لي كل مكان نسير فيه زرنا أحد الأصدقاء العائدين من الخارج د. غسان عنبتاوي من ضمن الجولة و اطمئنيت عليه وعدت إلى المنزل قد امتلأ قلبي عشقا لوطني ولأبناء وطني ولكن ليس هذه الشوارع التي عرفت من قبل لا شيء يشبه الماضي كنت أعيش في كل ذرة من وطني و أشم رائحة كل ثمرة من ثماره وأشتاق للعودة لتجديد ذلك ولكن لا شيء كما كان , لا رائحة لأي ثمرة ولا طعم طعام يشبه ذلك الطعام... الذي كان قبل مغادرتي القطاع... ما زالت رائحة طعام فرن الطين تلاحقني منذ ثلاثين عام...  مازالت رائحة لبن المخيض  المحضر بواسطة (السعن ) الجلدي الذي كان يستخدم قبل دخول التكنولوجيا . كل شيء فقد طبيعته وبالتالي فقد رحيقه ورائحته ..
أتساءل..ما الذي جرى ..هو زلزال كبير ..اجتاح كل شيء ..ماذا أعمل .لابد من التفكير جيدا  قبل لحظة الانتظار ........كنت كالطفل الذي لم يتعود المشي ويحاول الوقوف للمشي ...... فسرعان ما يقع أتلمس طريقي............ أسأل عن كل شيء أتأمل كل وجه أراقب كل كلمه...أجمع قوايّ .......الناس طيبون رائعون مقهورون ...ينظرون لكل فدائي عائد كأنه المنقذ لهم من عذابات الاحتلال ......وكأن العائدين هم نهاية المعاناة المريرة ولكن هم متعطشين لكل شيء لأنهم عاشوا في سجن كبير ...... طوقهم فيه الاحتلال ........عطش للوعي للفكر, للثقافة  لقصص أبطال الخارج ......لمعرفة ماذا سيحدث من أين أبدأ .......لابد من البدء نظّم  رفاقي مهرجان العودة للاحتفال به في مدينة خانيونس , ووجهوا الدعوات لجميع المعنيين من إخوة وأصدقاء ورفاق وفي المقدمة العائلة ....... لبس رجال ونساء وشباب العائلة  أجمل ما لديهم وجاء الرفاق من كل المواقع واحتشدوا في موقع الاحتفال .........جمع الرفاق بمحبه خاصة ما استطاعوا لشراء ما يقدموه للحضور وهدية متواضعة ولكنها غالية , غالية جدا وهي صورة مبروزة للحكيم لي ........ وعزفت وغنت الفرقة الفنية .......وصرخت الصبايا بالغناء *فلسطينيين وبدنا نحرر هل البلاد * وقدم عريف الحفل .........الشاعر المعروف والمناضل في الجبهة / الأستاذ توفيق الحاج , أبو شادي التكريم كان لي ولعقيد عائد من حركة فتح اسمه أبو علاء .......وحضر الاحتفال حشدا كبير من الشخصيات وممثلي الأحزاب والأهل والرفاق تحدثنا وغنينا.وألقى الشعراء أشعارهم .وتحدثت في ختام المهرجان لأشكر رفاقي  وأبناء شعبي على هذه الحفاوة الرائعة أبلغتهم تحيات رفاقهم و أبناء شعبهم في الشتات وتوقهم للعودة من جديد إلى حضن الوطن وأعاهدهم من جديد على أن نواصل نضالنا من أجل استكمال حلمنا جميعا بالعودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وفي نفس الوقت على بناء وطننا وطناً ديمقراطياً فيه المرأة والرجل على قدم المساواة شريك في النضال والبناء وعاهدنا الشهداء والأسري على التمسك بالوحدة الوطنية والحفاظ على بنادقنا مشرعة في وجه الاحتلال فقط الاحتلال لأنه العدو المشترك لكل الفلسطينيين غادرنا الاحتفال وكلنا أمل في الغد المشرق لم تستطيع أمي حضور هذا الاحتفال لأنها مريضة ولا تستطيع الخروج من المنزل فقط تركت معاناة الزمان بصماتها عليها فتكدست فيها كل الأمراض ولكنها تأقلمت معها وتعايشت رغما عنها
كانت أمي في انتظارنا كالطفل ينتظر قدوم أمه لقد انقلبت الآية لعبت دور الطفلة لأمي والأم في نفس الوقت ملئت عليها البيت بعد أن عاشت وحيدة مع أحزانها وتنتظر بالكاد من يطرق بابها فتحول بيتنا كأنه مسرح للأحداث ومقصد لكل الأحبة ولكل القوى وبدأت أمي تنسجم مع الواقع الجديد وشعرت من جديد أنها تعود بدورها وسلطتها للماضي شعرت بالحماية, بالقوة ولكن مازالت مترددة كون من تشكل لها هذه القوه والحماية ابنتها وليس ابنها هي تعيش عقدة المجتمع أن الرجال هما الحماية كونها أم لثمانية فتيات وولد واحد يعيش مغتربا ولم تراه منذ ستة عشرعاما وحيدها كان هو الأمل الأوحد لها هي شعرت بأهمية  دوري وقيمتي ولكن لم تختبر ذلك بعد وفي نفس الوقت هي تتعامل مع الواقع الجديد مازالت لم تتعود على الحياة على الأفكار الجديدة . على السلوك العام ومازلت أبحث عن الطريق الأنسب للانطلاق  أبحث عن مفتاح من خلاله أشق مجرى طريق للنساء للتحرك والتمرد على الواقع الذي كبلهم كثيراً كانت المشكلة لدى الجميع شكلية .. هم يعترفون بدوري ويفتخرون به ... ولكن لأول مرة  يروني بعد 30 عاماً وقد تبدلت الدنيا فكانت المشكلة التي يفكرون بها فقط أنني لم أغطي رأسي , رغم أنني كنت أرتدي ملابس مناسبة جداً مراعاة للواقع الجديد وهذا لا يعني التحامي في الواقع الجديد ... لم يستطيع أي منهم الحديث المباشر ولكن عمي الطاعن بالسن أرسل لي أخي الكبير هو أخي من والدي يتوسلني , بوضع حطه فلسطينية .. حطة الجبهة على رأسي ,, وخاصة أن جمهور الرجال من كل المناطق يتوافد وأجلس معهم كامرأة .. لوحدي .. فجاء أخي صباحاً إلى بيتنا وقال لي عمي يقول لك من الأفضل أن تضعي على رأسك حطة فلسطينية عندما تأتي إلى الديوان لاستقبال المهنئين , هم رجال !  نظرت إليه بابتسامة ساخرة ولكن محبة وقلت له ما الفرق أنت أخي . وأحبك كما أنت , أنت الآن تلبس الحطة والعقال والقباز  لا يهمني ما تلبس رغم أنني إذا سألتني أقول لك رأي آخر , لقد غادرت الوطن وأنا بهذا  الشكل ولم أتغير , أنتم تغيرتم وهذه مشكلتكم وليست مشكلتي , ثم أنا غادرت صغيرة وعدت كبيرة غادرت ولم أنهي دراستي وعدت أحمل شهادة الدكتوراة غادرت وأنا عضو في الجبهة وعدت قائد وطني , غادرت بنت عائلة أبو دقة وعدت بنت الشعب الفلسطيني , ماذا تريدون أكثر من ذلك في الوقت الذي أخطأ فيه شعبي هو الذي يحاسبني ولستم أنتم ... لم ينطق أخي أي كلمة ولم يجرأ أحد غيره الحديث مرة أخرى  كنت في بعض الجلسات التي يحضرها الشيوخ من العائلة يتطرقوا  إلى كم هو جميل إذا اكتملت صورتي بغطاء الرأس كان هذا هو عنوان لي للحديث عن جوهرة السلوك الإنساني وليس الشكل ولم أتوقف كثيراً عند هذه النقطة.
بدأت أحضر نفسي للاحتفال المركزي الذي تعد  له الجبهة في قريتي الجميلة مدرسة العودة الإعدادية التي انطلقنا منها لعملنا الفدائي كم أحبها وألتصق بكل ذكرياتي بها , وجاء الرفاق والرفيقات  والأصدقاء من كل حدب وصوب للمشاركة في احتفال العودة في فناء مدرسة العودة من أعد الترتيبات والتجهيزات أبناء مجموعتي الأولي هم رفاق دربي والذين أكلت سجون الاحتلال من جنباتهم مساحة كبيرة كان بيتي يعج بهم وانتقلنا إلى مدرسة العودة بزفة ثورية رائعة شعرت من جديد أنني لم أفارق تراب هذا الوطن الغالي جاء ممثلين عن قوى الوطنية والإسلامية وجاء الشباب والأطفال والشخصيات الوطنية وجاءت النسوة والرجال وجاء فرقة الأشبال والزهرات بعد أن سهرت الليالي كي تتدرب على تحية العودة  بالعروض فدائية نادرة وزينت الرايات والشعارات كل ركن وزاوية من باحة المدرسة وفرق فنية وشعارات  مرت الأيام وجاء الوقت للعودة إلى الحياة الطبيعية ولنشاطي العملي مازلت لم أفيق من صدمت العودة هل صحيح أنا في أرض الوطن جاءني رفاق من جباليا  لديهم سيارة وأرادوا أن يعرفوني على غزه فقادوني إلى محافظات غزه وطلبوا لي إذن من أمي للبقاء ضيفة عليهم في جباليا كان صعب على أمي  ذلك ولكنها لا تستطيع مخالفتي ... لاتتأخري فقط تنامي ليلة ذهبت مع الرفاق وتجولنا واستقر الأمر في جباليا والتف حولي جميع الرفاق وعائلاتهم أمضينا وقتاً رائعاً وحميماً تحدثنا فيه عن كل شيء  وفي الصباح الباكر غادرنا بعد أن تناولنا طعام الإفطار إلى بحر غزة جلسنا وكأن على رؤوسنا الطير لأول مرة أجلس على بحر غزة ...كنت أحب كل البحار لتذكرني ببحرنا ...ولكن بحرنا لايشبه نفسه..شعرت الموج يتخبط كأنما ينذر بثورة عارمة..حتى بحرنا تأثر من الاحتلال والموج تغير صوته...وغادرنا إلى منزلي .
أمي الحبيبة ... أصبحت متعودة على عودتي ,كمن ينتظر طفلته الضائعة ...أشعر بفرحتها العارمة عندما أدخل إلى البيت, تستأنس بجمعتي مع الرفاق والأصدقاء..الناس تتعامل بشكل استثنائي معي كامرأة كوني مناضلة ..ولكن لم يتعودوا بعد على الدور الذي أمارسه ...أن أكون بين الرجال ...بين القيادات الوطنية ...أخطب في المهرجانات أخاطب النساء والشباب والرجال ,هم يقرؤون عن النساء ودورهم , يؤلفون شعرا عن نضالها  ولكن لأول مرة يلتقون مع مناضلة سمعوا عنها كثيرا في تجربة العمل العسكرية لمجموعات الجبهة الشعبية (جيفارا غزة) فترة 1969م وسمعوا عن شريط تواصلها في قواعد العمل الفدائي في الأردن ولبنان وفي كل ساحات النضال الوطني تحدث المتحدثون والشعراء من أهل الحفلة رحبوا وهنئوا ..وتألقوا فرحا لعودة ابنتهم المناضلة من تاريخهم وزغردت النسوة بهجة حيث وجدوا لهم سندا يحرر إرادتهم القوية من ظلم الاحتلال وتميز المجتمع وتحدثت في ختام المهرجان ...شاكرة لهم وموصلة لهم سلامات الحكيم ورفاقه ورفيقاتهم وشعبهم في الخارج الذين يحترقون ألما للعودة وعهداً لهم بالثبات على كل الثوابت والتأكيد على الاستمرار في نهج المقاومة وحماية الوحدة الوطنية والبناء الديمقراطي والذي لا ضمانة لها إلا بمشاركة المرأة مشاركة حقيقية مشاركة الشباب وعزفت الموسيقي وأقيمت الدبكات وغنت  شاتيلا معمر فلسطينيون وبدنا نحمي هالبلاد ...وعرضت فرقة الكشافة عروض عسكرية رائعة ..وانتهى  المهرجان تاركاً أثرا رائعا .. تألقت بظلاله منطقة الجنوب الحبيبة ومدرستي التي طالما أحببتها .وكالعادة أمي الغالية كانت في انتظارنا بفارغ الصبر لأنها لا تستطيع مرافقتنا بسبب وضعها الصحي واجتمعنا في البيت والرفاق والعائلة فايز ونجيب من جباليا .. كان برفقتي طول الوقت يسهل لي حركتي بكل ما يستطيعوا .. هم وعائلاتهم وتسامرنا وتحدتنا ,ونكتنا وضحكنا مع الأولاد ... كانت سعادتي لا تضاهيها سعادة.. كيف لا..؟وأنا أشعر أن الوطن والعائلة تحتضني كما تحتضن الأم ولدها الغائب عنها منذ سنين ..
وبدأت أنخرط في الحياة بصعوبة شديدة كيف لي سأواجه هذا الواقع المعقد ..ولكن لابد التربة مهيأة  ولكن أحتاج إلى صبر ونفس طويل... ولابد من كسر الحاجز النفسي ,وبدأت الاجتماعات تنظم في بيتي وتعود الناس وأهل قريتي على تجمع الرجال في بيتي وهم يعرفون أن كل من يحضر إليّ هو مناضل وأنا زميلتهم لا يوجد مشكلة حيث أنني المرأة الوحيدة معهم وهم تعودوا .. ولكن لم يتعودوا على طلب الإذن قبل الدخول , لأنهم لا يعرفون معنى أن الجلسات تكون جلسات عمل واضطررت  أن لا أسمح لهم بالدخول وأعتذر منهم إدا سمحتم لدينا عمل .. وكنت قد أشرت لأمي أن تمنع دخولهم في البداية كانوا يغضبون ويقولوا هي لها طبع مثل الأجانب تطردنا ...وتدريجيا فهموا وكانوا يحبونني كثيرا وأنا أحبهم ولكن لا أحب بعض العادات عندهم يريدوا أن يعرفوا كل شيء يخصهم ولا يخصهم فكنت أصارحهم بالحقيقة التي  كثيرا ما تصدمهم وسرعان ما تعودوا على صراحتي وأحبوها ... افتخروا بي وأحاطوني بالرعاية والتقدير والاحترام وحرصت على علاقة طيبة معهم لقد تعودوا على المناضلين الذين عادوا إلى الوطن أن يعيشوا بترف غير معهود وكانوا ينتظروا أن يروا ماذا سأفعل ... ولكن شيئاً مما توقعوا لم يحدث لقد جئت ولم أملك أجرة الطريق لا أملك شيء وبدأت أصارحهم  بذلك ولم يقتنعوا تصوروا  أنني لا أريد أن أقول الحقيقة خوفا من الحسد كيف لا وأنا قائد ذو سمعة ومكانة وهم مقتنعون أنه لا يوجد لأحد سمعة جميلة هكذا دون أن يكون لديه مال كثير لم أعرف حقيقة تفكيرهم هذا إلا بعد ثلاثة أعوام وبدأت أبحث عن عمل وأمارس نشاطي الحزبي وواجهتني صعوبات جمة لكن هناك مفاتيح لابد من استخدامها لفك كل هذه التعقيدات أنا أواجه ثقافة أخرى وعادات مختلفة ومفاهيم مغايرة .
تبدلت الكثير من عاداتي الجميلة التي كنت أتوق إليها رغم أن قريتنا الجميلة ما زالت تلبس حلتها التضامنية لحبها للوطن ولكن تراث جديد تغلغل إلى النفوس , وأخذ هذا الوئام والدفء الأسري والمجتمعي .. هذا ما خلفه الاحتلال ,وما فرضه المفسدين من تبوء مواقع ليست لهم فدخلت ثقافة المحسودية والاستزلام والتبعية والالتحاق بالفصائل بحثا عن موقع وبالتالي الحصول على الامتيازات والمال ..وبحثاً عن الانتقام من الماضي المتسلط عليهم ...فبدلوا ما عاشوه من تسلط  على رقابهم إلى تسلط على رقاب الناس ...هي فئة كانت صغيرة وبدأت تشق طرق لها فنمت في ظل تربة خصبة لها ...وأصبحت الفوارق الطبقية والاجتماعية والظلم بين من يستحق ولا يملك ومن لا يستحق ويملك المال والقرار.. فشيئا فشيئا .. بدأت الكراهية والحقد تتغلغل بين الناس والصراعات والنتائج دون انتباه جادة من السلطة والفصائل ولم تعد الأحلام والآمال  تغدي أبناء شعبنا الذي كان  يحلم بأن يجسد العدل والمساواة وأن يجني الرفاهية في ظل سلطة كان يتصور أنها دولته ....
كنت أعلم جيداً أن هناك ينتظرنا عمل مستحيل لتقييد كل شيء  لصق بنا وليس أصيل في ثقافته الفلسطينية الراقية المتسامحة المتضامنة الوطنية الديمقراطية بالفطرة فانطلقت بعد كل مهرجانات الاستقبال  الخاصة والعامة إلى الرحاب الواسع إلى المجتمع من بوابة الحزب والمؤسسات الأهلية من خارج القرية والعودة إليها كحاضنة لي وبدأت مسيرتي بعد أن سمعت  وأسمعت صوتي وكان ذا أمل يصاحبني هم أساسي هو خدمة أبناء وبنات شعبي لمواجهة الاحتلال وهذا الأمر يتطلب التقارب وثقافة وحدوية تبنى على أساس التقاسم المشترك ونبذ كل ما هو سلبي ويفرق .. وشعرت أن هناك فجوة ثقافية كبيرة بسبب الظروف الخانقة التي تعرض لها قطاعنا الباسل وبسبب ممارسات الاحتلال الإجرامية لقد كانت غزة عبارة عن سجن كبير .. الخروج منه أمرا في غاية التعقيد .. والمنع في كل شيء  هو سيد الموقف .. فبدأت بمسيرتي نحو التلفزيون والندوات الجماهيرية والشعبية ... واللقاءات المتواصلة  مع الناس لإيجاد اللغة المشتركة وللوصول إلى الحقيقة . لأنني أريد أن نضع أقدامنا على الطريق السليم معاً وليس فرديا  وقد اكتشفت أن شعبنا  رائع ومعطاء بلا حدود تأكد يقيني الدائم أن شعبنا  شعب المعجزات وما هي إلا فترة وجيزة  من الجد والعمل حتى وجدت صدى صوتي في قلوب وعقول أبناء شعبنا الغالي  أبنه لهم وصوت ضميرهم  وكان ذلك ومازال وسيبقي محط اعتزازي  وتقديري لهذا الشعب البطل الشعب الصامد صانع المعجزات هو يستحق الحياة والحرية ويستحق قيادة محترمة ليصل معها إلى الأمان  ...