بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

تجتمع نساء فلسطينيات على تطريز الأحلام، في انتظار تحقق الحلم الدائم والمستمر بـ «حق العودة». يرسمن لوحات فنية تستعيد حضارات قديمة. من خلال أناملهن يعود الكنعانيون، وتعود زخرفات البيئات المختلفة، والقرى الفلسطينية. أما النتيجة فتطريز لتاريخ النضال بأصالة فنية.
نساء فلسطين منهن من حمل السلاح، قاتلن وقتلن في سبيل القضية. لم يكففن يوما عن القتال والنضال في كل صورة ممكنة، وأنى أتيحت لهن الفرصة. اليوم ما زلن على النهج نفسه لكن اياديهن لا تحمل سلاحا، إنما مغازل تنسج لحماية إرث فلسطين الثقافي حتى لا يسرقه الاحتلال الإسرائيلي، وينسبه إلى نفسه كما سرق أرض وهواء فلسطين.
تروي أقمشة الإيتمامين والجورجيت والحرير المطرّزة بألوان زاهية طغى عليها البوردو والبيج والبني، وقد علقت على رفوف المعارض، حكاية شعب طرد من أرضه..وهجّر. للتطريز حكايات كثيرة داخل مخيمات الشتات واللجوء. نساء ورثن المهنة عن أمهات وجدّات، وأخريات تعلمنها في المدارس والمعاهد، إضافة إلى الدورات التي نظمتها الجمعيات وعلّمت خلالها نساء فلسطينيات وفتيات هذا الفن.
يتحدث مَن عمل مِن النساء في هذه المهنة أنهن تعلمن حرفة لها رمزيتها لجهة الوجود الفلسطيني والصمود».
في مخيم عين الحلوة، تمتهن جميلة ابنة الـ 56 عاماً، مهنة تعليم النساء فن التطريز وتشرف على انتقاء الألوان وقص الأقمشة وتعديل المقاسات، وهي التي كانت سابقاً تطرز قبل ان ينهكها الزمن. «بتستر ما بتعيش»، تقول جميلة، في إشارة إلى المردود المادي الذي تكتسبه لقاء تعبها. تضيف: «اخترتها لأنها وظيفة منزلية، لا بروح ولا بجي».
تجلس أمام كومة من الخيطان الملونة وقد التفّت في بكرات على الطاولة امامها، تتناول الخيط الأحمر، تسحب طرفه وتدخله في إبرة، تبدأ بالغرز على قطعة قماش الإيتامين بهدف تحويلها الى سطح صينية قهوة مصنوعة من النحاس.
تتحدث جميلة عما في جعبتها من حكايات فلسطينية من الزمن الماضي. تقول إن «النساء في الماضي كن يرتدين الأثواب المطرزة بالوحدات التي ترمز الى بلداتهم»، فكل رسم «يعكس هوية البلدة التي جئن منها، فالخليل تعرف من كثافة ألوان التطريز على الأثواب، والقدس من الوردة الكبيرة وغزة من السرو».
ترتبط الأثواب المطرزة ارتباطاً وثيقاً بالتقاليد القديمة في فلسطين، «كانت النساء تلبسن الأثواب المطرزة بالأحمر الداكن أو البوردو للدلالة على أنهن متزوجات، اما العزباوات فيلبسن الأثواب المطرزة بالأحمر الناري، واللون الأزرق كان للأرامل والمطلقات».
في مخيم برج البراجنة، نساء يتحدين كل معوقات العيش الكريم لتأمين القليل من الأموال من أجل شراء بعض المواد الغذائية. تعمل وفاء وهي أم لخمسة أولاد، على مساعدة زوجها في تأمين ما يستر عائلة من ستة أفراد برغم المردود المادي القليل الذي تجنيه مقابل عملها في التطريز.
تقول: «ذات مرة طلبت مني الجمعية التي أتعاون معها أن أطرز بيت لحاف، وقد أخذ مني ثلاثة أسابيع عمل يومي، وما جنيته مقابل تعبي أقل من خمسين دولاراً». وتشكو: أن «المردود المادي من هذه المهنة شحيح، لا يسد رمق العيش لأيام قليلة، مقابل أسابيع من التعب».
الحلم الفلسطيني تجسد في عيون الاختين سارة (22 عاماً) وسهام (24 عاماً)، حلم بالحرية وتجاوز الحواجز التي تقف امام مستقبل افضل. لا خطة في جعبتهن في سبيل مستقبل واضح، وهما اللتان نزحتا مع العائلة من مخيم اليرموك في سوريا الى مخيم برج البراجنة، وهناك تعلمن التطريز بهدف العمل لتأمين المال.
ونظراً الى المجتمع المحافظ الذي تتمسك به العائلة، فلا يسمح للفتيات بالخروج بعيداً حتى من أجل العمل، وتقتصر مساعيهم على إيجاد الأعمال التي تنجز في المنزل. تقول سارة: «نحن لا نخرج من المخيم، شم هوا ما في، مشوارنا خارج المخيم هو الى مركز الأمن العام لتجديد الإقامة». تضيف «حاولت امتهان التطريز لكسب المال، لكن مع الوقت ملّيت منها، فالمهنة تحتاج إلى الصبر والجهد الكبيرين».
بدورها، تقول سهام: «نسيت نظارتي في سوريا، فلا قدرة لي على التطريز بحرفية مقارنة بالخبيرات من النساء، خصوصاً في ظل استمرار انقطاع الكهرباء عن المخيم». تتمنى الفتاة لو أنها تتعلم حرفة أسهل من التطريز لكسب الرزق.
يشير رئيس جمعية «يافا العودة للتراث والثقافة» عماد المختار من مخيم مارالياس في بيروت، إلى «أن المأساة التي يعاني منها الفلسطينيون في لبنان، تضعهم أمام طرق ضيقة لإيجاد فرص عمل كما يطمحون»، ويشرح: «لم يعد أمامنا الا التمسك بهويتنا عبر المحافظة على التراث ومواجهة خطر سرقة اسرائيل للتراث الفلسطيني حتى لو تكلفنا من جيوبنا وتعبنا»، موضحا «أن المواد الأولية من قماش وخيطان غالية الثمن، وأجرة المعارض مرتفعة»، وعليه، يكون تقسيم المصاريف بين الخياطين والعاملات، لا يسمح في زيادة الأجور خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي المتردي، وتدني الطلب على المنتوجات اليدوية.
تتحدى نساء فلسطين اللجوء بما تيسر لهن من مهن تساعدهن على كسب العيش من ناحية، والحفاظ على ذكرى فلسطين من ناحية أخرى. وإن كن يستعدن التاريخ مع معاناة ودموع، إلا انهن يتطلعن إلى المستقبل بعيون من خيوط ملونة، علهن بذلك يتجاوزن بعضا من قهر.
بين أصابع هؤلاء النساء تفترش فلسطين القماش لتبقى القضية. ومعها يبقى الامل بعودة مستعصية، وحياة أفضل يستبعدون حدوثها في مخيمات لجوء تفتقر إلى أدنى مقومات الاستمرار!
«موسوعة التراث الفلسطيني»
يوثق الفنان التشكيلي الفلسطيني عبد الرحمن المزين في كتابه «موسوعة التراث الفلسطيني»، تنوع الوحدات الزخرفية الموروثة عن الأجداد والتي ما زالت تطرز حتى اليوم، ومنها الوحدات الزخرفية الهندسية، كالنجمة الثمانية والدائرة والمربع والمثلث، وغيرها من الزخرفات المنبثقة من الطبيعة كالورود وأوراق الشجر. واللافت للانتباه انتماء كل قطبة مطرزة على الاثواب الى بيئة فلسطينية ما او الى قرية محددة. فالمثلثات انتشرت منذ القدم في النقب ورام الله والرملة وبيت دجن، حيث كانت هوية المرأة الفلسطينية تعرف من ثوبها المطرز بأشكال ترمز الى مسقط رأسها.