خلود الفلاح - " وكالة أخبار المرأة "

مازال الصراع بين الرجل والمرأة في مجال الكتابة قائم الذات، خصوصا في ظل تنامي الأصوات النسائية التي تطالب بالمزيد من الحرية في التعبير لأجل إثبات الذات وفرض أقلامها في المشهد الثقافي العربي، وفي هذا السياق يشير الباحث الليبي عبدالله مليطان عبر صفحته على الفيسبوك إلى أن عدد الروايات النسائية الصادرة هذا العام، هما روايتان: “قصيل” للكاتبة عائشة إبراهيم والصادرة عن دار ميم للنشر، و”صراخ الطابق السفلي” للناقدة والباحثة فاطمة سالم الحاجي والصادرة عن دار النهضة العربية.
تحرر الذات
يقول الشاعر والكاتب المصري شريف الشافعي “تواصلت خلال الأشهر القليلة الماضية مع عدد من الدواوين الشعرية، لأقلام نسوية عربية. ولعل الخيط الأوليّ المشترك، الذي وجدته يقودني إلى التعاطي مع هذه الأعمال في قراءة متعمقة، هو أن تلك الأعمال تتسع لأكثر من نافذة من نوافذ الانطلاق والتحرر، وتعكس في مجملها تمرّدا على المألوف الجمالي، فضلا عن المعطيات المجتمعية الراسخة”.
ويضيف الشافعي "على سبيل المثال، لا الحصر، في ديوانها “كمكان لا يُعَوّل عليه” من منشورات دار الوطن اليوم (2016)، تجرّب الشاعرة الجزائرية نوارة لحرش ألعابا أخرى بديلة عن لعبة الحياة غير مأمونة العواقب، وهي ألعاب خاسرة بالضرورة، لكنها تبدو محاولات لترك أثر ما، قبل تلف كل شيء، في وجود عنوانه الوحيد “العدم”. تعي الشاعرة أن لعبتها الأكثر قيمة، أو الأجدر بالتجربة، هي لعبة التحرر من أسر الحياة “الضيقة”، وخلق فضاءات بديلة للمعاني وأرحب من كُنه الإقامة على هذه الأرض، وأيضا التمسّك بما لا يمكن التمسّك به. فسلالم الحياة، بالمعنى النمطي، ليست إلا وهما، ولا يقود صعودها إلا إلى هاوية. هي شاعرة تحررت بالقصيدة، بقدر ما منحت الحياة فرصة أخيرة، كي تصافح ذاتها الحقيقية، تحت شجر المعاني والكلمات".
الشاعر شريف الشافعي مهتم بالكتابة عن الأعمال الإبداعية النسوية يوضح "الشاعرة المغربية فاطمة الزهراء بنيس، في ديوانها “على حافة عمر هارب” من إصدارات دار البدوي بتونس (2016)، تؤكد أنه ليس تناقضا استسلام الأنثى لرهافتها المفرطة، وتسلحها في الوقت نفسه ببارود التمرد، الذي تستطيع بواسطته تفجير كل شيء؛ ذاتها، الرجل، وكل مفردات العالم، هي شاعرة ولدت عارية منها، على حدّ تعبيرها، فلا تريد أن تشبه حوّاء، ولا أن ترضي آدم، الذي لجناحيه لذة الغرق. للإيحاءات المُشمسة تركت ذاتها، فاستدرجتها إلى عَتَه الصبا، حيث اللعب، والركض، والبوح، والضحك، والبكاء، والتلذّذ، والصعود، والسقوط، والموت، والانبعاث، وهكذا يكون الشعر".
أما الشاعرة السورية بسمة شيخو، في مجموعتها “شهقة ضوء” الصادرة عن مركز التفكير الحر بالسعودية، فإنها لا تفقد القدرة على الفعل، أي فعل، في حياة عنوانها الوحيد غير القابل للتأويلات هو “الحركة”. منمنماتها الشعرية ذاتها يجوز التفاعل معها بوصفها بذورا خصبة قابلة للنماء، نثرتها يدٌ صغيرة، لم تفقد إيجابياتها وإيمانها بدورها الكبير مع حلول صيحة القيامة. أما النجاة من الطوفان المحدق، فإن لها أكثر من وجه، ولربما تحققت النجاة بالتضحية بالذات، التي تتحول إلى جسر تعبر منه ذوات أخرى إلى ضفة آمنة.
بسمة شيخو، التي تشفق -ظاهريّا- على الخفافيش اليتيمة من “شهقةِ ضوء ابتلعت الظّلمة”، هي ذاتها التي لا تكتب إلا كي تحرر الضوء المحبوس في الفانوس السحري، لينهض من جديد كمارد أعرق من التاريخ، وأبقى من الخلود.
ويتابع الشافعي قوله "في ديوانها “ما يجعل الحب ساقا على ساق” من منشورات نقوش عربية بتونس، تقترح الشاعرة التونسية هدى الدغاري فضاء داخليّا للذات، يتسق مع فضاء خارجي لا سقف له، ولا قرار. الطيران هنا له معنيان، الطيران بالأجنحة، وبالأفكار. ألوان الأجنحة ذاتها تتجاوز الحيّز الضيق لقوس قزح، لتقبض المخيلة على سماء مكتملة، فيما تتسع أدغال الروح لتتمشى فيها غابة إثر غابة. الشعرية، في تجربة الدغاري، بإمكانها تسليم قرص الشمس تفاحا، ينضج على وهجها. الإشعاع انطلاق دائم، يفيض حرية وتمردًا وجنونًا. حتى مدارات الجسد، تتسع لما يخرج عن التشهي المألوف، إلى منعطف ينتشي فيه العسل نفسه على خارطة الشفتين المعسولتين".
اهتمام واضح
يؤكد الناقد العراقي عبدالغفار العطوي أن المتتبع للمنجز الثقافي العربي منذ سنوات إلى حد الآن، يلحظ بروز الأدب النسائي في شكل ملفت للنظر ومنافسته للأدب الذي يكتبه الرجال، نتيجة عوامل التطور والانفتاح في العصر الحديث، لكن ظهور الأزمات في العالم الغربي في ما يتعلق باستقلالية المرأة وحريتها في بناء شخصيتها وقيام حركة نسوية غربية حفز المرأة العربية لأن تحذو حذوها في تبني قضاياها ضمن عالم ذكوري شبه مطلق.
يقول العطوي “وجدنا اندفاع العشرات من النسوة في خوض غمار تجربة الكتابة بما يطلق عليه الأدب النسوي، وصرن ينتجن في الأنشطة النسوية الثقافية (الشعر والقصة القصيرة والرواية والنقد والكتابات المتعلقة بقضايا المرأة الخاصة بالنسوية) وكانت تجربة المرأة الكاتبة في عالمنا العربي محترمة لجديتها في إيصال أصوات الملايين من بنات جنسها المخنوقة بالقهر الذكوري، والرازحة لضغوطات الأبوية المتنوعة، الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي لا ترحم، ومحاولاتها المخلصة في ترسيخ ملامح بينة وواضحة لشخصية المرأة العربية غير النمطية التي عهدناها في الكتب التراثية، والتي مازال الكتُاب الذكور يروّجون لها”.
 ويضيف “هذا العام رأينا الأدب النسوي يشق طريقه بجدارة بين الأوساط الثقافية، في اهتمام شريحة واسعة من الباحثين والكتاب والنقاد والقراء الاعتياديين لما توفره الكاتبات ودور النشر العربية من ذلك النتاج النسوي، سواء في المعارض التي تقام في جميع عواصم البلدان العربية تقريبا وفي المكتبات المنتشرة في العالم العربي، أو المنتديات والملتقيات الثقافية التي تشارك فيها المرأة الكاتبة بعنوان مستقل أو متميّز، التي ترعاها الدول والحكومات أو المنظمات الثقافية المستقلة”.
عزلة نسوية
يوضح عبدالغفار العطوي “في هذا العام تقف الكاتبة في مجالات الثقافة كافة لتدلي بدلوها، من خلال قولها إنها هنا في مزاحمة شريفة للرجل، وفي رد الاعتبار لقيمها المهدورة بعالم ينحدر نحو الصرامة والتزمّت، فمن خلال متابعتي لما صدر من نتاج نسوي بمختلف أنواعه في بلدي العراق.
وفي بلدان العالم العربي، أجد أنه يؤشر على انطلاقة ملحوظة للأدب النسوي في ترسيخ الشخصية النسائية المثقفة والواعية لدور المرأة قي قيادة المجتمع، والدليل كثرة الإصدارات الثقافية والإبداعية النسوية، والنشاط الملفت للنظر للكاتبات والمدونات، والإقبال الشديد على شرائها ومطالعتها، لكن هذا الأدب النسوي يعاني من ضائقتين: أولا عزلة المرأة الكاتبة عن محيطها النسائي، وثانيا غياب تفاعل المرأة العادية (العاملة والموظفة وربة البيت) مع كتاباتها يشكل عبئا باهظا، يقلل من حماسة ومثابرة الكاتبة، ونقل تجاربها في الاتكاء على مخزون غزير من الأفكار والقضايا”.
تذكر ماري إيلمان أن الرجل يلوّح بالذكورية في عملية تنافسه مع المرأة، لهذا نجد أن أكبر ما يعانيه الأدب النسوي الهجمة الشرسة للكتاب من خلال سلسلة التشكيك في قدرات الكاتبات، لكن من يتابع بدقة الأدب النسوي يلمس تقدمه.