صباح الشابي - تونس - " وكالة أخبار المرأة "

الدّعارة في تونس ظاهرة تستوجب الوقوف عندها وتفكيك جوانبها البارزة والخفية.. وهي لم تعد تقتصر على المواخير - والذي يعود تاريخ أقدمها ببلادنا في العهد الحالي الى سنة 1942 عندما عملت السلطات الاستعمارية الفرنسية على تقنين الدعارة في تونس في حين كشفت بحوث جيولوجية عن وجودها حتى في أولى سنوات الميلاد - بل تطورت الى أشكال وأنماطعدة ودخلت مرحلة الامتهان الظرفي لتوفير نفقات آخر الشهر والذي يشمل موظفات وطالبات بما خلق ما يسمى ببائعات هوى 5 نجوم وأرضية اقتصادية خاصة بالدعارة تمر عبر المطاعم والفنادق والمقاهي والشقق المفروشة وغيرها.
 بائعات هوى برتبة راقصات
ظاهرة «الدعارة» لم تكن وليدة اليوم فقبل الثورةكشفت السلطات الأمنية النقاب على شبكة دعارة شملت 80 فتاة وعرفت وقتها بقضية «فتيات لبنان» وهي شبكة يديرها تونسي ولبناني استقطبت عديد الفتيات التونسياتللعمل كراقصات بملاهي ليلية لبنانية وتقدمن خدمات أخرى للزبائن.
20 دينارا في الساعة
وتفاقمت هذه الظاهرة أكثر بعد الثورة حيث استغلتهذه الشبكات حالة الفوضى والانفلات الذي عاشته تونس على جميع المستويات، وقد سبق أن نجح أعوان منطقة الأمن الوطني بصفاقس الشمالية في الإطاحة بشبكة لتعاطي البغاء السري والرذيلة بساقية الداير تتكون من فتاتين وامرأة استغلت منزلها وكرا للدعارة، كما كانت فرقة مكافحة الإجرام ببن عروس أطاحت بشبكة دعارة بتونس العاصمة بعد مداهمة شقة تبين انها تستخدمللغرض مقابل 20 دينارا للساعة الواحدة وأفضت العملية الى ايقاف شاب يبلغ من العمر 25 سنة كان يمارس الجنس مع قاصر لم يتجاوز عمرها 15 سنة على مقربة من ساحة العملة وسط العاصمة، وقد صرح الشاب أنه تسوغ الشقة بـ 20 دينارا لمدة ساعة فقط، كما أثبتت التحريات أن صاحب الشقة يسوغها بالساعة للراغبين في ممارسة الجنس.
شبكات دولية
كما كانت الإدارة الفرعيّة للوقاية الاجتماعيّة التّابعة لإدارة الشرطة العدلية بتونس العاصمة أوقفت 30 مراهقة و18 ليبيا ضمن شبكة دعارة بحي النصر، كما تمكنت نفس الفرقة من الإطاحة بشبكة ثانية تضم 5 جنسيات وأثبتت التحرّيات أن الليبيين يقدّمون مبالغ تفوق 300 دولار للفتاة الواحدة مقابل ممارسة الجنس أي ما يفوق 700 دينار تونسي.
وللإشارة فإن هذه بعض العينات لعشرات الشبكات التي أطاحت بها الفرق الأمنية.
 من التفكك الأسري الى الفقر
 يدفع التفكك الأسري والفقر بعض الفتيات الى السقوط في مستنقع «الدعارة» بالإضافة الى تعرض بعضهن الى اعتداءات جنسيةخلال صغرهن تدفعهن الى الانخراط إما في شبكات دعارة سرية أو يعملن في إطار الدعارة المقننة.
 وبالنسبة للاتي يدفعهن الفقر والتفكك الأسري الى ممارسة الدعارة عادة ما يكون زبائنهن من الطبقات المتوسطة والهشة فيما نجد بعض النساء والفتيات الأخريات اللاتي يمارسن الدعارة رغم أنهن يعملن في مؤسسات عمومية أو خاصة لكنهن يفضلن دخول مغامرة الدعارة لأنها توفر لهن أموالا طائلة وهدايا وعادة ما يكون زبائن هذه الفئة من الأثرياء وعادة ما ترتاد هذه الفئة المطاعم والنزل الفاخرة فتنعش ليس فقط رصيدها بل أيضا «كاسة» النزل والمطاعم.
 قضايا البغاء انخفضت الى النصف بعد الثورة
 تشير الإحصائيات التي تحصّلنا عليها من وزارة العدل الى "تراجع" جرائم البغاء السري باعتبار ان قضايا البغاء السري التي تم فصلها من 2009 الى 2010 بلغت 88 قضية ثم انخفضت الى 58 قضية خلال السنة القضائية2010 / 2011، لتبلغ 38 قضية خلال السنة القضائية 2011 / 2012 كما انخفض عدد القضايا المفصولة خلال السنة القضائية 2012/ 2013 ليبلغ 34 قضية، وخلال السنة القضائية 2013 /2014 بلغ عدد القضايا المفصولة في البغاء السري 29 قضية.
أما بالنسبة للقضايا المفصولة في جرائم الزنا فقد بلغت 86 قضية خلال السنة القضائية 2009 /2010 فيما انخفض العدد خلال السنة القضائية 2010 / 2011 ليصل 46 قضية وارتفع عدد القضايا خلال السنة القضائية 2011 /2012 ليبلغ 50 قضية، وارتفع عدد القضايا المفصولة في البغاء خلال السنة القضائية2012 / 2013 ليبلغ 65 قضية ثم انخفض خلال السنة القضائية2013 /2014 ليصل 40 قضية.
باحثة في علم التراث.."السعر يرتفع وينخفض تبعا لمواصفات بائعة الهوى"
 الباحثة في علم التراث خولة الفرشيشيالتي تشتغل على تمثلات ورمزيات الجنس الأنثوي اعتبرت في حديثها لـ»الصباح» أن ظاهرة البغاء السري ( الدعارة) تفشّت بعد الثورة وهناك عصابات «أمنية» تعمل مع الباحثين عن الجنس الذين يأتون من ليبيا من أجل السياحة الجنسية مضيفة بأن هنالكتسهيلات من طرف بعض الأطراف الأمنية التي تتستّروفق تصريحها على شبكات الدعارة المنظمة في تونس وتحديدا في الأحياء الراقية.
 واعتبرت أن هذا النوع من الدعارة السريةأصبح ينافس الدعارة المقننة التي تديرها السلطات فقد ظهرت أنماط جديدة من المومسات مختلفة تماما عن النموذج الكلاسيكي للمومس وهذه الأنماط شملت المرأة المتعلمة والجامعية والجميلات اللاتي يحملن مواصفات عالمية فهن يشتغلن أساسا على استثمار أجسادهن كما يعولّن على اتقانهن اللغات ولبس الماركات العالمية لاصطياد حرفائهن من الرجال داخل المطاعم الفاخرة والنزل، وتسمى هذه الدعارة «دعارة الخمس نجوم» أو fivestars وتمارسها فتيات على قدر من الجمال وهناكمنهن من تشتغل في مؤسسات عمومية أو خاصة ويعتبرن أن المرتب الذي يتقاضينه لا يكفيهن، لذلك يتردد هذا النوع من الفتيات أو النساء على المطاعم والنزل الفاخرة بضاحية قمرت وصولا الى حي النصر لاصطياد حرفائهن وتتقاضى هذه الفئة ما بين 500 الى 1000دينار لليلة الواحدة.
اسثمار الأجساد
وتعتبر هذه الفئة بأن الجسد الجميل هبة من الله ويجب استثماره قبل التقاعد وقبل أن يشيخ ويترهل.
وتابعت محدثتنا وبينت أن القدرة الشرائية تختلف بالنسبة للراغبين في ممارسة الجنس من فئة إلى أخرى فكل حسب وضعيته الاقتصادية فالطبقة الميسورة الحال تلتجئ عادة الى المطاعم الفاخرة والنزل لاصطياد الباحثات عن الجنس بمقابل فيما تلتجئ الفئات ضعيفة الدخل جدا على غرار العاملين بحظائر البناء وغيرهمالى المواخير على غرار ماخور «عبد الله قش» كي يمارسوا الجنس بمبلغ ماليلا يفوقعشرة دنانير في حين تلتجئ الطبقة المتوسطة الدخل الى المطاعم الشعبية والحانات للبحث عن بائعات الهوى ويدفعون مقابل ذلك لكل زبونة مبالغ مالية تتراوح بين50و70 دينارا.
 وأضافت محدثتنا أنه بالنسبة للاتي يمارسن الدعارة فإن الأسباب التي تدفعهن الى ذلك تختلف باختلاف وضعهن الاجتماعي فالمنتميات الى وسط اجتماعي فقير أو اللواتي ينقطعن عن الدراسة لأسباب مادية يضطررن الى ممارسة الجنس بمقابل معتبرة أن التفكك الأسري أيضاعامل من العوامل التي تدفع ببعض الفتيات والنساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و50 سنة الى بيع أجسادهن بمقابل مادي حتى يغطين مصاريفهن.
دعارة قاعات السينما
 قالت محدثتنا في السياق ذاته إن هنالك نوعا آخر من الدعارة تسمى الدعارة السرّية وتتم عادة داخل قاعات السينما ويعرف هذا النوع من الدعارة باسم«femme taxi cinéma» ويتقاضى اللاتي يمارسن هذا النوع من الدعارة 5 دنانير عن كل عملية جنسية.
 وتابعت الباحثة الفرشيشي بالقول إن هناك دعارة مقننة تمارس بالمواخير، مضيفة أن العاملات هناك يدفعن ضرائب الى الدولة ولكن الخطير حسب رأيها أنه يتم استعبادهن من قبل المشرفة على الماخور «البطرونة» اذ تعمد هذه الأخيرة الى أخذ نصف مداخيلهن وهذا يتعارض وفق تصريحها مع القوانين الدولية التي تجرم التجارة بالبشر مشيرة الى أن العاملات بالمواخير بينهن متزوجات، عازبات ومطلقات.
الباحث طارق العمراوي.."البغاء في تونس يعود الى العهد الروماني"
 ظاهرة الدعارةليست بالجديدة على البشرية بل هي ظاهرة موجودة على مر التاريخ، وقد بين لنا في هذا الصدد الباحث في التراث طارق العمراوي أن الدعارة موجودة منذ العهد الروماني وأنه تم العثور على عقد وجد في القرن الرابعميلادي وهو عقد من مادة الرصاص ويزن300 غرام برقبة هيكل عظمي لامرأة نقش عليه «أنا عاهرة قذرة.. خليقة تثير الاشمئزاز فاقبضوا عليها وسلموها لماخور بلة الملكية» هذاالماخور الذي تم اكتشافهبمعبد آبولون الأثريببلاريجياواكتشفه القائد العسكري «بينات» سنة 1906وفق محدثنا.
 وتابع قائلا» الجنس المقدّس في الشرق طرح جدلية الدافع والرغبة الجنسية من جهة والارتباط بالعالم النوراني والقبس الإلهي من الجهة الثانية، وإن الدلائل الأركيولوجية المرتبطة بهذا الطقس الديني المعقد تطوّر عبر ثلاثة مراحل وهي الفردية والجماعية والبغاء المقدس في الشرق وغيره من بقاع الأرض».
مضيفاأن الجملة المكتوبة على العقد الذي وجد برقبة هيكل عظمي لامرأة بمعبد آبولون ببلاريجيا دليل علىوجود ماخور بتلك المنطقة وتساءل محدّثنا هل أن ذلك دليل على أن المعبد كان يحمي العاهرات الفارات من الماخور؟
وتابع قائلا «انطلاقا من نموذجين النموذج التونسي المتمثل في وجود عقد على رقبة باغية بمعبد ببلاريجيا وتجربة الجنس المقدس في الشرق نفهم أن البغاء تطور عبر التاريخ ابتداءمن طقوس الجنس الفردي والطقوس الجماعية وخاصة طقوس الجنس المقدس وتطور عندما انتقل الإنسان من الفترة التي حكمت فيها الأم ثم المرحلة الذكورية التي أسست للزواج الثنائي فقط».
مختص في علم الاجتماع .."طالبات وعاملات في قفص الدعارة"و"الدولة عين رأت ولخرى ما راتش"
المختص في علم الإجتماعصفوان الطرابلسي اعتبرأن هنالك عاملين يدفعان بعض النساء لممارسة الدّعارة أوّلهما الفقر وثانيهما غياب العدالة الاجتماعيّة.هذان العاملان يدفعان بعض النساء أو الفتيات لممارسة الجنس بمقابل إذ لا يجدن شيئا لاستثماره سوى الجسد، وهناك فئة أخرى من ميسوري الحال تمارس الجنس بمقابل ويعود ذلك إلى تأثير العالم الافتراضي على المجتمع مما جعل البعض عاجزا عن إقامة علاقات على أرض الواقع فيلتجئ الى العالم الافتراضي للتعرف على أشخاص وإقامة علاقات جنسية معهم بمقابل مضيفا أن مسالة الدعارة ليست موجودة في تونس فقط بل في العالم ولأجل نفس الأسباب.
 وبين محدثنا أن هنالك عدة أسباب أخرى وهي ضغوطات الحياة والعمل تدفع بالبعض لممارسة الجنس بمقابل.
 أما فؤاد غربال وهو مختص في علم الاجتماع فقد اعتبر أن ممارسة الجنس بمقابل هي عملية مقننة ومنظمة وتنتشر خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد على قطاع الخدمات.
تقدم الطعام وخدمات جنسية
قال محدثنا إن الدعارة أصبحت جزءا من قطاع الخدمات فهناك بعض المطاعم والنزل في العاصمة تقدم خدمات جنسية بشكل ضمني بينما هنالك فئة يدفعها الفقر للالتجاء الى استراتيجيا اقتصاد وتدبير الذات لتوفّر احتياجاتها بممارسة الجنس بمقابل.
وكشف بأن هنالك فئة أخرى تعمل خاصة في معامل النسيج لأن تلك المعامل على غرار الساحل مثلا بعض العاملات فيها حسب رأي هيأتين من المدن الداخلية للعمل ويجدن دخلهن ضعيفا فيخترن العمل الجنسي بمقابل لتوفير مستلزمات الحياة.
أما الفئة الأخيرة وفق تصريحه فهي فئة الطلبة الذين يأتون للدراسة فالبعض من الطالبات يمارسن الجنس بمقابل لأن الدولة الراعية حسب رأيه لا توفر لهن ما يكفي لاحتياجاتهن كأن تضمن للبعض منهن السكن الاجتماعي والمنحة الجامعية فيلتجئن الى ممارسة الدعارة.
التعامل بازدواجية مع الظاهرة
 واعتبر محدثنا أنالدولة تتعامل بازدواجية مع ظاهرة الدعارةفمن جهة تحاول مراقبتها عبر حملات أمنيّة ومن جهة ثانية تسكت وتلتزم الصمت لأنها تعتبر أن الدعارةجزءا من الاقتصاد التحتي الذي يشغل المقاهي والمطاعم وقطاع العقارات وبالتالي هنالك اقتصاد كامل للجنس حسب تصريحه الشيء الذي تستفيد منه عدة فئات لذلك فالدولة حسب رأيهتصمت لأنها تريد أن تتجنب عدة مشاكل بينها التشغيل وبالتالي فالجنس السري يساعد في الاستهلاك الحضري.
وتابع في نفس الإطار قائلا إن ما يعرف بـ»السياسة النيوليبرالية» التي تتوخاها الحكومة اليوم ستعمّق هذه المسألة، مضيفا أن الدولة تمارس نوعا من «عين رات واخرى ما راتش».
 واعتبر أن الحل للتصدي للدعارة هو التشغيل وحل مشكلة البطالة وتحقيق التوازن بين الفئات الإجتماعية.
 موضحا أن هنالك أسبابا اقتصادية تدفع بالبعض منهن الى ممارسة البغاء وأخريات يردن «اللقمة» السهلةفيفضلن ممارسة الدعارة على كسب الرزق بعرق الجبين مضيفا أن هنالك عائلات بأكملها تدفعها الظروف الى ممارسة الدعارة مشيرا الى ان وجود عوامل أخرى تدفع ببعض الفتيات الى ممارسة الدعارة كتعرضهن للاغتصاب في الصغر، كما يدفع التفكك الأسري ببعضهن الى ممارسة الجنس للهروب من الواقع.
معاناة وأمراض
 نظرة المجتمع للمومس نظرة قاسية جدا رغم أن تلك الفئة تعيش معاناة نفسية وماديةفهناك منهن من تتعرض الى الاعتداء بالعنف المادي من قبل حرفائهن وفق ما بينه لنا فؤاد غربال مضيفا أنه في المقابل فإن القوانين في تونس لا تحمي هؤلاء رغم وجود جمعيات حقوقية ولكنها لم تحتضن تلك الفئات من المجتمع خوفا من اتهامها من طرف حركات راديكالية على غرار الإسلام السياسي بالتستر على الجنس السري لأن تلك الحركات تطرح حلولا أخرى على غرار تعدد الزوجات والزواج العرفي وغيرها من الحلول التي تراها ناجعة وفق تصوراتها.
وعموما فان العلاقات الجنسية غير المنظمة قد تنجرّ عنهاعدة أمراض على غرار السيدا وقد بين لنا في هذا الصدد عصام القريتلي المكلف ببرنامج بالجمعيّة التونسيّة لمقاومة الأمراض المنقولة جنسيا والسيدا بتونس قائلا إن الجمعية تهتم بالحالة الصحية لمرضى فقدان المناعة المكتسبة وتقومبالتوعية والتحسيس حول الصحة الإنجابية والإحاطة النفسية لهؤلاء.
 مضيفا أن المرأة التيتمارس الدعارة ولا تحمي نفسها معرضة الى الإصابة بمرض السيدا أو غيرها من الأمراض المنقولة جنسيا على غرار الزهري، السيلان،التعفنات وعدة أمراض أخرى.
البغاء السري جريمة
مثلما يعاقب المجتمع المرأة الباغية فالقانون أيضا يعاقبها اذ يعاقب بالسجن من يمارس البغاء بعقوبة سالبة للحرية تتراوح بين 6 أشهر الى عامين سجنا وبخطية مالية من 20 الى 200 دينار على معنى الفصل 231 من المجلة الجزائية، ويعاقب الوسيط في البغاء بالسجن من سنة إلى خمس سنوات وبخطيّة مالية من 100 إلى 500 دينار
الصباح