الكاتبة الصحفية: إيمان أحمد ونوس - سوريا - " وكالة أخبار المرأة "

 ليس بخافٍ على أحد أن الحروب في أيّ زمان ومكان، بقدر ما تَهْدِمُ من بٌنىً تحتية، فإنها تُخلخل البُنى الفكرية والمنظومة القيمية في المجتمعات، وبقدر ما يبتلع رصاصها من أحياء، تكونُ مولِّدَةً لأحياءَ جُدد ينظرون إلى الواقع والحياة بمنظار مختلفٍ تماماً عمّا كان سابقاً.
وعلى اعتبار أن الرجال هم وقود الحروب دوماً، ما يجعل المجتمع يفقد الكثير منهم خلالها سواء بالمشاركة في القتال، أو الموت والاختطاف والاعتقال والهجرة... الخ، فإنَّ النساء لا شكّ سيملأن الفراغ القائم في حياة الفرد والأسرة والمجتمع، لأنها حتمية الطبيعة والحياة. وهنا تجدُ المرأة نفسها في مواجهة أعباء ينوء بها الرجال، ما يفرض عليها أن تتحمّل لا كلّ المسؤوليات المنوطة بها وحسب، بل والتفكير بشتى الاتجاهات كي تؤمّن قوت من تعولهم من أبناء وأهل وإخوة وأخوات، في ظلّ بطالة مرعبة، وغلاء مُستفحل يلتهم كل مردود مهما عَظُمْ، وفي ظلّ انعدام فرص العمل المُمكنة بحكم التّخريب والدمار الذي يطول مواقع العمل.
لذا ليس غريباً أن تجدها تُفكّر باقتحام مجالات عمل كانت إلى زمنٍ ليس بالبعيد حكراً على الرجال، خاصّةً أن هذه المهن باتت في ظلّ الحرب تفتقر لليد العاملة من الرجال والشباب، بدليل تلك الإعلانات التي تواجهنا يومياً حول طلب عمّال شباب لمهنة ما. وهنا لا شكّ أن المرأة ستحاول اقتحام هذه المهن من أجل تأمين احتياجات مسؤولياتها، منتهزة فرصة عدم وجود يد عاملة ذكورية من جهة، ولتُثبِتَ للمجتمع أنها ليست أقلُّ شأناً من الرجل في أيّ مهنة مهما كانت صعبة أو شّاقّة. والأمثلة في واقعنا اليوم كثيرة، فهناك من تركب دراجة نارية تضع عليها(بسطة) مأكولات أو أدوات مطبخ أو منظفات. وهناك أيضاً من وقفت في معامل صنع البلوك اللازم للبناء، أو حتى في ورشة بناء، أو في ورشات الحدادة وتصليح السيارات، أو حتى قيادة وسائط النقل العامة كسيارة الأجرة أو السرفيس، أو العتالة حتى وووو إلى آخر المهن التي كانت ذكورية حصراً.
ولنا في تاريخ الشعوب أمثلة عن مجتمعات نهضت بعد الحرب، والتحقت بركب الحضارة بسنوات قليلة على أكتاف النساء، كألمانيا واليابان والعديد من دول أوربا وآسيا بعد الحرب العالمية الثانية، نعم، إنهنّ النساء اللواتي أثبتن للعالم وللحياة بالفعل الحقيقي أنهن واهبات الحياة. هي إذاً ضرائب الحرب وقوانينها التي تتركنا في مواجهة واقعٍ يفرض علينا تغيير نمطية حياتنا المُعتادة، باتجاه حياة أخرى ربما تكون أفضل من حيث المنظومة الفكرية والقيمية للمجتمع بأسره.