ملهم الملائكة - " وكالة أخبار المرأة "

   ترجح بعض تفاصيل المعركة النسوية في كواليس السايبر وقوف مالكي الشركات الرقمية العملاقة الحديثة (غوغل، فيسبوك، مايكروسوفت، ياهو، بنغ) ضد المشاركة النسوية في النشاط السايبري لأسباب جندرية محضة. وأمام استماتة المرأة الغربية في المطالبة بحقها في المشاركة الفعلية في السايبر تبدو الحركات النسوية العربية جاهلة بـ”سايبر فيمنزم” ومقتصرة على الأنشطة المتعلقة بمواقع التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن هذا الموضوع ما زال متفاعلا في العالم، إلا أنه غائب عن العالم العربي بسبب ضعف الحركات النسوية فيه، وانعدام المشاركة النسوية في عالم السايبر.
إقصاء المرأة عن عالم السايبر أمر متداول إعلاميا اليوم، ورغم أنّ هذا لا يجري منهجيا، ولا توجد معطيات نهائية ملموسة تعززه، إلا أنّ الخطاب الأميركي الشائع بين الناشطات النسويات في الألفية الثالثة يؤكد ذلك.
بات الحديث عن حرية المرأة وحقها في العمل والحصول على أجرٍ مساوٍ لأجر الرجل من بديهيات المساواة التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين وصولا إلى الألفية الثالثة، ولم يعد الموضوع أسبقية تتسابق على إعلانها ومتابعتها منظمات المجتمع المدني في أنحاء العالم.
فبحث المرأة عن حريتها اليوم تغلغل في عالم الرقميات واللوغارتمات الإلكترونية، فإحصاءات المعنيات بمتابعة دور المرأة في عالم الإنتاج تؤكد تدني مستوى المشاركة النسوية في عالم برمجيات وتقنيات السايبر، وانخفاض نسبة النسوة كخبيرات في عالم السايبر إلى 7 بالمئة، وهنّ يعزين ذلك إلى توجهات مقصودة من قائدات العالم الرقمي الحديث، فالحركة النسوية اليسارية تشنّ حربا ضروسا على ماريساماير المديرة التنفيذية لشركة ياهو، وتتهمها بتعمد إقصاء النساء في مفاصل المشروع العملاق، علما أن ياهو قد بيعت واشترى أصولها كارتل فيرزيون.
في هذا الاتجاه أعادت صحيفة الغارديان البريطانية التأكيد على أنّ مؤسسات وادي السليكون والهاي تيك والسايبر عبر العالم تمارس سياسة التمييز والتفرقة بشأن تشغيل النساء، متّهمة على وجه الخصوص شركات تويتر وفيسبوك ومايكروسوفت بتشغيل الرجال بنسب أكبر وخاصة في المواقع القيادية، بشكل مقصود.
لكن اللافت للنظر أنّ دعاوى عدة رفعت على شركة ياهو بالخصوص وآخرها في الأول من فبراير عام 2015 قدمت إلى محكمة المقاطعات الأميركية متهمة الشركة "بممارسة إقصاء متعمد على أساس الجنس في التوظيف والتشغيل ضد الذكور"!، وورد اسم جورج أندرسون أحد رؤساء تحرير صفحة ياهو بتعمد تفضيل الإناث في التعيين وإقصاء الرجال حتى إذا قدموا مهارات متفوّقة.
وعلى كل حال فقد طُرد أندرسون من وظيفته نهاية عام 2014، وربما قلّل ذلك من الاتهامات الموجهة للشركة بتفضيل النساء في التعيين!
التناقض المثير للانتباه والدهشة، أنّ الناشطات النسويات اليساريات خاصة حانقات على شيرلي ساندبيرغ المديرة العاملة لشركة فيسبوك، وعلى ماريساماير المديرة التنفيذية لشركة ياهو باعتبار أنّ نسبة تشغيل النساء في المؤسستين لا تتجاوز 47 بالمئة! ولا أحد يستطيع الجزم هنا حول سبب حنق الناشطات النسويات في هذا الاتجاه إذا كان هذا الرقم صحيحا.
الكلام عن التفرقة في تعيين النساء وتفضيل الرجال عليهن يدور في حلقات الناشطات النسويات، ويعزوه كثيرون إلى التنافس الشخصي بين الناشطات وليس إلى حقائق الأرض، فالمؤسسات الكبرى اليوم لا تبدو مهتمة قطّ بكون المتقدم للعمل امرأة أو رجلا، لكن قوانين حماية تشغيل المرأة هي التي خلقت صعوبات جمة في تشغيلهن.
فالمرأة تأخذ إجازة أثناء الحمل إذا أيّد الطبيب ضعف ظهرها وحاجتها إلى الرقاد، ثم تنال إجازة ولادة وأمومة مدفوعة الأجر لمدة تصل إلى سنة، ومدفوعة نصف الأجر لمدة تصل إلى سنتين، وهذا سبب لتردد أيّ شركة أو مؤسسة في تشغيل النساء.
ألمانيا وجدت حلا توفيقيا بهذا الاتجاه، فباتت تدفع أجرا لإجازة أبوّة للرجال، وبهذا سيتحتم على الشركات والمؤسسات أن تواجه قضية الأمومة والأبوة بالنسبة إلى الحقوق بنفس القدر (مع فارق أنّ الرجل لا يستحق إجازة ولادة وحمل!).
تاريخ هذا الربط بين تشغيل النساء وبين نشاط مؤسسات العالم الرقمي يرتبط بانطلاق الحركة النسوية السايبرية، ومؤتمرها الدولي الأول في كاسل بألمانيا عام 1997. وهناك دار النقاش بشكل مستمر حول التسميات والتعاريف، وتركز أغلبه حول ضرورة طرح تعريف النشاط النسوي السايبري في عالم التداول.
المجتمعون سعوا لاستثمار فرصة انعقاد التجمع لمناقشة قضية وصفوها بأنها تخضع لتناقضات عصرية تتعلق بمقاربة موضوع النشاط النسوي أون لاين، ما يؤكد -حسب وجهة نظرهم- ضرورة خلق سياسة نسوية سايبرية يجب تطبيقها على النات.
لكن بحلول الألفية الثالثة وما رافقها من انفجار معرفي في عالم السايبر وتناقل المعلومات والتواصل الاجتماعي المتسارع وأشكاله اللامتناهية، لم يعد أحد ينظر بجدية إلى قضية سياسة نسوية سايبرية.
الأسئلة التي تدور اليوم في عالم السايبر باعثها مواقف فردية من مارك زوكربيرغ وباقي عمالقة السياسة السايبرية الرقمية. فهل يقف مالكو الشركات الرقمية العملاقة الحديثة (غوغل، فيسبوك، مايكروسوفت، ياهو، بنغ) فعلا ضد المشاركة النسوية في النشاط السايبري لأسباب جندرية محضة؟ لا سبيل إلى إجابة لهذا السؤال بشكل قطعي، لأنّ معطيات التوظيف والنسب المتعلقة بها سرية ولا يستطيع أحد الوصول إليها.
لاوري بيني الناشطة الأميركية الشابة كتبت عما أسمته بـ"سايبرسكسيزم" في كتابها الوردي الموسوم"أشياء مسكوت عنها" واسع الانتشار في الولايات المتحدة الأميركية وإلى حدّ ما في أوروبا، أحد أهم الأشياء التي ينبغي فهمها عن سايبرسكسيزم أنها تنبع من مكان الألم، ومن مكان الخوف والأذى لتترجم إلى عدم فهم عنيف يتخذ شكلا شخصيا إلى حدّ كبير.
 وبالطبع، فليس من مسؤولية المضطَهدين -بفتح الطاء- أن يبعثوا الراحة في نفوس مضطهديهم -بكسر الطاء-. لكن التفهم العاطفي هنا أداة مهمة لفهم الوضع وطرحه على الملأ".
لكن هذا الكلام إذا وضع تحت منظار النقد والتقييم يفتقد إلى معطيات، ويمكن اعتباره مجرّد هواجس عاطفية غير ناضجة وغير مبنية على وقائع. وتوجز الناشطة الأميركية الشابة خلاصة رؤيتها بهذا الخصوص بالقول "جزء من المشكلة قائم على هاجس أنّ البنات أقل ذكاء من الأولاد، ولم يعد لائقا إعلان ذلك بصوت عالٍ منذ عقود، لكنّه محسوس ضمنا في التبريرات (التي تقدّمها الشركات والمؤسسات) لشرح سبب انخفاض نسبة النساء في ميادين هاي تك (سايبر) والسياسة والبزنس، وفي المستويات العليا من الإعداد الأكاديمي".
وبعد أن تشرح رؤى يغلب عليها الإحساس والعاطفة تخلص لاوري بيني إلى القول إنّ الرجال يريدون تعميم اعتقاد طالما كان سائدا عبر القرون ومفاده أنّ "النساء لا يصلن إلى مواقع القمة لأنهنّ ببساطة غير مؤهلات ولا يملكن ما يكفي من الذكاء والالتزام للوصول إليها".
لكن هذا الجدل الذي يبدو مترفا، وجد له ما يصدقه على الأرض، فقد تشكّل منذ نحو عقد "حزب القراصنة" الداعي إلى حرية الرأي في العالم الرقمي، والداعي إلى قبول سياسات الشباب والناشطين في العالم الرقمي كجزء من عالم السياسة. فأغلب الناشطات النسويات السيبريات عبر العالم انخرطن للعمل في صفوف هذا الحزب.
الحزب الذي وصفه البعض في البداية (2006) بأنه “فقاعة إلكترونية شبابية مثل ألعاب الأتاري في القرن الماضي”، بات اليوم ممثلا في البرلمان الأوروبي، وفي برلمانات السويد وألمانيا والنمسا وأيسلندا والتشيك ولوكسمبورغ.
وكثير من الناخبين الأوروبيين يدلون بأصواتهم بجدّ لصالحه، لكن هل يدعم هذا الحضور السياسي القوي قضية النساء السايبريات؟ وهذا سؤال لا يزال رهينا بالتطورات. فهل توجد مشكلة تشغيل سايبري للنسوة في العالم العربي؟
بعيدا عن عالم النساء السايبريات، لا يزال الحديث في العالم العربي يجري حول نشاط المرأة في استخدام الإنترنت وحضورها على شبكات التواصل الاجتماعي، ولم يدخل بعد حيّز الجدل في أروقة العمل والتشغيل والمساواة في فرص العمل.
وأشار موقع "أراب ومين أند بزنس" المعني بمتابعة عمالة المرأة ونشاطها في عالم النات إلى أنّ دراسة حديثة قد كشفت تمتّع المرأة العربية بمهارة عالية في استخدام الإنترنت، حيث أن 71 بالمئة من النساء اللواتي شملهن الاستطلاع منتسبات إلى إحدى الشبكات الاجتماعية على الإنترنت، وتتواصل 66 بالمئة منهن يوميا مع أصدقائهن من خلاله.
بينما تمتلك 83 بالمئة منهن خدمة إنترنت في منازلهن، وتقضي 34 بالمئة منهن ما لا يقل عن 10 ساعات أسبوعيا في استخدام شبكة الإنترنت، بينما تقوم 45 بالمئة منهن بقراءة المقالات والمجلات الرقمية. لكن النشاط العملي لسيّدات الأعمال العربيات والمعنيات بقضايا السايبر خصوصا يكاد يقتصر على بضعة أسماء منها: زويا صقر، وهي إعلامية لبنانية، أطلقت موقع "نواعم" الذي حظي بشعبية كبيرة. ثم افتتحت موقعين آخرين.
وتكرارا لتجربتها الإعلامية الناجحة أطلقت oln.tv، وهو قناة تلفزيونية عبر الإنترنت تعرض باللغة العربية فيديوهات حصرية لمواضيع تبدأ من الأزياء، مرورا باللياقة ووصولا إلى السيارات.
كذلك نجد جمانة حداد وهي مسؤولة عن الصفحة الثقافية في جريدة النهار اللبنانية، وأستاذة في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة ومؤسسة مجلة “جسد” المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه.
إضافة إلى تالا السمّان، وقد عرفت في بريطانيا بكونها رئيسة تحرير myfashdiary.com، وما لبثت أن نالت اهتمام وسائل الإعلام الدولية حين شرعت في المساهمة بالتحرير والكتابة في صحيفة الغارديان، وهوفينغتون بوست.