نهاد الحديثي - بغداد - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

فازت الناشطة العراقية ينار محمد٬ ٬ بجائزة "رافتو" النرويجية لعام ٬2016 والتي تبلغ قيمتها 20 الف دولار امريكي٬ وذلك عن دورها في "العمل لصالح المرأة والأقليات في العراق الذي مزقته الحرب، وتبلغ قيمة الجائزة 20 ألف دولار، علما ان مؤسسة رافتو تأسست عام 1986 تخليدا لذكر الأكاديمي والناشط في مجال حقوق الانسان، النرويجي ثورولف رافتو، وتديرها مؤسسة رافتو. والجدير بالذكر أن تلك الجائزة فاز بها أربعة أشخاص فازوا بجائزة نوبل للسلام لاحقا، ومن بينهم الناشطة الحقوقية الإيرانية شيرين عبادي
هي امراة عراقية وناشطة في مجال حقوق الانسان استلمت جائزة علمية لحقوق الانسان في اكتوبر 2008 عن عملها داخل العراق في الدفاع عن النساء ضد كافة اشكال العنف. اختارت مؤسسة كروبر ثلاثة نساء من مناطق النزاعات المسلحة في العالم لكي تسلمهن جائزة كروبر 2008 لحقوق المرأة تقديراً لعملهن تجاه تحقيق المساواة بين الجنسين، وتشمل هذه الجائزة جانباً مادياً يقتسم ما بين الناشطات الى جانب تقديم وسام ذهبي محفور عليه اسم كل ناشطة. ويتم تقديم هذه الاوسمة في احتفال كبير في مدينة نيويورك في خريف 2008 ويناير محمد هي رئيسة منظمة حقوق الانسان النسوية في العراق نار محمد، وُلدت في بغداد وتخرجت عام 1984 حاملة شهادة بكالوريوس الهندسة، كما حصلت على درجة الماجستير من جامعة بغداد عام 1993. وقررت عائلتها الهجرة إلى كندا عام 1993. بعد عودتها إلى العراق، أسست ينار منظمة حرية المرأة في العراق عام 2003، ونتيجة لجهودها حصلت على جائزة مؤسسة غروبر للدفاع عن حقوق المرأة عام 2008. ، تأسست منظمة "حرية المرأة في العراق" في حزيران- يونيو 2003، مما يجعلها من أوائل المنظمات النسوية التي ظهرت بعد التحولات العنيفة التي شهدها العراق ذلك العام. ولعل ما يميز هذه المنظمة عن المنظمات النسوية الأخرى، التي ظهرت في الوقت نفسه، هو موقفها المعلن والواضح ضد الوجود العسكري الأمريكي في البلاد، والذي لا تزال ينار محمد تصر على اعتباره "احتلالاً"، ورفضها التعاون مع السلطات الأمريكية، أو تلقي الدعم منها. لكن ينار محمد تقول إن لدى المنظمة علاقات جيدة بمنظمات أمريكية تصفها بـ "التقدمية".
كان أبرز عمل قامت به المنظمة، وجعلها متميزة عن غيرها، من حيث جرأتها وكسرها الخطوط الحمراء، هو مراكز الإيواء التي فتحتها المنظمة لحماية النساء المهددات بالقتل غسلاً للعار من قبل ذويهن. تقول ينار: "بعد وقت قصير من تأسيس منظمتنا حصلنا على مقر جيد وهو بناية في شارع أبو نؤاس تطل على نهر دجلة. ولأن حماية النساء المهددات بالقتل كان من أولوياتنا، فقد خصصنا جزءاً من المبنى ليكون مركزاً لإيواء هؤلاء النسوة. لكننا فوجئنا بردود الفعل العدائية تجاه هذه الخطوة من قبل أطراف كثيرة، حتى بدأنا نشعر بالخطر الفعلي علينا، فاضطررنا إلى تغيير طريقة الإيواء." لم تتوقف المنظمة عن توفير المأوى الآمن للنساء المهددات، وهي تقدمه الآن بطريقة مبتكرة. تتفق المنظمة مع عدد من العوائل العراقية التي تشترك معها في الأفكار، ويتم إسكان النساء المهددات بشكل سري لدى هذه العوائل، وتغطي المنظمة النفقات الإضافية التي تتحملها العائلة في هذه الحالة. لكن المنظمة لا تكتفي بالإيواء، بل تمارس أحياناً أساليب للتوسط بين المرأة وأسرتها، وتحاول إقناع رجال الأسرة بحلول بديلة، كالسماح للفتاة المتهمة بعلاقة مع رجل ما، بالزواج منه، بدلاً من معاقبتها بالقتل، وتبدي ينار شعوراً واضحاً بالسعادة والفخر لنجاحها في عدد، ولو محدود، من الحالات في هذه الوساطة. العمل الآخر الذي أنجزته "منظمة حرية المرأة في العراق" هو التقرير المثير للجدل حول البغاء في العراق، وتجارة الرقيق الأبيض العابرة للحدود. وإذا كان هذا التقرير من الإنجازات التي تفخر بها المنظمة، فإنه أيضاً كان العمل الذي جعل ناشطات المنظمة يعشن أياماً من الرعب والخوف بسبب ما جلبه التقرير من اهتمام إعلامي سلبي، لم يخل من تحريض ضد الناشطات. كيف استطاعت ناشطات المنظمة جمع المعلومات حول البغاء وتجارة الجنس في العراق؟ توضح ينار محمد: "كان من ضمن مجال نشاطنا متابعة أوضاع النساء في السجون العراقية. وكان من بينهن نساء، وفتيات قاصرات اعتقلن بتهمة البغاء. وقد استطعنا التأثير على بعضهن، وعرضنا عليهن العمل مع المنظمة بعد خروجهن من السجن. وبالفعل انضمت بعض تلك الفتيات المفرج عنهن إلى شبكة ناشطاتنا، واستخدمن خبراتهن السابقة في جمع المعلومات حول شبكات الاتجار بالنساء، وحصلنا عبرهن على معلومات قيمة.
" تقول ينار محمد: إن الحرب والاحتلال لم يحلّا على مجتمع كان يعيش أوضاعه الطبيعية، بل على مجتمع كان يترنّح محاولاً الاستفاقة من ضربات طالته خلال عقد وأكثر من الحصار الاقتصادي، والتي تمت بموافقة مؤسسات المجتمع الدولي وعلى رأسها الأمم المتحدة عندما قررت أن تعاقب مجتمعاً بأكمله بسبب قرار اتّخذه دكتاتور كان يستبد بذلك المجتمع، إن فترة الحصار الاقتصادي نقلت أكثرية الجماهير في العراق من أوضاع مجتمع مرفّه إقتصادياً إلى مصاف المجتمعات المعدمة التي منع عليها الطعام والشراب والدواء وبقرار سياسي دولي. ولم تكن أرقام الأطفال العراقيين الذين فقدوا حياتهم بسبب هذه الاجراءات –مايقارب النصف مليون- كافية لمراجعة المجتمع الدولي لقرار كان بمثابة مجزرة جماعية يومية لمئات من الأطفال الأبرياء. كان المجتمع العراقي آنذاك بمثابة الضحية التي ظلت تتلقى الضربات من مجتمع دولي عمل كأداةً طيعة للسياسات الإجرامية للماكنة البرجوازية الأمريكية التي لم يهمها آنذاك إحصاء عدد قتلى الحصار الإقتصادي، قدر ما كان يهمها أن توفر الأجواء المناسبة لشن حرب على العراق لكي تحصل على أكبر قاعدة عسكرية لها في قلب الشرق الاوسط، وتسيطر على واحدة من أهم منابع النفط في العالم. وكانت لهذا الحصار نتائج مدمرة ومتنوعة يصعب حصرها في نقاط قليلة، بيد أن بعضها كان عزل العراق عن العالم الخارجي والتسبب بنشر الأمية والحرمان وبالنتيجة دفع المجتمع إلى مواقع متخلفة؛ وفي نفس الوقت إفقاره إلى مديات لم يعرفها في تاريخه الحديث، بحيث أصبحت اللقمة والغذاء الجيد حلماً لمعظم العوائل العراقية، والأمراض يصعب علاجها بسبب عدم توفر الأدوية التي منعها الحصار الإقتصادي من الإستيراد تحت مبرر أنه يمكن استعمالها في صناعة الأسلحة الجرثومية المبيدة. وبسبب الحصار الاقتصادي الذي منع تصدير النفط والمنتجات الأخرى، تدهور الإقتصاد العراقي إلى درجة غير مسبوقة في تاريخه، بحيث انخفضت قيمة الدينار العراقي إلى ٠،٠٠٣ بالمئة من قيمته قبل عقد وأكثر من الزمن. وبذلك تدهور مستوى معيشة العائلة العراقية بنفس القدر ولم يكن ممكناً لمائدة الأسرة العراقية أن تقدم ربع احتياجات أفرادها من الغذاء، ولذا تكاثرت بعض الامراض التي كانت منسية لما يقارب من النصف قرن من التاريخ الحديث. وكان من الشائع منذ الثمانينيات أن المرأة العراقية تشكل ما يقارب من ٤٠ بالمئة من عاملي القطاع العام- أي من الوظائف الحكومية، إذ كان يتم توزيعنا أو بالأحرى تعييننا على الوزارات مباشرة مع تخرجنا من الجامعات. وكانت المرأة العراقية تتميز عن أقرانها من البلدان العربية في الشرق الأوسط بأنها الاكثر ثقافة وحصولاً على مستويات عالية من الدراسة. كما وكان معروفاً بأن في العراق النسبة الأعلى من النساء العاملات/ أي المستقلات اقتصادياً، مما جلب ومنذ الخمسينيات من القرن الماضي قوة واقتداراً للمرأة العراقية بما لم يكن له مثيل في جغرافيا وتاريخ المنطقة. بيد أن قرار الحصار الإقتصادي الإجرامي، قد اقتص من معظم انجازات المرأة العراقية، وضرب استقلالها الاقتصادي عرض الحائط، بل وجعلها حائرة بكيفية إطعام اطفالها ومعالجتهم من أمراض أتى بها الحصار، وترك نصف مليون امرأة منهارة بسبب فقدانها لوليد أو طفل لم يستطع تجاوز مصاعب عدم وجود الغذاء والأدوية والتي منعها المجتمع الدولي عنهم. قد لا يستطيع البعض ممن لم يزامن تلك الفترة أن يصدق بأن الأمم المتحدة تمنع الحليب عن الأطفال، أو الأدوية التي تمنع أمراض الأطفال الرضع، بالإضافة إلى كثير من مقومات الحياة التي لا يفكر بها الإنسان الذي يعيش في المجتمعات العصرية الحالية، إلا أن جيلنا الذي عانى من الآثار المدمرة للحصار قد شهد هذه الجريمة وعانى أطفالنا منها. وهكذا وبعد حرب الاحتلال والتي سموها حرب التحرير للرجال والنساء، فقدت المرأة العراقية وبحكم الدستور الجديد أية استقلالية كأنسانة يدافع المجتمع عن كرامتها وحريتها بل وحتى سلامتها الجسدية. إذ تشجع المؤسسات الدينية الرجال من على منابرها بأن يتحكموا بنسائهم بالنهر والزجر والضرب والهجر وكأن النساء مصدر مستمر للرذيلة يجب حفظة داخل أحجبة وسجون منزلية تمنع شرورهم عن المجتمع. وتظافرت المؤسسة القضائية بتشريع كل ما بإمكانه إضعاف المرأة اقتصادياً واجتماعياً وإدارياً. إذ كانت هنالك بعض المسَلمات في العهود السابقة من مثيل تحكم المرأة بهويتها أو سفرها أو أملاكها كما تشاء، بينما تتدخل الآن مؤسسات الدولة لكي تطلب مستمسكات أو موافقة الزوج أو الأب أو حضورهما في معظم معاملات الهوية أو السفر أو نقل الملكية. كما ويتحفنا الإعلام الرسمي – فضائية العراقية - بخطب لمعممين يشرحون سبب زواج القاصر لكون مواصفاتها الجسدية مكتملة النمو، أو السخرية من"مضايقة" الزوجة الأولى في حال تزوج زوجها من الثانية، مما يوضح أن نظرتهم للمرأة أصبحت كمخلوق تابع للمجتمع الذكوري وقائمة على تلبية الحاجات الجنسية والخدمة وتربية الأطفال وفقط ولا غير. ولا ترقى المؤسسات الإعلامية النصف علمانية إلى مستوى أرقى بكثير؛ إذ أصبح مشهد الضرب العنيف للمرأة بضاعةً لترويج المسلسلات في رمضان وغير رمضان. والكل يعلم أن الدولة بامكانها منع هذه المسألة أو تحديدها إن أرادت. وتضيف كانت الايام المعدودة التي شعرنا بها بقيمتنا كنساء أثناء تظاهرنا في ساحة التحرير في بغداد خلال شباط وآذار ٢٠١١. وبالذات عندما أصبحت النساء هن اللواتي يمثلن الكتل الموجودة في الساحة وتؤخذ تصريحاتهن بجدية وتعرض على شاشات الفضائيات. ولم ينس الأمريكان ومؤسساتهم الإعلامية الموجودة في العراق أن يقوموا بالتعمية على السنة الكاملة من التظاهرات من قبيل اليوم المجيد ٢٥ شباط وبعده لأشهر عديدة- إذ تجمع خلال ذلك اليوم مئة ألف متظاهر بالرغم من كل تحذيرات الطبقة الحاكمة وكذلك فتاوى من يسمون أنفسهم بالمرجعيات. كما وأن الإعلام الغربي من قبيل السي إن إن لم يكترث بأن يغطي هذا الخبر إذ فكر الامريكان بأن صور هذه التظاهرات لن تخدمهم أمام المجتمع الدولي والذين يدعون أمامه بأن العراق تحرر وحلت فيه ديمقراطية تجري من تحتها الانهار. وتشير ولعل أقسى إرهاب شهده المجتمع خلال فترة الاحتلال كان هجوم الميليشيات الشيعية الحاكمة ولفترة تجاوزت السنتين على المناطق  المعروفة بكونها سنية الطائفة، واعتقالها للشباب وقتلهم بعد ترك آثار الحفر بالدريل الكهربائي عليهم. وفي كثير من المناطق كانت تتبع حملات كهذه اعتداءات جنسية ضد النساء اللواتي بقين وحيدات في المنطقة بسبب اعتقال أو قتل الأب أو الأخ. وهذه بحد ذاتها كانت سابقة قي المجتمع العراقي لم تعرفها الذكرة الحية أو تذكر كتب التاريخ أي مثيل لها منذ بدء الكتابة. وظلت مئات الآلاف من حالات التعدي الحاصلة تحت عيون جيش الاحتلال وبتشجيع منه في طي الكتمان، ولم تسمح هذه السنوات بالكشف عنها بسبب كون الدماء الجارية لا زالت حارة، وبسبب احتمال تكرار نشوب الحرب الطائفية احتمال قائم. وبعد أن قامت العملية السياسية بمكافأة قادة الميليشيات من الصوبين الشيعي والسني والتجمعات القومية والإثنية والدينية الأخرى، انتقل الصراع إلى داخل البرلمان ولكن ليس لفترة طويلة. إذ أن هذه الميليشيات أدركت بأن ثقلها السياسي الوحيد ناتج من قدرتها على البطش والإرهاب. واستمرت التفجيرات في كل مفصل سياسي تختلف فيه كتلة مع أخرى، مما أنتج لنا الاربعاء الدامية في البداية، ولكن لم يقتصر الموضوع على يوم الأربعاء فقط بل امتد ليشمل كل أيام الأسبوع التي شهرت حوادث دامية وبشكل مريع. ويستمر مسلسل العنف إلى هذه الاشهر دون توقف، حيث قتل أكثر من مئة مواطن عراقي في التفجيرات خلال يوم واحد، ولم يعتبر اكثر من خبر عادي تبثه أجهزة الإعلام. وبنفس المنوال انتشر العنف الحكومي والميليشياتي ليصبح أيضاً جزءاً من المشهد المجتمعي بل وحتى المنزلي، حيث أصبح ضرب النساء داخل البيوت ممارسة معتادة تشجعها عقلية الطبقة السائدة سواء من خلال المنابر الدينية أو الأجهزة الإعلامية المغرقة في الذكورية. ونواجه في منظمة حرية المرأة نداءات استغاثة من مئات النساء سنوياً ممن يعانين من عنف مفرط تصعب معه حياتهن. تتصل بعضهن عبر الإنترنت، ولا يقتصر ذلك على شريحة معينة، ولكن يزيد في العوائل التي لديها أبناء تحولوا إلى مسؤولين وبعد أن كانوا في تنظيمات الميليشيات. تحصل هذه الاعتداءات يومياً دون أن يخاطبها القضاء أو مؤسسات الأمن والشرطة أو المؤسسة التشريعية. بل أن مؤسسة الشرطة المجتمعية التي أسسوها لهذا الغرض كانت منشغلة بأخذ صور للمتظاهرات في ساحة التحرير لغرض إيصالها الى الاستخبارات التي تخطف المتظاهرات وتعذبهن، كما حصل لناشطة منظمتنا آية اللامي في أيلول الماضي. كما أن كافة مقرات الشرطة في بغداد وصلتها صورنا وكانت جاهزة في انتظارنا أثناء مراجعتنا لقضايا عنف تخص النساء في الأشهر اللاحقة. كما وأن مساعي أسلمة المجتمع بدأت تشجع ظاهرة الزوجة الثانية والثالثة والرابعة وكذلك زواجات المتعة اللامحدودة للذكور والتي حولت شريحة كبيرة من يتيمات وأرامل العراق إلى محظيات لأبطال السلب والنهب ومجازر الحرب الطائفية. كما وظهرت ظاهرة جديدة لم تكن مألوفة في العقود الاخيرة؛ ألا وهي تزويج الأحداث بل والأطفال الإناث دون الاهتمام بقانون الحد الأدنى لزواج الانثى دون موافقة ولي أمرها، والذي كان عمر الثامنة عشرة للأنثى. ولعل ذلك انتشر أكثر بعد تاسيس المحاكم الشرعية الإسلامية في مدينة الصدر والمدن الجنوبية، حيث حلت هذه المحاكم محل محاكم الدولة وحلت الشريعة محل قانون الأحوال الشخصية لعام ١٩٥٩. وزاد الطين بلة كون الدستور الجديد الذي تم فرضه على المجتمع عام ٢٠٠٥ فسح المجال لمحاكم الشريعة بأن تضطهد النساء كيفما تشاء، تحت فقرة ٤١ التي نصت على أن "العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم ..." وكأن بنت عمرها ١٢ سنة تستطيع أن تختار قانوناً يصون ويحمي طفولتها بالضد من ذكور العائلة الذين قرروا تزويجها سواء الأب أو الأخ أو العم. تسببت أوضاع الفوضى والعنف الميليشياتي والأسلمة المفروضة وتعملق المؤسسات الاسلامية وأحزابها وجيوشها غير النظامية باستحداث مجتمع أشبه بالقرون المظلمة التي حلت في اوروبا حيث كانت الكنيسة تحكم بكل ظلم، وحيث لم تكن لحياة الانسان وحقوقه أية أهمية أمام هيمنة الكنيسة ومحاكم التفتيش. وفرضت استقطاباً طائفياً كذلك على مجتمع لم يكن يعترف بهذه المسألة كتفرقة بين البشر. وبنفس طريقة محاكم التفتيش العائدة للقرون المظلمة، بدأ التابعون لطوائف أخرى يتم قتلهم بطرق بشعة وظهرت جيوش دينية من قبيل جيش المهدي وعصائب الحق وغيرها من الذين أصبح الدريل الكهربائي والبلوك الكونكريتي إحدى وسائلهم المفضلة في القتل. وكما كانت المرأة في القرون المظلمة واحدة من إثنتين: إما وسيلة للإنجاب مما يجعلها سجينة الدار وخدمة الرجل وملكيته ومنجبة لأولاد يساعدونه في عمله، أو أن تكون وسيلة لمتعة الرجل وتصبح بذلك بغية يستعملها الرجال كما يشاؤون ويمتلكونها وقتياً بمبلغ من المال ويتصرفون بها كما يشاؤون إذ لن يطالب بها وبسلامتها أي أحد. وفي الحالتين، فان المرأة كانت تعتبر مجرد وسيلة للحصول على الأطفال والخدمة او المتعة، ويمكن تغييرها أو استبدالها أو حتى التخلص منها في حال عدم أدائها الغرض المطلوب منها. وبنفس المنوال أصبحت المرأة  العراقية في ظل المؤسسة الاسلامية والديمقراطية الامريكية الموهومة، إما واحدة من الزوجات الأربع للرجل، أو بغية يتم استغلالها لمتعة البرجوازية دون أن يكون لها أية حقوق حتى بضمان حياتها. وظلت شريحة كبيرة من الأرامل وغير المتزوجات يعانين من فقر مدقع لقلة توفر فرص العمل، أو لمصدر العيش، وذلك في واحدة من أغنى الدول ذات أعلى احتياطي نفطي في العالم. إن إبقاء الاكثرية مستضعفة ومحرومة اقتصادياً لم يكن سهلاً لولا إطلاق يد المستغلين والمحتكرين لتغيير السياسات الاقتصادية للعراق لتكريس رأسمالية تقوم على أساس اللامساواة والحرمان الاقتصادي للاأكثرية السائدة. وبالرغم من أن ذلك يشمل المجتمع برجاله ونسائه، بيد أن معاناة النساء مضاعفة عن الرجال بسبب تكريس قوانين المؤسسات الدينية التي تشجع على استعباد النساء والتحديد من استقلالهن الاقتصادي، وتجعلهن كذلك محل شك من ناحية سلوكهن ومظهرهن الاجتماعي. إذ كلفت حكومة المالكي وزيرة المرأة بأن تسن قرارات تمنع الملبس العصري للمرأة وتفرض الخرق البالية والتاريخية عليها. بل وحتى تدخلت بنوع الحذاء الذي يجب على النساء ارتداؤه. كما يتدخلون في هذه الايام بفرض طقوس الصيام والسير للمراقد في كل شهر وصرف الملايين من الدولارات من ميزانية الدولة على إطعام السائرين ودون أن يأخذوا رأي الجماهير بذلك. وتشير يناير أما عن موضوع الاتّجار بالنساء فلقد كانت منظمة حرية المرأة سباقة في اثارة هذا الموضوع ولوضع البرامج لتوفير الفرصة لبعض الفتيات اللواتي يردن بناء حياتهن من جديد بعيداً عن البغاء. وأبلغنا المجتمع بواجبه للتصدي لهذا الوباء الذي يجب أن لا يحل في دولة غنية كالعراق. وكانت النتيجة أن الدولة شنت حملة بالضد من منظمتنا على شاشات الإعلام الرسمي، فضائية العراقية، واسمتنا بـ "... اولئك الذي يحقّرون المرأة العراقية". إذ شعر قادة العهد البرجوازي الإسلامي الأمريكي في العراق بأن حملتنا لمحاربة البغاء والاتجار بالمرأة كونها تهز ركناً من أركان عروشهم التي تقوم على أساس المتعة واستغلال النساء كمحظيات يستبدلونهن في كل ليلة بينما يحتفظون في بيوتهم بالزوجة الأولى والثانية أو أكثر. ولم تجرؤ باقي المنظمات النسوية علي الانضمام إلى حملتنا في البداية وخاصة بعد أن شهدوا عدوانية الدولة معنا، إذ عرضوا وجه ناشطتنا النسوية دلال الربيعي محاطة بدائرة سوداء وكأنهم يعرضون وجه إرهابي. ولكن غيرت المنظمات النسوية سياستها لاحقاً وبدأت تتجه بنظرها الى هذه المعضلة وتعترف بها يوماً بعد يوم. ولقد شهدنا في تلك الأيام العصيبة والتي حاربتنا الدولة فيها بأن الناشطات النسوية نوعان: أما ناشطة مناضلة تضع نصاب عينيها أنها ستواجه الدولة بمؤسساتها من أجل إنقاذ المرأة، أو ناشطة حكومية تفضل أن تدافع عن حق الدولة بالاحترام حتى ولو كان ذلك على حساب حياة وكرامة المرأة، وبالنتيجة تقوم هذه الناشطة بممارسة العنف ضد المرأة ومنظمات المرأة عندما تتهمنا بالكذب والمبالغة وكافة الاتهامات الاخرى. وحدث ذلك من قبل برلمانيات وكذلك نساء موظفات في المكاتب المحلية لمؤسسات الامم المتحدة. بعد نضال سنوات عديدة في موضوعة الدفاع عن المرأة المتاجر بها، اضطرت الدولة أن تلتفت إلى هذا الموضوع وأن تقوم بالتوقيع على قانون (مكافحة الاتجار بالبشر) رقم ٢٨ لسنة ٢٠١٢، الذي جرم بموجبه – لأول مرة في العراق – فعل الاتجار بالبشر ، فكان خطوة هامة في طريق المساهمة في الجهود الدولية للوقوف بوجه هذه الظاهرة الخطيرة، بالرغم من وجود بعض النقوصات في هذا القانون من قبيل إيقاع العقوبات بمجرمي الاتجار.وتؤكد ان الدستور برمته إشكالية أمام الحقوق الاجتماعية للمرأة اذ يسعى لجعل المرأة شخصاً تابعاً للرجل في كل جوانب الحياة. وعلى العموم يقوم بذلك من خلال تسليط الشرائع الدينية بالضد من القوانين المدنية المعمول بها سابقاً في العراق من قبيل قانون الاحوال الشخصية. وتمت كتابة الفقرة ٤١ في  الدستورلتكريس تبعية المرأة للرجل حسبما قررته الاديان. وقد كتبت هذه الفقرة بعبارات منمقة يحاولون بها إظهار حرية المواطنات باختيار مراجعهم في الأحوال الشخصية، إلا أن هذه الفقرة في حقيقتها أضفت الشرعية الكاملة على محاكم الشريعة الإسلامية التي بدأت ومنذ ذلك اليوم تتحكم بحياة الملايين في وسط وجنوب العراق وبشكل يتعامل مع المرأة بنفس مفاهيم القرون المظلمة التي تتعامل مع النساء كمجرد أوعية مملوكة لإنتاج الاطفال، أو أدوات لضمان متعة الرجال شرعياً مع الزوجة الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وزوجات وقتية إضافية في بعض الطوائف. بحيث كلما كبرت المرأة قليلاً بالعمر يتم استبدالها بأخرى أصغر منها، وكأنها بضاعة مستهلكة. وذلك يعكس نظرتهم للمرأة بمثابة مادة أو شيء يتم اقتناؤه واستعماله مثل أية بضاعة استهلاكية أو أثاث منزلي. ولقد حرصت دولة ما بعد الاحتلال أن تقتص حتى من المنجزات الضئيلة للمرأة العراقية في تاريخها الحديث. إن فرض محاكم الشريعة الاسلامية وكذلك الأعراف العشائرية المعادية للمرأة هي الاخرى مثال صارخ لذلك ولكن ليس الوحيد. إذ أن حق المرأة بالسفر أيضاً تم تحديده بابتداع قوانين جديدة، كان أولها سفرها مع محرم، وعندما ثارت نساء العراق على هذا القانون، تم تثبيت إجراءات للحد من حرية المرأة بالتحرك بحيث لا يتم استخراج جوازات السفر دون موافقة الأب او الزوج، حتى لو كانت المرأة طبيبة او وزيرة او قائدة مجتمع. كما وبدأ الزحف والاقتصاص من حق المرأة بالملكية وتم تثبيت حقها بالميراث بنصف ما هو للذكر، بل وحتى لا يمكن للمرأة أن يكون لديها بطاقة تموينية (إحدى بقايا إجراءات فترة الحصار الاقتصادي) إلا اعتماداً على بطاقة أخيها أو أبيها. وبذلك قاموا بالحد من أي حرية تصرف للمرأة دون علم وموافقة ذكور عائلتها. ومختصر تعامل الدولة العراقية الحالية مع المرأة هو تشريع قوانين تبعية المرأة للرجل ومنع حقوق المواطنة الكاملة منها، بينما تطلب منها كل الواجبات التي تطلبها من الرجال. وأصبح التمييز ضد المرأة او بالاحرى تحقيرها سمة لديمقراطية ما بعد الاحتلال. وبما أن حرية المرأة هي مقياس لتحرر المجتمعات، فإن عبودية المرأة في الحقبة السياسية الحالية إن هي إلا رمز لعبودية مجتمع يرزح تحت قيود اجتماعية واقتصادية مهولة فرضها النظام السياسي خليقة الاحتلال الامريكي.