أمل زاهد - السعودية - " وكالة أخبار المرأة "

تبتهج كثير من النسويَّات ويرقص مناصرو المرأة جزلاً على أنغام صعود عدد من النساء إلى سدة قيادة العالم ، من ( تيرزا ماي ) رئيسة الوزراء البريطانية إلى (كريستين لا غارد) مديرة صندوق النقد الدولي ، إلى ( جانيت يلين ) رئيسة البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ، إلى المستشارة الألمانية (إنجيلا ميركل) ، إلى المنصب الذي يحبس العالم أنفاسه وهو يترقب إعلان نتائج إنتخاباته ، ألا وهو مقعد رئاسة الولايات المتحدة والذي تشير التوقعات أن (هيلاري كلنتون) ستحظى به ، لتدخل التاريخ كأول امرأة تحتل مقعد رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية .نعم هناك من يشدو طرباً وهو يتحدث عن العالم الذي سوف يدار قريباً بالأيدي الحديدية « الناعمة « ، وقاعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي ستُعقد تحت رائحة العطر « الأنثوي « ، حسب تعبير أحد الكتَّاب السعوديين ! ..تعالوا نتغاضى عن مفردات من نوعية «العطر الأنثوي» و» الأيدي الناعمة» و» المطبخ الأنثوي « والعالم الذي سيتأنثن على أيدي قائداته ، مع ما يحفل به هذا الخطاب من دلالات تمييزية ، -تؤكد من حيث لا تعي- أن العقل اللاواعي للمثقف لايزال يرسف في أغلال التمييز ، وحشر المرأة في خانة التجمل والعطر والتشييء! تعالوا نتغاضى عما سبق ونتساءل هل إدارة النساء لدفة المناصب القيادية الأهم في العالم ستقضي على التمييز ضد النساء والذي عانت ولا تزال تعاني منه المرأة في العالم بأسره ، وإنْ بدرجات طبقاً لموقعها الجغرافي الذي تموضعها أقدارها فيه ! ألم تثبت لنا الأيام أن تولي أول رئيس أسود لقيادة أمريكا ، لم تعنِ نهاية التمييز ضد السود بقدر ما موَّهت وغطت عليه ، وخلقت إيحاءً مزيفاً وكاذباً بالنصر المبين على التفرقة والتمييز العرقي ! بينما لا تزال العنصرية ضد السود تتغلغل بنيوياً في المجتمع الأمريكي ، ولاتزال مشاعر الاحتقان والشعور بالقهر تحتدم وتتفجر من آن لآخر لتبدد الأمن وتنتهك السلم الاجتماعي !
من جانب آخر يبدو لي أن هذا الانحياز « النسوي « والابتهاج المضخم لإنجاز المرأة في هذه المراكز القيادية والادعاء بأن وجه العالم سيتغير إذا ماقادته النساء ، يضمن تمييزاً خفياً ومستتراً ضدها ، فالتمييز ليس إلا معاملة خاصة ينالها من يراد التمييز ضده سواء بالانتقاص والتبخيس ، أو بالمجاملة والمبالغة في تضخيم ما سيتم في حال تولي النساء ! وذلك في تعميم مُخل لا يضع في اعتباره ، اختلاف النساء أنفسهن والسمات الفردية لشخصياتهن ، فيما يجب أن يكون الانحياز والانتصار لكفاءة الشخص الذي سيتولى سدة الحكم والتزامه بقيم العدل والحكم الرشيد ، وليس لجنسه أو لونه أو الفئة التي ينتمي لها . فكلنا يعلم أن النساء اللواتي أثبتن حضوراً في العملية السياسية ونلنَ الرضا، كمارجريت ثاتشر وكوندليزا رايس -على سبيل المثال-، خضعن لمنطق السياسة النفعي القائم على تقديم تحقيق المصالح على أي اعتبار أخلاقي ، ومن ثم القوة الغاشمة وأسلوبها في الهيمنة ، ولم يختلف أداؤهن عن شروط السوق السياسي للنجاح ! وبالتالي لم يختلفن عن أمثالهن من الرجال ، ولم تجنِ منطقتنا العربية « السعيدة « منهن، اللهم إلا مخططات الهيمنة و» الفوضى الخلاقة « التي لازلنا نتجرع مراراتها وخياباتها اللاذعة !
أؤمن أن إصلاح أوضاع المرأة في العالم لا يكون من أعلى إلى أسفل ، بل يجب أن يبدأ بالطبقات المهمشة والمقهورة ، وتوفير الدعم وسَن القوانين الحامية لهن من الفقر والإذلال والظلم. أما صاحبات السعادة السياسيات فليهنأن بانتصاراتهن الشخصية الفردية ، فهي تعود عليهن أولاً وقبل كل شيء ! بينما تتلخص الفائدة التي تجنيها نساء العالم من تولي هؤلاء النسوة مناصبَ قيادية في التفكيك الثقافي للنظرة الدونية للمرأة ، وخلخلة فكرة عدم قدرتها على تولي مناصب قيادية .