دبي - " وكالة أخبار المرأة "

يخضع عالم الأعمال في بعض جوانبه لقانون أشبه بقانون الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف، لذا على المرء أن يكون قوياً كي يحقق النجاح الذي يصبو إليه. وبشكلٍ تقليديّ، ارتبطت هذه القوة بالذكورة، لاسيّما في العالم العربي، حيث لازال الكثيرون يؤمنون بأن “المطبخ” هو مكان المرأة، وأن نجاحها هو نجاح زوجها وأبنائها، وإذا أرادت الاختيار بين عملها وأسرتها، فطبعاً عليها التضحية بعملها والتفرّغ لأسرتها “كونها خلقت لذلك” بوجهة نظر الكثيرين في الدول النامية.
وبما أن النساء قلة في عالم الأعمال بالشرق الأوسط، كان لابدّ للمنافسة بينهن أن تتسم بشراسة أكبر من تلك القائمة عادةً بين الرجال، لدرجة أن علاقة النساء ببعضهن في عالم الأعمال موسومة بالكراهية والغيرة المدمّرة، لأن كل امرأة تريد أن تكون الوحيدة والأقوى في عالمٍ يهيمن عليه الذكور، ولطالما كانت النساء أعداء بعضهن في هذا العالم وسواه، والأقدر على تدمير طموحاتهن، وبالتالي تشجيع الجانب المتأخر (أو بالأحرى المتخلّف) في المجتمع الشرقي. إلا أن رائدة الأعمال اللبنانية، ليلى حطيط ، أثبتت قياديّتها وحرصها على تغيير العال نحو الأفضل عبر اتباعها النهج الذي تتبعه قلّة من النساء، واختارت أن تكون قدوةً وداعماً لنظيراتها من بنات جنسها في عالم الأعمال، دون إهمال عائلتها وأطفالها، ويهدف نهجها إلى تمكين ما استطاعت من الإناث في الشرق الأوسط، لاسيّما من تعمل معهن، وتشجيعهن للقتال من أجل مكانهنّ في عالمَيّ الأعمال والأسرة على حدٍّ سواء. وبذلك أيضاً، أثبتت حطيط للعالم أجمع أن المرأة العربية تكافح لتتطوّر ذاتياً وتساهم في تقدّم نظيراتها، وليست بحاجة إلى قدوةٍ من العالم الغربي، ولا إلى مبادراتٍ منه لـ”تحريرها”.
تعرّضت ليلى، الشريك المؤسس والعضو المنتدب في “مجموعة بوسطن للاستشارات ” بالإمارات العربية المتحدة، لأصعب سؤال في حياتها المهنية والعائلية، من ابنتها علياء عندما كانت تبلغ من العمر ثلاثة أعوام فقط، بعد أن شاهدت الأخيرة صورةً لقادة الإمارات الثلاثة في أحد المراكز التجارية بأبوظبي، والسؤال كان: “لماذا لا نشاهد صوراً هنا في الإمارات أو حتى في لبنان لنساءٍ رائدات، هل النساء غير مهمات؟”
نشأت ليلى في لبنان ضمن مجتمعٍ شرقيِّ تقليديّ إذا صحّ التعبير، حيث تمّ تشجيع الأبناء فقط على التطوّر المهني والنجاح في عالم الأعمال، بينما شُجّعت البنات على البحث عن زوجٍ مناسب تحقّق أحلامه. إلا أن عائلة ليلى، لاسيّما والدها، كانت مختلفة. فكان والدها يشجّعها ويدعمها وأختها باستمرار كما شجّع الآباء أبناءهم الذكور، ولم يخب ظنّه بابنته وقدرتها على النجاح مهنياً وأسرياً. ولأنّ ليلى تواجه يومياً انتقادات المجتمع نساءً ورجالاً، وتتهم بالتقصير في تربية أطفالها بسبب نجاحها الملحوظ في عالم الأعمال، وتبذل جهداً مضاعفاً لتشق طريقها في عالمٍ يُنظَر فيه إلى المرأة على أنها أقل كفاءةً وجدارة، قررت أن تكون ممّن يصنعون التغيير في العالم العربي، ويتحوّلون بالفكر الشرقي من تقليص دور المرأة إلى تعظيمه ودور الرجل أيضاً ليتكامل دوراهما، بحيث يصبح كلاهما مسؤولين وناجحين أسرياً ومهنياً، بدل أن يتفرّد الرجل بالشؤون المهنية والمرأة بالشؤون العائلية فحسب.
وتلخص حطيط، خلال حديثها في “TED”، رحلة نجاحها وأهم الأدوات التي تحتاجها المرأة في المجتمع الشرقي لتقف في وجه سطوة الجنس الآخر وبنات جنسها على حدٍّ سواء، وتحقق النجاح الذي تطمح به. وترى أنه ينتظر من النساء العربيات المزيد من المسؤوليات، أكثر من نظرائهن من الرجال، ويواجهن صلابةً أكثر من النساء الغربيات، بسبب المثابرة، والمنافسة، والأولويات والتقدم. لذا، اعتمدت ليلى على ثلاثة دروسٍ أساسية تعلمتها خلال مسيرتها، وتريد لمثيلاتها من النساء تعلّمها:
1-  حوّلي انتقادات الآخرين اللاذعة إلى وقودٍ محفّز
تتحدث حطيط عن الكلمة السحرية في تحويل الطاقة السلبية التي تصدر عن أولئك الواقفين في وجه نجاحات المرأة، وهي “المرونة”. وتعرّف المرونة على أنها القدرة على تحويل المواقف السلبية التي يتعرض لها الشخص في سوق العمل إلى محفّز للتطوّر والاجتهاد. وتقول ليلى: “كنت أعمل سابقاً مع شخصٍ يدعى جون، وعملت جاهدةً على أمل أن أنال إعجابه وبالتالي أحصل على شراكته. وحينها كنت أكتب بشغف في مجال تمكين النساء اقتصادياً. وفي أحد الأيام، كنت أعرض بحثي على قاعةٍ مليئة بطلاب ماجستير إدارة الأعمال، وكان جون بين الحضور. رأيت وجهه يحمر ويتقلّص جسده في كرسيّه خجلاً أثناء إلقائي للمحاضرة، وبعد أن فرغت وخرجنا، وبّخني قائلاً بأن ما قلته أثناء المحاضرة غير مقبول، وذكّرني بأنني مستشارة ولست ناشطة.
كما قال لي بأن الفكرة التي تقوم عليها دراستي فيما يخص القوة العاملة النسائية بالعالم العربي خاطئة وستحدث شرخاً في المجتمع، مضيفاً: عندما تكون
المرأة أماً، فإن مكانها هو المنزل!”. وبعد صراعٍ داخليٍّ طويل، وصلت ليلى إلى ثلاثة استنتاجات:
 1. أنّ ما قاله جون هو مشكلته هو فقط. ربما هناك الكثيرون ممن يفكرون مثله تماماً في المجتمعات باختلافها، إلا أنها لن تسمح لهم بأن يؤثروا عليها
    أو يمنعوها من تحقيق ما تطمح به وتمكين النساء في مكان العمل
 2. أنها تحتاج إلى مموّلٍ آخر بدل جون، وبالفعل حصلت عليه.
 3. أنّ الإصرار على النجاح هو الرد الأمثل في وجه أعداء نجاح المرأة. عليها الآن أن تري جون ما يمكن للأمهات تحقيقه في عالم الأعمال. وتشير أيضاً إلى أن الكثيرين ينتقدونها وزوجها، ويخبرونها أنها أم سيئة وغير ناجحة بسبب نجاحها المهني الملحوظ، وهذا ما تواجهه الكثير من الأمهات العاملات، فيلجأ الكثيرون إلى إشعارها بالذنب والتقصير، ونعت النساء الناجحات بالأنانية والفشل أسرياً، لكن ليلى قررت أن تبتسم في وجوه منتقديها، مذكّرةً نفسها أن كلّ شخص مسؤول عى آرائه ولن تسمح لمشكلات الآخرين أن تصبح مشكلاتها أو أن تؤثر عليها.
2-  وازني بين الأسرة والعمل عبر السعي جاهدةً لإبقاء العمل خارج الحياة الأسرية
تشير ليلى إلى أن الرجل العربي، حتى يومنا هذا، لا يساهم بشكل كبير في المنزل، لدرجة أنّ مساهمته تعتبر في كثير من الأحيان فعلاً “غير رجوليّ”. وتفترض معظم المجتمعات العربية أن سعادة المرأة تكمن في إسعادها لزوجها وأطفالها فحسب، حتى أن هدف تواجدها في هذا العالم هو تكريس حياتها لعائلتها فقط. هذا يعني أنه على المرأة العربية التي تشقّ طريقها في عالم الأعمال أن توازن بشكل كبير بين منزلها وعملها، حتى تضمن نجاحها في المجالين دون تقصير. وفي الشرق الأوسط، تلجأ الكثير من العائلات إلى توظيف من يعمل لديها للمساعدة في المنزل، بما في ذلك الاهتمام بالأولاد في غياب الوالدين. ويكمن التحدي هنا في التوظيف الفعّال للشخص المناسب الذي سيساهم بالحفاظ على توازن المنزل. وكما تفعل حطيط في مكان العمل مع موظفيها الموهوبين، فهي تقوم بتوظيف الشخص المناسب لمساعدتها في المنزل وتمكينه ودعمه… وطبعاً فإن هذا الشخص امرأة أخرى. وتقول: “سواءً كانت المساعدة التي اخترتيها مربية أو حضانة، اختاري بحذر شديد، وادعمي من حولك”.
إن المرأة الواعية بدورها الزوجي والتربوي، تعي تماماً مقوّمات العلاقة الأسرية الناجحة، ومقوّمات التربية السليمة وأهدافها، ووسائل تحقيق هذه الأهداف. وقد تكون مدة بقاء هذه المرأة في المنزل قصيرة، ولكنها يجب أن تكون فعالة ومؤثرة، إذ أن الكثير من النساء يجلسن في المنزل لساعاتٍ لطوال دون أن يكون لها دور إيجابي في تنشئة أطفالها.
وتفيد ليلى أنها تحجز كلّ يوم وقتاً في جدول مهامها تكرّسه لعائلتها فقط، وهو وقتٌ مقدّسٌ جداً بالنسبة لها، حيث لا تسمح لأحد بالتطفّل عليه. وحتى عندما تسافر، تحدّث عائلتها خلال هذا الوقت عبر سكايب وتتابع شؤونهم. كما أنها تنسى عملها كلياً خلال الوقت المخصص لأسرتها، بحيث تعطي معنىً وقيمةً لكل لحظة تعيشها مع أطفالها، بدل القلق بشأن كم من الوقت قضت معهم، أو بشأن ما ينتظرها من العمل فيما بعد.
3- تكوين التحالفات بدل المنافسة
تقول ليلى أن لدى جميع النساء علاقات كثيرة ومتشعبة بنساء أخريات، إلا أنه بمكان العمل في الغرب، نجد أنّ النساء أعداء بعضهن، وليس هناك مكانٌ في الشركة الواحدة سوى لامرأة ناجحة وقوية واحدة، وقد تقوم هذه الواحدة بتدمير جميع النساء حولها، وبالتالي لا مكان لدعم الأخريات وتمكينهن. إلا أن النساء العربيات غالباً، بوجهة نظر ليلى، على وعي بأن دعمهنّ لنساء أخريات هو لصالحهنّ في نهاية المطاف، ودعم المرأة لنظيراتها من النساء يعني دعمها وتمكينها لنفسها.
ويرى الكثيرون أنه على المرأة الناجحة استثمار وقتها في تكوين علاقاتٍ مع رجالٍ ذوي سلطة وروادٍ في مجال الأعمال بدل إضاعة وقتها في دعم نساءٍ أخريات وتكوين شبكة من العلاقات مع النساء، إلا أن هذه النظرة خاطئة تماماً. وتذكر ليلى أن اثنين من أعظم نجاحاتها كانت إثر دعم نساءٍ أخريات لها. وترى أن نجاح النساء اللاتي يعملن معها عنصر أساسيّ وضروريّ لنجاحها، ودعمها وتمكينها
لهن يعني دعمها لنفسها وتحقيق أهدافها. وتختتم حطيط حديثها بالقول أن نجاحات النساء في مجتمعنا العربي بطيئة لكنها موجودة، وسببها ليس فقط القيادات العظيمة، بل سعي النساء جاهدات عبر اتباع الدروس الثلاثة المذكورة أعلاه، وتمكينهن ودعمهن لبعضهن، وعدم استسلامهن، وعدم تخليهن عن أحلامهن. وتقول: “أتمنى لابنتي أن تقف هنا بعد 20 أو 30 عاماً من الآن، وهي فخورة بكونها ابنة والدتها كما تفخر بكونها ابنة والدها، وأتمنى لابني أن يكون تعبير ابن أمه قد اتخذ منحىً مختلفاً تماماً”.