الكاتبة الصحفية: سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

من منا يتوقف في لحظات الغضب، أيامه وربما سنواته ويفكر في جسده؟ من منا يتوقف في لحظات الكآبة وأيضاً أيامها وربما سنواتها ويفكر في جسده؟
ومن منا يتوقف في لحظات السعادة القصيرة منها أو الطويلة ويراقب جسده؟
في أوقات الغضب والكآبة وكل ما يجلب الحزن والشقاء للنفس لا نفكر في الجسد، وفي لحظات السعادة لا نراقبه ولا نلحظ كم أصبح خفيفاً طليقاً وكأنه طير يحلق عالياً إلى سماءٍ بعيدة.
لا نفكر به في اللحظات الصعبة، القاسية التي نسببها لأنفسنا أو يسببها الآخرون لنا، ننساه، نتجاهله بل وربما نحتقره وفعلاً هناك من ينساه كأن وجودنا ليس سوى روح وعقل ولا ندرك كم أن هذا العقل مرتبط بالحالة الصحية للجسد.
هذا النسيان أو التناسي وربما التجاهل أو الإستخفاف هو أساس أمراض كثيرة تفاجئنا، فننظر بدهشة لهذا الجسد الذي قرر أن يغضب، قرر أن يثور وربما أن ينتقم لأننا وببساطة عشنا دون أن نحترم وجوده.
هناك وجود مادي لكل منا وهناك وجود معنوي، ولقد تم التركيز في سنوات الحضارة المتسارعة تارةً على مشاعر الانسان وتارةً على أفكاره، تارةً على جمال الوجه وتارةً على جمال الجسد، ولكن لم يتم التركيز على إحترام الجسد وعلى الإنصات إليه، وعلى التفكير به وقت الغضب حين تتغير كيمائيته الطبيعية، وحين ننسى بوجود الحقد بأن الجسد يتسمم بسمٍ صامت لا يظهر أثره إلا بعد سنوات وبعد فوات الأوان.
والمثير للإستغراب وربما للحزن هو أننا حين نذهب للطبيب ونجرى الفحوصات اللازمة تفاجئنا النتائج السيئة وننسى أننا لم نُحسن التعامل مع جسد لين، حساس، رقيق مهما كانت قوته.
في عصرنا الحالي، تتراكم المسؤوليات والتحديات، وتعلو أمواج الغيرة والحقد والحسد لأننا نريد أن نحيا في جنة الأرض وجنة الأرض هي الإيمان، وهي جنة غير مرئية ولكنها محسوسة، من إمتلكها تمتع بها وكأنه يمتلك قصور الأرض جميعها، وهذا الإيمان ليس في ما نمارسه من العبادات بل هناك في مكانٍ دفين من الروح والعقل والنفس وكذلك الجسد، إنه ذلك الرابط غير المرئي ولكنه الأقوى والأجمل والأرفع، أنه ذلك الرابط مع الله تعالى، بأنه بكل شيء محيط، وأنه طلب منا التسامح والمغفرة وترك الأحقاد ليس له عز وجل بل لأنه يعلم وهو الخبير العليم بما تحمله هذه المشاعر السوداوية لأجسادنا من أمراض وآفات.
يقول محمد علي كلاي رحمه الله في إحدى مقابلاته التلفزيونية:
 (لدي حارس شخصي واحد فهو يرى بلا عيون ويسمع بلا آذان، ويتذكر كل شيء بدون مساعدة عقل أو ذاكرة، إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون، عليم بذات الصدور وما يجول في الخاطر...هو الله...هو من يحرسني وهو من يحرسك...هو المتعال.)
هو من يحرسني ويحرسك...ونحن نمضي في الحياة مع القلق، التوتر، الألم، المعاناة والخوف من الغد مع أن هناك من يحرس كل خطوة لنا، ويرصد كل فكرة تجول بخواطرنا، فلماذا نُثقل أجسادنا بما هو ليس بقرارنا ولا بمقدورنا؟ بما هو قدر الله لنا على الأرض؟ ولماذا لم نستطيع أن نكون سعداء لأننا فقط في هذه الحياة يمن الله علينا بنعمة الطعام والصحة والمسكن، ثم نتذمر لأن... ولأن...
ربما علينا إستعادة ذلك الهناء البسيط والفطري بأن ننام ليلاً ونحمد الله على الصحة وراحة البال ، ونستيقظ ونسعد لأنه يوم جديد في الحياة، ثم وبعد كل ذلك نفكر بما أنجزناه وما حققناه وبقصورنا الوهمية حول إنجازات الحياة والتي تتلاشى وتذوي أمام مرضٍ عضال. حين منحنا الله الحياة، منحنا الروح والجسد، الروح من أمره، ولكن الجسد أمانة لابد أن نحافظ عليها وهذه الأمانة لا يحق لنا إتلافها بالعيش في الحسرة والحقد والندم. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: " لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم".
وهي آية تختصر حكمة وجود كل منا، كي لا تنتابنا الحسرات ولا تُنسينا الأفراح بأن كل ما حولنا مؤقت مهما طال زمنه؛ ولكن الحياة مع جسدٍ عليل تجعل السنوات دهراً والألم قهراً.