بيروت - " وكالة أخبار المرأة "

هي الحياة من علّمتها كيف يقلب الزمان لعبته. كيف تتحوّل عاملة التنظيف وغسل الصحون وتلميع الزجاج الى سيّدة أعمال. عندما وطأت "آنا فرناندو" المواطنة السري لنكية أرض لبنان للمرّة الأولى منذ عشرين سنة من اليوم، لم تكن تفكّر في شيء سوى الهروب من المجاعة. سماع صوت أولادها عبر الهاتف كان يكفيها. أرحم لها من سماع كركرة بطونهم من شدّة الجوع. برم الدولاب فجأة. بعد معاناةٍ مع حيطان المنزل الأربعة التي ملّت من عينيها الحالمتين اللتين تعكسهما مرايا شبابيك الزجاج والبلاط الملمّع.
كانت دائماً تتذكّر أن خارج الحيطان عالماً ينتظرها. كوّنت محيطها الاجتماعي. مارست هوايتها في مجال الطبخ فأتقنته وتحوّلت الى خبيرة في مجال التموين. اليوم أصبحت العاملة الفقيرة مديرة أعمال. افتتحت عملها الخاص وانطلقت من لبنان. أولادها كبروا وتعلّموا. لم تعد بطونهم تعزف لحن الحزن. ابنها تطوّع في الجيش السري لنكي بعدما أنهى دراسته. وابنتها خرّيجة جامعيّة. أما هي فتصرّ على البقاء في لبنان. لن تغادره قبل أن تكتب الصفحة الأخيرة في مسيرتها المهنية.
حتى إن عدسة كاميرات تلفزيون "السي أن أن" الأميركي لم توفّر فرصة اغتنام نجاحها الاستثنائيّ. أجرى مع مديرة الأعمال آنا فرناندو حلقةً خاصّة. هي التي باتت اليوم ملجأً لأبناء بلدها في لبنان ومتابعةً لشؤونهم وحاجاتهم. صارت جسر تلاقي بين المنظمات والجمعيات غير الحكومية وكلّ من احتاج يد العون من أبناء موطنها.
والأهم أنها في عمر الأربعين لا تزال تحبّ الحياة. فاجأت الجميع وصارت عارضة أزياء. في نشاطٍ سبّاقٍ تنظّمه جمعية "انسان" الناشطة في لبنان في اطار دعم حقوق اللاجئين والأجانب سنويّاً، اعتلت " " ومواطناتها مسرح الشهرة منذ 3 أسابيع. صاروا نجوماً، لأن الأنوثة لا تفرّق بين لونٍ وعرقٍ وثقافةٍ ولغة. يداً بيد الى جانب عارضاتٍ فرنسيّاتٍ ولبنانيّات، نبض المسرح بالمساواة. وصفّق الجمهور لعذوبة القصّة، قبل تصفيقه لحلاوة العرض.
الأنوثة ليست حكراً على لون بشرة
لم تصارع فرناندو صعوبات الحياة وحدها. رافقها في المسيرة أكثر من قارب نجاة. أوّلهم كانت جمعيّة "إنسان" التي تحرص على ابتكار أفكارٍ خلّاقة تعزّز منطق المساواة والنضال في سبيل حقوق الإنسان. آخر المبادرات كان عرض أزياء حافل إحدى عشرة من نجماته عاملات أجنبيّات. مديرة العلاقات العامّة في الجمعيّة السيدة رندة الديراني، تروي في حديثٍ لـ"النهار" خبايا الفكرة، "كان علينا أن نبرز المرأة الأجنبيّة العاملة في صورة مختلفة عن الصورة النمطيّة التي تفيد بأنها تعمل في بيت وليس لديها ما تفعله سوى الواجبات المنزليّة. وأحببنا أن نضعها في اطار ما تحبّ المرأة فعله الا وهو اطار الجمال والابتكار. من هنا أتت فكرة عرض أزياء. أي مرأة تشعر بأنوثتها وجمالها ولديها احلام وطموحات متشابهة على اختلاف مستواها الاجتماعي والثقافي".
"كيف تصفين ردّة فعل العاملات حيال هذا النشاط الفريد من نوعه؟"، تجيب أنه " في المرّة الاولى التي فعّلنا هذا العرض كان يجب أن نفسّر لهن كثيراً من الأصول لنلقنهن كيفيّة التصرّف. أما اليوم وبعد تفعيل عدّة محطّات من العرض لا استطيع ان أصف مدى الطلب على المشاركة والحماسة الكبيرة للتعبير عن الذات".
تروي الديراني أن العاملات يتفاعلن مع الحدث كأي صبية ويأتين لأخذ المقاسات المناسبة لأذواقهن. وتشدّد على مسألة التواصل الدائم معهن وتفعيل دراسات حول اوضاعهن وحول كيفية التعاطي معهن. حتى إن أرباب المنازل أنفسهن يبدين ايجابية كبيرة حيال مشاركة العاملات في النشاط بعد استفسارهم حول تفاصيله، وهذه بذاتها خطوة ايجابيّة.
الاضاءة على واقع العاملة الأجنبية من منظار مختلف
النظرة البنّاءة التي أظهرها أرباب العمل حيال الأنشطة المستجدّة لصالح العاملات أوصلت أصدائهن الى شريحة واسعة من المجتمع اللبناني. هذا ما عبّرت عنه السيدة رلى حماتي في حديثٍ لـ"النهار معتبرةً أن وجهات النظر تتفاوت بين جديدة وغريبة، خصوصاً أن الحديث عن العاملات يناقش دائماً في اطار جدّي. بيد أن هذه الأنشطة أوصلت الصوت الى الناس الذين يحبّون الفنون والثقافة والموضة. وتشير الى أن "هناك فئة من المجتمع تصدم في البداية لكنّها تعود وتحبّذ. هم يخالون ان العاملة هي التي تعمل في المنزل. لكن في الحقيقة ثمة عائلات أجنبيّات تقطن في لبنان منذ عشرين عاماً حيث تمّ تكوين أسر استقرت في وطن الأرز".
"اضافةً إلى النشاطات المتعلّقة بالموضة، ما هي المشاريع التي تفكرون في تنظيمها خدمةً للعاملات الاجنبيات؟"، تقول: "لدينا الكثير من النشاطات منها الخدمات والاستشارة القانونية والوساطات بين رب المنزل والعاملة ومتابعة القضايا القانونية المتعلقة بها، ناهيك بأبحاث حول واقع العاملة ونظام الكفالة واطفال العاملات الاجانب الذين كانوا يرحلون من لبنان في السابق. أما اليوم فنعمل على تسليط الضوء على حقّ العاملة في السكن. ليس من المفروض عليها أن تسكن مع صاحب العمل. علينا العمل على مسألة تفكيك نظام الكفالة من الداخل وتوحيد المساعي مع وزارة العمل وتنظيم بدائل من هذا النظام والمشاركة في حملات دوليّة".
وعن تبدّل نظرة اللبناني عامةً الى صورة العاملة الأجنبيّة، تجد حماتي أننا لا نزال نعاني في لبنان مشكلة جوهريّة ألا وهي العنصرية في التعاطي مع العاملة في البيت الواحد. وهي تعتبرها ظواهر مرفوضة. ولكنها تعوّل على دور الجمعيات في السنوات الأخيرة حيث بات المجتمع يتقبّل أكثر فكرة دور العاملات الايجابي.
لعلّ فترة العشرين سنة التي أمضتها آنا  في لبنان كانت كفيلةً بتحقيق أحلامها البعيدة المنال. من الصعب أن تصدّق ان مواطنة سري لنكيّة استطاعت أن تخترق النظرة العامّة الى العاملات الأجنبيات في لبنان والتي تصوّرهن من منظور الشفقة. حين نتكلّم عن " " لا بد لنا ان نصفّق بحرارة. هي التي ستعود يوماً الى موطنها الأصلي، لتلوّح لأولادها بيديها بعد فراقٍ طالت فصوله، وتقول لهم: "أنا هي التي غادرت أرضها جائعة وعلى وجهها دمعة حزن، أعود اليوم اليها وعلى وجنتي دمعة فرح".