تقتضي الحياة الزوجية بناء عش زوجي قوي ومتين ، أساسه الحب، و الوئام، و المودة، و الرحمة، و السكن، و الاحترام المتبادل. وكل مؤسسة زوجية انطلقت بنية التأبيد و الاستمرار ، و سعت الى الاستقرار، وتحقيق الغاية المرجوة من الزواج ، الا وبارك لها الله ومدها بعونه، ورزقها الرضا و القناعة ، وحفها بالخير والألفة و السعادة .
فالزواج لفظ قد يبدو سهلا من الوهلة الأولى ، الا أن ما يترتب عليه من مسؤوليات و التزامات يجعله على النقيض تماما ، واذا لم يدرك الاثنان هذه الحقيقة على بعد ، وقعا فيما لا تحمد عقباه ، وبدل أن يسود بينهما جو من المتعة و الرغبة في مواصلة الركب الزوجي ، تتحطم أحلامهما ويستيقظان على كابوس لم يمر بمخيلتهما من قبل .
سقف الزوجية الهش :
هو الذي بني على مصلحة، ورغبة جامحة في تقوية عضد طرف على حساب الآخر ، فينشد الشريك الواحد طريق الاثراء بلا سبب، و الاغتناء على أكتاف الشريك الآخر ، مستغلا مجهوده ورابطة الزوجية التي تجمعهما، لتحقيق هدفه والوصول الى مبتغاه ، وحيثما انتهت المصلحة أقفل ملف الزواج ، وانصرف كل منهما الى حال سبيله .
هو الذي أسس على الشكليات، وأهملت فيه العناية بالجوهر ، فشكل الاعتماد على المظهر الخارجي من حسن، وجمال ، ورشاقة، ووسامة ، والاعتماد على حجم الممتلكات، ومبلغ الرصيد البنكي الركيزة الاولى والأخيرة التي نالت كل الاهتمام ابان ولوج عالم الزوجية .
 هو الذي أقيم على العشوائية، والاندفاع، و التهور ، وفي لحظة ضعف وفراغ عاطفي، أوفي وضعية اجتماعية قاهرة، وأخرى اقتصادية مزرية ، وبحثا عن خلاص وحياة جديدة بعيدة عن الرتابة والروتين اليومي ، لجأ الطرفان الى الزواج فوجدا نفسيهما أمام مشاكل أخرى، وتعقيدات من نوع آخر ، دفع ثمنها الاثنان وانصبت آثارها على الأسرة بكاملها .
هو الذي أنشىء على جهل بالحقوق والواجبات ، فاختلطت الاوراق على مائدة الشريكين فلم يعد يعرف كل منهما أين ينتهي حقه ومتى يبدأ ، الشيء الذي زاد من حجم الخلافات الزوجية ورفع من مستوى المعاناة داخل القفص الزوجي .
فماذا يجري بالتحديد ؟
هو دخله محدود وهي طلباتها لا تحد :
رجل بسيط متواضع قنوع ، أجره بالكاد يسد بعض الاحتياجات الضرورية للبيت ، لا يتأخر في تحقيق المطالب ويمشي وفق ما تسمح به امكانياته المادية بلا بخل أو اضرار ، ينفق بعقلانية ويؤدي ما على كاهله من التزام . هي لديها جليسات من النوع الذي يعشق التباهي ، تتأثر بكلامهن وتصدق قولهن، ويغريها ما يملكن وقد تكون مالكة لما ليس بحوزتهن، وهي لا تستشعر ذلك .
 كلما اختلت بزوجها، ذكرته ان زوج فلانة يغير لها أثاث المنزل في كل مناسبة ، وزوج فلانة لم يترك مدينة ولا بلدا الا وسافر برفقتها اليه ، وزوج فلانة قد أهداها ثيابا تقدر بكذا، واشترى لها حليا بقيمة كذا .
 هي تعلم أن زوجها لن يبخل عليها بشيء لو أن مرتبه يسمح بذلك ، ورغم كل الظروف فطلباتها ليس لها حدود، وارضاؤها صعب في مجمل الأحوال .
هو سلطوي عنيف وهي دورها ثانوي بالبيت :
طباعه حادة و تصرفاته لا تحتمل ، لا يجيد المعاملة بالحسنى ولا ينطق لسانه بحلو الكلام . زوج سليط وعنيف، يحسب زوجته كما لو تكون جارية من جواريه ، خلقت لخدمته وطاعته والانصياع لأوامره، مع تنفيذ طلباته بالحرف الواحد من غير تردد وبصمت مطبق ، وان لم تفعل قام بضربها وشتمها واهانتها بلا تأخير .
 هو حر طليق ، لادخل لها بتحركاته وتنقلاته وهي تعيش تحت رحمته .
 ليس لها التعليق على أمر ، ولا التعبير عن رأي ، ولا تؤخذ منها مشورة ، أو يطلب منها استئذان .
 بنظر الزوج يكفي أنها تأكل وتشرب وحالها مستور، ولها زوج تعيش في كنفه فغيرها محرومات من هذه النعمة . هذا تصوره هو ، أما هي وفي ظل هذا الوضع فتسيطر عليها الكآبة وتشعر بالقهر و الدونية ، يتملكها الرعب و الخوف ويسكن قلبها الهلع ، كلما رأت تعابير وجهه يكسوها التجهم .
هو عاشق ولهان وهي مغرورة ومتمردة :
يحمل لها من الحب ما يغطي مساحة كونية كبيرة ، يخاف عليها من مهب الريح ، يحترمها ويقدرها و يريد اسعادها بشتي الطرق و الوسائل .
 زوج وفي، رومانسي، جياش المشاعر ، ليس في قلبه سواها، ومخلص في علاقته الزوجية معها . هي لا تعطي هذه الأمور قيمتها ، تتمرد عليه وتتعالى وتترفع عنه . غرورها يصور لها أن ما تحصل عليه من ود وحب من قبل زوجها ، يظل قليلا في حق جمالها، وأنوثتها، ورقتها . خيالها يسبح بها في الأعالي، فتتحول من زوجة وديعة يزينها التواضع، الى أخرى متكبرة ومتعجرفة ، لا تصغي لنصح شريكها ولا تعير وزنا لكلامه ووجوده .
 تمر الأيام على ذا الحال، فيكتشف الزوج أن من ملكت روحه تخونه مع آخر ، آخر استطاع أن يلعب بمشاعرها ويستغل غرورها ، ليجد الزوج نفسه أمام خيارين : الطلاق أو رد الاعتبار لنفسه بقتلها، والانتقام من بعد من بنات جنسها .
هو يتدخل في أمورها المالية و هي مستاءة من الفعل :
قد يكون عمله يوازي مستوى عملها وأحيانا قد يقل عنه ، وفي كل الأحوال، هناك صراعات زوجية قائمة أساسها العنصر المادي ، و المساهمة بالتساوي في الانفاق على البيت الزوجي .
 هو يترك لها مساحة شاسعة لتسديد المصاريف ، وهي ترفض، من منطلق انه رجل البيت واليه تسند القوامة . هو يحاسبها على كل مليم تنفقه بلا علم منه ، وهي تطالبه بالتوقف عن تقديم المساعدات المادية لأهله وأسرته . هو يحتج على تقصيرها في واجباتها المنزلية و الزوجية بخروجها للعمل ، وهي تذكره انها سيدة عاملة من البداية و المال الذي يحاسبها عليه هو مالها ، وليس من حقه التدخل بشؤونها المالية أو اجبارها على الانفاق .
 يشتد عنادهما فيمتنع هو عن الانفاق ، تكرهه ويكرهها، فتنقلب حياتهما الى جحيم .
 يشكو هو من عذاباته ، وتشكي هي من فقدان قدرتها على التحمل .
هو يعيش مراهقة متأخرة وهي تكتوي بنار الاقصاء :
تزوجها في عمر الزهور ، شاركته الحياة بحلوها ومرها ، ساندته في المحن ، كافحت ، ضحت ، أنجبت له ذرية و ربت له أجيالا .
 طالت عشرتهما سنين وأعواما ، كبرت وضعفت صحتها ، بهت بريق جمالها ، لم تعد تملأ عينيه وخرج يبحث عن أخرى أصغر سنا وأكثر حيوية ونشاطا.
هو يعيش مراهقة متأخرة رغم ان الكبر نال منه هو الآخر ، هي راضية بتقلبات الزمن ، وهو لا يعترف بشيخوخته، ويؤطر نفسه في صفوف الشباب على الدوام .
 هو لا يعيرها اهتماما ولا يحفظ لها جميلا ، وهي تبكي عمرها الذي ضاع من يدها وصحتها التي خذلتها ، فكرة الزواج بثانية يرددها على مسامعها كل وقت ، والفزع من أن يرمي بها في الشارع هم لا يفارق ذهنها .
المشاكل و الخلافات بهارات للحياة الزوجية … ولكن!!
تلعب المشاكل الزوجية البسيطة دورا فعالا في زيادة التقارب بين الزوجين ، فهي تمكن كلا الطرفين من فهم نفسية الآخر، فتجعله يتعايش ويتأقلم مع شريكه ، ويظل الحوار و التفاهم هو الحل الأمثل لهاته المشاكل .
 ولما كانت المشاكل الزوجية أمرا طبيعيا فان تكرارها واستمرارها يشكل خطرا على ديمومة العلاقة ، حيث يساهم التعامل السلبي، وعدم خلق جو مناسب لطرح موضوع الخلاف في بلورة تراكمات نفسية عديدة ، قد تصل الى تبادل الاتهامات، وقذف الآخر بكلمات نابية تجرح المشاعر و الكرامة ، ليتطور الوضع الى نشوب معركة حامية الوطيس بين الزوجين، عوض علاقة حميمية عمادها الحب و التقدير.
فمن أعداء الحياة الزوجية : الاستبداد بالرأي ، و السيطرة على الشريك، و العناد، و التحدي ، ونهج أسلوب العين بالعين و السن بالسن . كما أن عدم اهتمام كلا الطرفين بالآخر، والانسياق وراء المشاعر الانفعالية، يزيد من حدة توتر العلاقة الزوجية وينزل بها الى الحضيض .
دراسات حول الزوج و الزوجة :
أفادت دراسات لمجموعة من المختصين، أن الزوج عندما يكون متعبا ومرهقا و مجهدا، فانه لا يرغب بالكلام أو الحديث ، بل يرغب في الراحة و الهدوء وهو ما يسعى لايجاده ببيته حين رجوعه من العمل .
 بينما الزوجة في حالة التعب والاجهاد، تكون في حاجة ماسة للترفيه عما بداخلها ، بصرف النظرعن سكوتها طوال اليوم و الزوج غير موجود بجانبها .
 كما أن الزوج عندما يحاول أن يسعد زوجته فهو لا يقدم لها ما تحتاجه النساء ، لأنه لا يعرف احتياجات الانثى ، اضافة الى ان الرجال يظنون ان احتياجات النساء من العواطف هي نفسها التي يحتاجها الرجال ، و العكس صحيح .
 الرجل بطبيعته يحب التفكير في مسألة واحدة فقط ، ولا يحب التشتيت في الأمور، وهو ما يجعله لا يتقبل المناقشة و الحوار مع زوجته ، بل يعطيها نسبة ضئيلة من الانتباه فيستمع ولا يعلق على حديثها ، في الوقت الذي يكون بمقدور المرأة التعامل مع أكثر من مشكلة في وقت واحد ، وتستطيع أن تتجاوب مع زوجها، وهي تكتب أو تقرأ أو تفعل شيء آخر في نفس اللحظة .
 وعليه ، فطريقة تفكير الرجال تتم بشكل رأسي مركز، و طريقة تفكير النساء تتم بشكل توسعي مفتوح .
دامت المحبة و التآلف و حسن المعاشرة بين الأزواج ، وعم الخير و الأمان بيوت المسلمين .