الكاتبة الصحفية: سحر حمزة - الإمارات العربية المتحدة - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

تدحرج  القلم بين أصابعي وأفلت مني وأستقر في زاوية مكتبي الذي أضعه في زاوية خاصة داخل المنزل  ،كنت أحاول أن أخط به أفكاري  وأكتب بعض الكلمات التي تعكس ما أشعر به وما يحدث معي من مواقف في يومي فأدونها  به كعادتي ،كان يناديني تارة لأكتب بكل شفافية ومصداقية وتارة يتلوى كي يتهرب من الأحرف المترددة في تكوين  الكلمات التي تعبر عما  تريد أفكاري البوح به من فرح وسعادة أو حزن والم ومواقف تعبر بي  تعبر عن أشجاني وعن الاستياء والاستهجان مما يحدث حولي   ،أحسسته محارباً مرابطا وكأنه جندي  يقف على خط النار في جبهة حرب أو معركة حامية الوطيس متأهبا للقتال  ،حاولت مداعبته ومسح ما علق به  ورأيت تعنته ورفضه للكتابة وقلت  ربما جف ماء الحبر  السائل الأزرق الذي يغذي شريانه كي يبقى حيا ، فبدلت الأنبوبة الداخلية في جوفه بأخرى ممتلئة ،ثم نفضته كأني أريد أن أوقظه من سباته العميق أو أعيد له الحياة في أواصره كي يعود ليكتب كلماتي على الأوراق والدفاتر كسابق عهدي به لكنه لم يرد علي ولم يتلفظ بأية كلمة نفضته مرة أخرى وصرخت أوف ، وكأني سمعته يقهقه يسخر مني وعرفت أنه لن يطيعنني ولن يسمعني وكأنه جلمود صخر تحجر حتى أن قلبه مات ولم يعد يأبه بنداء أو صراخ أو ضرب أو حتى فيض نهر تدفق ليملئه ،وحتى لو ملئت جوفه بالحبر الكيماوي العالي الجودة ،تساءلت في داخلي وصرخت به قائلة "الله أكبر" حتى أنت أيها القلم مثل الناس تتمرد ،وتمتمت هل أخترت الصمت مثلي  أيضاً ، ألذي هو أضعف الإيمان لدى البشر الآن وحدثت نفسي أسألها هل أصاب الصمت حتى الأقلام قد يوجد فيها من يكون عاصياً متمرداً مثل الكثيرين على هذه الحياة أم ماذا عدت وقلت في نفسي هذا قلم جامد لا روح فيه ولا حياة هراء أن أفكر بهذا القبيل لا بد أن سبباً ما وراء ذلك،، وما بين حواري مع نفسي ومحاولاتي الكتابة بالقلم أحسست كأن شيء يعصر أصابعي ويشدني ويلصقني به حاولت الإفلات لكن دون نجاح،،وتنفست بعمق وقلت "يا آلله" هل أصبح القلم بروح وأصبح مثل الأحياء حتى يقسو علي ويحاول الإمساك بأصابعي يريد أن يكمم فمي ويأسر أفكاري كي لا تنهل بالكلمات التي تعودت كتابتها به،،صمت سيطر علي برهة ثم عدت بمحاولاتي لأغير وضعية القلم بيدي وعدت أحاوره كأنه طفل صغير متمرد يعصى عن الطعام أو الشراب كي يفلت من أمه ليلعب كما يحلو له وبدأت أخاطبه كأنه كائن حي وقلت له برقة وحنان ،أيها القلم لماذا تعيق أفكاري دعها تتحرر وتكتب ما يجول بخاطري ؟أيها القلم ماذا ألم بك ؟أيها القلم هل تعاني من شيء ما ؟وفجأة وما ما بين طروحاتي لهذا المطر من الأسئلة أنتصب القلم وأفلت أصابعي ونطق قائلاً: أيتها الكاتبة الساحرة الرائعة ،منذ متى وقد هجرتني وأنا صامت وأنا أراقب وأنا أتابع وأنا أدعو الله أن يصيب ذلك الشرس الوحش الذي غزى فكرك ووجدانك واهتمامك أن يرحل وأن يدمر وأن يلغى من قواميسك تعجبت لسؤاله وطرحه وقلت له أنا !!!!من تقصد أيها القلم !!!!فضحك وقهقه وصرخ قائلاً الحاسوب الذي أمامك الكمبيوتر الذي سيدمرك ويدمر أصحاب الفكر وأصحاب الأقلام الراقية الذين هجروا القلم والكتاب مثلك ،،أنظري كيف تنهمر عليك يومياً مئات من الرسائل الإلكترونية هل تستطيعي تجاهلها أو عدم الرد عليها حتى لو تم محوها فتعود لكم أكبر بمدونات وكلمات مطبوعة بإلإيميلات وتعابير جلدت  عن الذات أتذكرين يا حلوتي حين كنت تكتبين أجمل القصائد بالقلم وأرق الكلمات بالقلم لقد أصبح هذا الجهاز اللعين يحجبك عن الكلام الجميل وأصبح قطعة هامة بحياتك مع مجموعة جمادات ترافقه تسمى الماوس والدسكتوب والبورد والفلاش ميموري وغيرها كلهم عوازل بيني وبينك كي لا يكون الفكر صافياً نقياً ويكون التعبير بالكلمات مثل اللالا النفيسة عذباً راقياً حلواً ،،وأضاف وكأنه شيخ كبير ناصح وقال لي :عودي يا صغيرتي إلى الأيام الخوالي واقراي  الكتب القديمة وشاهدي أروع الكتابات المدونة بكتابات عظماء رحلوا عن الدنيا وتعمقي في جمال انتقاء الكلمات التي كانت تخط بالأقلام الراقية الأقلام المصنوعة من الريش المرهف والحبر الصافي غير الكيماوي الذي يسبب السرطانات للفكر والجسم والوجدان ثم عاد الصوت الخفي يدوي بأعماقي لصمته وتركني حائرة وصامتة مثله أعاود في وجداني مراجعة ما ذكرني به وصدى كلماته في أعماقي وجلدتني  ذاتي وعاتبتني وقالت لي نسيت تلك القصص المدونة بدفاترك القديمة و قصائدك الأخيرة إلى قمرك وإلى فارس أحلامك الذي كان يزوروك كل ليلة لكنه هجرك لأنك أصبحت مدمنة على الكمبيوتر وعشقت جماداً ونسيت الأصدقاء والناس وصاحبت النت وداومت على إرسال الإيماءات بالبريد الإلكتروني  إلى مئات المدونات التي تقف بوجهك يومياً تجبرك على الرد كي لا يتكرر الإرسال لنفس البريد  والرسائل مرة أخرى لتعود  لك ،،بقيت شاردة الذهن أنظر بشرود عميق فيما نطق به هذا القلم الذي تجرأ وأيقظ النائم في أعماقي ولم يجعلني أرد عليه لأدافع عن ذاتي وعن كل التغيرات في نمط حياتنا المعاصرة المعقدة ولم يجعلني حتى أن أنظر إليه معجبة أو غاضبة أو حتى متلعثمة ذلك لأني  خجلة من بعض ما قال فأنا حقاً هجرته وتراكمت الأقلام على مكتبي دون استعمال مني وأصبح القلم بالنسبة لي ولغيري ذكرى أو هدية أو رمزأ أو أداة فقط للتوقيع على شيك أو على معاملة حكومية وحتى لتوقيع كتاب لم يخط بقلم كاتبه ومؤلفه بل طبع ودون على الكمبيوتر الوحش المسيطر على حياتنا ،،وأدركت فعلاً أن أصالة الأقلام غابت في معركة المعاصرة والتطور التقني وصحوت من غفوتي وأنا يقظة أمام الورق والقلم وجهاز الحاسوب مضيئا يعاتبني لأني أخاطب  القلم ونسيته  ،،وعدت إلى القلم أحدثه بعد شرودي الطويل وحملته بيدي وقبلته كي أراضيه وأطيب خاطره ،،ضعف هو الآخر أمام لمساتي الأنثوية وانحنى فما تمالكت نفسي وتملكت القلم بين أصابعي واحتضنته طويلاً وكتبت به بأحرف أولى وثانية وثالثة بكل أنواع الخطوط العربية المعروفة الكوفي والأندلسي وغيرها كلمة واحدة جعلته يذوب بين يدي ويعود لمطر يهطل علي ورقي بحبره الاصطناعي الذي أذعن لفكري وسمح لي التعبير عن رأيي وأفكاري به ،فكتبت كل ما بخاطري و بكل اللغات كتبت له قصيدة وقصة ورواية ونظمت شعرا جميعها بعنوان واحد هو أحبك يا قلمي أحبك دوما  ولن أهجرك أبدا وواصل مذعنا لرغباتي بتدفق للحبر على الورق الأبيض بكل سخاء وعطاء لأكمل قصتي معه كي يستمتع القراء بها ويعرفون قيمة الأقلام التقليدية ويحاولون أن لا يركونها وينسونها بظل أدوات التقنيات المعاصرة ،وكأنها حفلة تصالح حلت بي بين القلم وورقي ويدي فكتبت وأجزلت بالكتابة وأرسلت أشواقي إلى قلم غير متمرد أصبح جزء من أدواتي التي ترافقني في حلي وترحالي والتي لا يمكن الاستغناء عنها أبدا في حياتي وإن تطورت التقنيات بأن تجعلني أستخدم آخر أدوات تقنية حديثة في الكتابة فلن يكون للقلم بديلا أبدا