الأديبة والكاتبة الصحفية: أمان السيد - سوريا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

حين رأيت السحلية تسرح على نافذتي قريبة من سريري بدأت أرتجف، ومنذ ذلك اليوم، واأنا لا أستطيع النوم قبل تفقد النافذة، وقبل تحريك الستارة، وقبل سدّ أي منفذ في النافذة أتوقع أنها  قد دخلت منه..
في كل يوم يزداد شعور الخوف هذا لدي.. أترك الضوء خفيفا منارا في الليل، وأنا التي لم تعتد النوم إلا في ظلمة تامة.. عندما أدوس على الحشائش القريبة من باب سيارتي تصيبني قشعريرة، وأحس أن عيني تتفحصان مكان دوسهما بدقة قبل أن تلامسا العشب..
هذا البيت المسبق الصنع الذي أقطنه بات يشعرني بالقلق عندما علمت أنه محاط بالخشب لا بالحجارة الصلبة..
عودت نفسي أن أخرج في الضوء، وأعود قبل أن يسلم النور قياده للظلمة، وحين  أستمع إلى ما يقوله لي أصدقائي ممن يعيشون في أستراليا عن أني يجب أن أعتاد على الحشرات لأنني هنا في بلاد الغابات والمياه المحيطة بها من كل جانب أحرص أن أتأمل وجوههم، وهم يتحدثون بلطف عن السحلية ذات اللسان الأزرق التي سبق أن صادفتها، وأنا ألتفت بظهري لأتجاوز عتبة البيت أريد الدخول، فرأيت ما يشبه تمساحا صغيرا يحدق بي  تحت العتبة، فأتسمر في مكاني، والرعب يملؤني حيال مخلوق لا أعرف ما هو، ولا من أين نبت، ولا كيف أتصرف حياله، ولا  كونه يعتبر لطيفا وجالبا للحظ في معتقدات من يقطنون هذه القارة..
أتذكر كيف أخذت بالصراخ رغم أني في قرارة نفسي كنت أعيش حالتين متناقضتين تجاه هذا الكائن الغريب الذي كان ينظر إلي بتحبب، ولكن جهلي به جعلني أصرخ طالبة النجدة، ولا أظنني إلا سأكرر ردة الفعل لو فاجأني ثانية..
حالة من الهشاشة أعيشها، وأنا المستجدّ بالمكان أستغرب ضعفي معها، والمشاعر التي ترافقني، وتطغى أحيانا على حبي وانبهاري بالخضرة، وبمساكب الجمال حولي أينما تنقلت وتحركت..
أسائل نفسي.. هل هو اللجوء الذي أحمله في ذاكرتي المضناة كجواز سفر، ولم أشعر به في مكان آخر قبل أحداث بلادي، أم هو الخوف من المجهول حولي بدءا باللسان، فيكون حالي كحال المتنبي غريب الوجه واليد واللسان في شعب بوان؟
ما تفسير أني  حين أستعيد طفولتي أرى واقعي يتأرجح بين مشهدين متقابلين، فقد سبق وترعرت في بيت يلاصق الأرض، ويحيط به بستان كبير وارف الخضرة متنوع الشجر مستنسخ مما أراه هنا، لكن البيت كان حجريا قويا، لم أكن أخشى من أن تخترقه دويبة، ولا دابة، وكانت  السحلية التي كنا نسميها هناك "حية الشمس" تتجول قريبا مني وأنا أجلس على شرفتي أقرأ ولم أذكر مرة أني حاولت قتلها، ولا القفز من وجهها كما أفعل هنا، كما أن نوعا من الزواحف كنا نلقبه بـ " أبو بريص" كان يقضي ليلته يتأملنا من سقف  حجرتنا، ونحن نستمتع بنوم هانئ، وبأحلام  ليلكية..
لكنه  سقف البيت.. هناك، كان عاليا في بيوت الوطن، لا كهذه البيوت الضعيفة ذات السقوف الوطيئة..
كم كانت لنا سهرات، وإخوتي في ضوء القمر في ظلال أشجار تسترخي في حديقتنا بوداعة رغم معرفتنا أن أبي في صحوة اليوم كان قد طارد أفعى وقتلها، وكم من مرة رأيت أمي ابنة المدينة تلف صغار الديدان، أو الأفاعي بالفأس دون أن يصيبها الرعب..
لم يكن للخوف في قاموسنا موطئ طريق، لكنه اليوم يجللني كبيرة، ويجعلني أحتكم معه إلى قناعة أثق بصدقها..
حين يؤوينا الوطن عرابيد الساحات نكون، وحين تلفظنا الأوطان نتحول إلى خفافيش مقصوصة الأجنحة  لا تعرف على أي  الجدران الكسيرة ستتكئ..