المحامي: عبدالله الشملاوي - البحرين - " وكالة أخبار المرأة "

ثانياً - العول: العول لغة هو الزيادة أو النقصان، وهو يجري مجرى الأضداد. وإنما دخل هذا الاسم في الفرائض في الموضوع الذي ينقص فيه المال عن السهام المفروضة فيه، فيدخل ها هنا النقصان، ويمكن أن يكون دخوله لأجل الزيادة؛ لأن السهام زادت على مبلغ المال. فالعول إذا أضيف إلى المال كان نقصانًا، وإذا أضيف إلى السهام كان زيادة. فالعول هو أن تنقص التركة عن السهام أو أن تزيد السهام على التركة، ولا يتحقق إلا بوجود أحد الزوجين، كما لو ترك الميت زوجة وأبوين وبنتين. ففرض الزوجة الثمن، وفرض الأبوين الثلث وفرض البنتين الثلثين. والتركة لا تتسع للثمن والثلث والثلثين. وكذا لو ماتت امرأة وتركت زوجا وأختين لأب، فإن فرض الزوج النصف، وفرض الأختين الثلثان. ولا تحتمل الفريضة نصفا وثلثين(6 الشيخ محمد أبو زهرة - الميراث عند الإمامية).
واختلفوا: في دخول النقص، والحال هذه، على كل واحد من أصحاب الفروض، أو على بعض دون بعض.
فقال الأئمة الأربعة بالعول، أي بدخول النقص على كل واحد بقدر فرضه تماماً كأصحاب الديون إذا ضاق المال عن حقهم فيكون قسمة غرماء بينهم، فإذا وجدت زوجة مع أبوين وبنتين تكون المسألة من مسائل العول: وتصبح الفريضة من سبعة وعشرين سهماً بعد أن كانت أربعة وعشرين، فتأخذ الزوجة من السبعة والعشرين ثلاثة أسهم، ليصبح ثمنها تسعاً، ويأخذ الأبوان منها ثمانية أسهم والبنات ستة عشر سهما.
وقال الإمامية بعدم العول، وبقاء الفريضة كما كانت أربعة وعشرين سهما، ويدخل النقص على البنتين، فتأخذ الزوجة ثمنها كاملا3/24، ويأخذ الأبوان 8/24، والباقي للبنتين.
واستدل الأئمة الأربعة على صحة العول ودخول النقص على الجميع بان امرأة ماتت في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)، عن زوج وأختين لأب، فجمع الصحابة، وقال: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين الثلثان، وان بدأت بالأختين لم يبق للزوج النصف، فأشيروا علي ( 7 المحقق الحلي- شرائع الإسلام) .
وأشار عليه بعض الصحابة بالعول، وإدخال النقص في الأنصبة على الجميع، وأنكر ذلك عبدالله بن عباس (رض)، وبالغ في الإنكار، لكن الخليفة عمر لم يأخذ بقول ابن عباس، وعمل بقول الآخرين، وقال للورثة: ما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن اقسمه عليكم بالحصص. فعمر بن الخطاب (رض) إذن هو أول من أعال الفرائض وتبعه جمهور المسلمين، وخالفهم الإمامية الذين استدلوا على بطلان العول بقولهم إنه من المستحيل على الله سبحانه أن يجعل المال نصفا وثلثين، أو ثمنا وثلثا وثلثين، لما في ذلك من الجهل أو العبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ولذا نقل عن الإمام علي وتلميذه عبدالله بن عباس أنهما قالا: إن الذي أحصى رمال عالج (وهي وادي عرفة)، ليعلم أن السهام لا تعول على الستة، أي لا تزيد على الستة المقدرة في كتاب الله، وهي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس أخذا من قوله تعالى: «وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا» (الجن: 28).
ونقص الأنصبة في هذه المسألة عند الإمامية يدخل دائما على البنات والأخوات دون الأزواج والأبوين؛ لأن البنات والأخوات لهن فرض واحد، ولا يهبطن من فرض أعلى إلى فرض أدنى، فيرثن بالفرض مع عدم وجود الذكر، وبالقرابة مع وجوده. وقد يكون لهن معه دون ما كان لهن منفردات. أما الزوج فيهبط من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، ويرث الأب السدس بالفرض في بعض الحالات، وكل واحد من هؤلاء لا ينقص عن فرضه الأدنى، ولا يُزيله عنه شيء، فلدى الاجتماع يقدم ويبدأ به، وما بقي تأخذه البنات أو الأخوات.
ونقل الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه «الميراث عند الجعفرية» قول ابن شهاب الزهري: «لولا تقدم فتوى الإمام العادل عمر بن الخطاب على فتوى ابن عباس لكان ابن عباس جديرًا بأن يتبعه كل أهل العلم ويصادف الاجتماع عليه». وإن الإمامية قد اختاروا رأي ابن عباس رضي الله عنهما، وإنه لفقه جيد، كما أشار إلى ذلك ابن شهاب الزهري» (8) (الشيخ محمد مغنية- الفقه على المذاهب الخمسة).
ثالثاً - الحجب: الحجب لغة هو المنع. والمراد من الحجب في الميراث أن يمنع شخص شخصاً آخر من الإرث كلا أو بعضا، فانه كان الحاجب سبباً لمنع المحجوب عن أصل الميراث، سمي حجب حرمان، كحرمان الجد كلية بسبب وجود الأب. وإذا كان الحاجب سبباً للمنع من النصيب لا من أصل الإرث سمي حجب نقصان، كحرمان الزوج مما زاد على الربع بسبب وجود الولد (يوسف الفقيه - الأحوال الشخصية).
واتفق الفقهاء على أن الأبوين والأولاد والزوجين لا يحجبون حجب حرمان، وأنهم متى وجدوا أخذوا حظهم من الميراث، لا يمنعهم عنه مانع ؛ لأنهم أقرب الجميع إلى الميت بلا واسطة، وغيرهم يتقرب به بالواسطة. واتفقوا على أن الابن يمنع الإخوة والأخوات من الميراث، وبالأولى الأعمام والأخوال، ولا يمنع الابن الجد لأب، ولا الجدة لأم عند الأئمة الأربعة، وابن الابن كالابن عند فقد الابن، يرث، ويحجب كما يحجب.
واتفقوا على أن الأب يمنع الإخوة والأخوات من الميراث، ويمنع الجد للأب أيضاً، أما الجدة لأم فإنها تشترك مع الأب، وتأخذ مع الجد لأب أيضًا.
أما الجدة لأم فأنها تشترك مع الأب، وتأخذ معه السدس حال عدم وجود الأم - عند الجمهور- وتشترك الجدة لأب مع الأب، أي مع ابنها عند الحنابلة. وقال الشافعية والحنفية والمالكية: لا تأخذ معه شيئاً؛ لأنها محجوبة).
وقال الإمامية: الأب كالابن لا يرث معه الأجداد ولا الجدات من جميع الجهات؛ لأنهم من المرتبة الثانية، والأب من المرتبة الأولى من مراتب الميراث، وقال الأئمة الأربعة: إن الأم تحجب الجدات من جميع الجهات (الشيخ علي المبارك - الميراث أصوله وأسبابه _ ج 1 ص 13 وما بعدها)، ولا تحجب الأجداد ولا الإخوة والأخوات، ولا العمومة لأبوين أو لأب، فان هؤلاء يشتركون معها في أصل الميراث.
وقال الإمامية: الأم كالأب تمنع الأجداد والجدات، والإخوة والأخوات من جميع الجهات.
وقال الأئمة الأربعة: البنت لا تحجب ابن الابن : وان البنتين فأكثر يحجبن بنات الابن إلا إذا كان مع بنات الابن ذكر، أما البنت الواحدة فلا تحجب بنات الابن، والبنت الواحدة والبنات يحجبن الإخوة لأم.
وقال الإمامية: البنت كالابن، تحجب أولاد الأولاد ذكورًا وإناثًا وبالأولى الإخوة والأخوات.
واتفقوا على أن كلا من الجد والأخ يحجب الأعمام، وأن الولد ذكرا كان أو أنثى يحجب الزوج من النصف إلى الربع، والزوجة من الربع إلى الثمن، واختلفوا في أقل ما يحجب الأم من الثلث إلى السدس.
وقال المالكية: أقل ما يحجبها عن الثلث اثنان من الإخوة، وقال الحنفية والشافعية والحنابلة، اثنان من الإخوة أو الأخوات .
وقال الإمامية : لا يحجب الإخوة الأم إلا بشروط:
1 - أن يكونا أخوين أو أخا وأختين أو أربع أخوات. والخناثى كالإناث.
2 - أن يكون الأب موجوداً.
3 - أن يكونوا إخوة الميت لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط.
4 - أن يكونا منفصلين، فلو كانوا حملا لم يحجبوا.
5 - أن يكونوا أحياء، فلو كان بعضهم ميتا لم يحجب.
وعلى الجملة فالفرق بين المذاهب الأربعة، والإمامية أن الأمامية يقدمون الأقرب على من دونه في القرابة، سواء أكان من صنفه كتقديم الولد على الحفيد، وتقديم الأب على الجد، أم كان من صنف آخر كتقديم ولد الوالد على الإخوة. وقالوا إن من يتقرب بالأبوين يمنع العم لأب. وكذلك الخالة. ولا يمنع المتقرب بالأبوين من الأعمام المتقرب بالأب فقط من الأخوال لاختلاف الحيز. ولا فرق عند الأمامية بين الذكور والإناث في استحقاق الميراث الذي هو لغة ولاية؛عملا بقاعدة الأولوية الواردة في قوله تعالى: «وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله...» (الأحزاب: 6) وقول المصطفى (ص) الأقربون أولى بالمعروف، فكما أن أولاد الأولاد يقومون مقام الأولاد عند فقدهم، كذلك أولاد الإخوة والأخوات يقومون مقام آبائهم عند فقدهم وذلك متفرع عن عدم قولهم بالتعصيب بخلاف الجمهور الذين أخذوا به.
والمذاهب الأربعة يقولون بقاعدة الأقرب بشرط الاتحاد في الصنف، أي أن الأقرب يمنع القريب الذي يدلي به، ماعدا إخوة الأم فإنهم لا يحجبون بالأم التي يتقربون بها، وكذا أم الجدة فإنها ترث مع الجدة، أي مع ابنتها. أما إذا أدلى بغيره فلا، كالأب فإنه يمنع الجد، ولا يمنع الجدة لأم وكالأم فإنها تمنع الجدة لأم ولا تمنع الجد لأب. وعمومة الميت يقدمون على عمومة أب الميت، وكذلك أجداد الميت يقدمون على أجداد أبيه، والجدة القربى تمنع الجدة البعدى، كل ذلك لقاعدة الأقرب. ويفرقون بين الذكور والإناث، فإخوة الميت يرثون مع بناته، ولا يرثون مع أبنائه، وهو فرع من التعصيب، وكذلك أولاد الإخوة عندهم لا يشاركون الأجداد. على عكس ما هو عليه الإمامية القائلين بعدم ثبوت التعصيب لعدم ثبوت دليله عندهم وجريا على قاعدة القربى أو الأولوية كما تسمى أحيانا.
رابعاً - الرد: لا يتحقق الرد إلا مع أصحاب الفروض؛ لأن سهامهم مقدرة ومحددة، وقد تستغرق جميع التركة، كأبوين وبنتين. فللأبوين الثلث وللبنتين الثلثان. وقد لا تستغرقها كبنت وأم، فللبنت النصف، وللأم السدس ويبقى الثلث فماذا نصنع به، وعلى من نرده؟، أما إذا لم يكن للورثة سهام مقدرة كالإخوة والأعمام الذين يرثون بغير الفرض فلا يتأتي الرد.
وقد قال الأئمة الأربعة إن ما زاد عن أصحاب الفروض يُعطي للعصبة، فإذا كانت للميت بنتٌ واحدة أخذت النصف، والباقي لأبيه فإن لم يكن فللأخوات لأبوين أو لأب، لأنهن عُصبة مع البنت، فان لم يكن فلابن الأخ لأبوين، فإن لم يكن فلابن الأخ لأب، فالعم لأبوين، فالعم لأب فابن العم لأب، فإن فقد هؤلاء جميعًا رد الفاضل على ذوي الفروض بقدر سهامهم إلا الزوج والزوجة فلا يُردُ عليهما. ومثال ذلك إذ ترك الميت أما وبنتا، فللام السدس وللبنت النصف فرضاً، والباقي يرد عليهما أرباعا، وتكون الفريضة من أربعة، والربع للأم وثلاثة أرباع للبنت، وكذلك إذا ترك أختًا لأب، وأختًا لأم، أخذت الأولى سهم البنت، والثانية سهم الأم.
وقال الشافعية والمالكية: إذا لم يكن ذا عصبة يعطى الفاضل عن ذوي الفروض لبيت المال.
وقال الإمامية: برد الفاضل على ذي الفرض بحسب سهمه إذا لم يوجد قريب في مرتبته، أما إذا وجد فيأخذ ذو الفرض فرضه، والباقي للقريب كالأم والأب، فتأخذ الأم نصيبها المفروض والباقي للأب، وإذا وجد ذو الفرض أعطي فرضه، والباقي للقريب، كالأم والأب، فتأخذ الأم نصيبها المفروض والباقي للأب، وإذاوجد ذو الفرض مع من هو في غير مرتبته من الأقارب أخذ ذو الفرض فرضه، ورد الباقي عليه، كأم وأخ، فللام الثلث بالفرض، والباقي يرد عليها، ولا شيء للأخ، لأنه من المرتبة الثانية، وهي من الأولى. وكذلك الأخت لأب مع العم، فترث الأخت النصف فرضا والنصف الثاني ردا. ولا شيء للعم؛ لأنه من المرتبة الثالثة، وهي من الثانية فتحجبه حجب حرمان (الشيخ أحمد إبراهيم بيك – التركة والحقوق المتعلقة بها _ ص 175).
والإمامية لا يردون على ولِدْ الأم إذا اجتمعوا مع ولد الأب، فإذا ترك الميت أختًا لأم، وأختا لأب، فللأولى السدس، والثانية النصف، والباقي يرد عليها دون الأخت لأم. ويُردُ على ولد الأم إذا لم يكن غيرهم في مرتبتهم، كما لو ترك الميت أختًا لأم وعما لأب، فالمال كله لها دونه، لأنه مرتبة ثالثة، وهي مرتبة ثانية.
ولا يرد الأمامية كذلك على الأم مع وجود من يحجبها عما زاد عن السدس، فلو كان للميت بنت وأبوان، وإخوة يحجبونها عن الثلث، فالباقي يرد على الأب والبنت فقط، وإذا لم يوجد من يحجبها رد الباقي على الأقرب والبنت والأم على حسب سهامهم، وكل ذلك فروع من قاعدة القربى.