الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

مسعودة، واحدة من النساء الجزائريات اللواتي يمتلكن شهرة واسعة في مجال خياطة فساتين تقليدية للعرائس. وهي من اللواتي استطعن الولوج إلى عالم الأعمال بطرق بسيطة دون الخروج من المنزل. تقول مسعودة لـ”العربي الجديد”: “مكّنتني هذه الحرفة من تحقيق استقرار مالي لعائلتي، دون الخروج من المنزل، لكنها سلبتني صحتي، لأن العمل اليدوي متعب جداً، ويحتاج إلى جهد عضلي كبير”.
حوّلت العديد من الجزائريات بيوتهن إلى ورش صغيرة لإنتاج مختلف أنواع المأكولات التقليدية، وحلويات الأعراس والحفلات. اشتهرت بعضهن بالخياطة والتطريز وصناعة الأغطية، وكل ما له علاقة بالنسيج والجلود. فيما أخريات تخصصن بصناعة الاكسسوارات التي تستعمل في الزينة والديكور. بينما تقوم فئة أخرى من النساء في المناطق الريفية بصناعة الأواني الفخارية وتربية الدواجن والنحل.
تعتمد النسوة في تسويق الإنتاج على العلاقات الخاصة، كالأقارب وبعض المعارف، أو عن طريق التعاقد مع أصحاب المحال لبيع المنتجات، وفق ما يصرحن لـ”العربي الجديد”. في حين انتقلت أخريات إلى الترويج لسلعهن عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفي المعارض والصالونات التي تعتبر فرصة ذهبية لهن من أجل كسب الشهرة.
فتيحة، امرأة مطلقة وأم لثلاثة أطفال، تقول لـ”العربي الجديد”: “بدأت بصناعة العجائن لإعالة أبنائي، ثم انتقلت لصناعة الحلويات. إنها تجارة، فيها الربح والخسارة. أحياناً تكون المنتجات معرضة للتلف، وأحياناً يتراجع الزبائن عن أخذ الكمية المطلوبة، وهنا تبدأ المشاكل”.
تشهد هذه المنتجات إقبالاً لافتاً، بحسب سمير القصوري، نائب الأمين العام للمنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، ويقول: “يثق المستهلك الجزائري بالمنتجات المنزلية، لأنها تحضّر بناءً على طلبه، ومن طرف امرأة يعرفها، إما بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق المعارف. وبالتالي يضمن جودة المنتج”، مشيراً إلى أن ذلك يسمى التجارة بالثقة، فالترويج يكون عن طريق الأشخاص الذين سبق وجربوا هذا المنتج. ومع هذا، يعتبر سمير القصوري عامل الثقة غير كاف، ويوضح أنه “من الناحية القانونية، يجب أن يخضع هذا الاقتصاد إلى التأطير. لأن أي منتج يقدم للمستهلك، ينبغي أن يحمل وسماً يتضمّن المعلومات الخاصة بالمنتج، وعنوانه ومركّبات المنتج، يتم استخدامها في حال حدوث تسمّم مثلاً أو وجود شكوى، لأننا نعمل بشعار كل مجهول خطر”.
ولا ينحصر العمل المنزلي بالنساء من المستوى التعليمي المحدود، وإنما يعتبر مقصداً لحاملات الشهادات الجامعية، بعد خضوعهن لبرامج تكوين مهني في إحدى الحرف. وهي الشهادة التي تسمح لهن بالحصول على قروض تراوح ما بين 250 و850 دولاراً، من قبل الوكالة الوطنية للقرض المصغّر، التي تقدم قروضا لشراء أجهزة ومعدات أولية لازمة للمشروع، مثل ماكينات الخياطة أو الأجهزة الإلكترونية من أجل صناعة الحلويات أو اقتناء المواد الأولية الضرورية للحرفيات وأصحاب المهن اليدوية والتقليدية. وذلك للمساهمة في خلق أنشطة منزلية متعلقة بالصناعات التقليدية على اختلافها، التي تساعد في تحقيق مداخيل إضافية لتحسين المستوى المعيشي للعائلة.
يؤكد رضا يايسي، رئيس الفيدرالية الجزائرية للحرفيين والصناعات التقليدية، أن 10% من الأسر الجزائرية منتجة للحرف المنزلية، وتتمركز هذه الأسر بنسبة كبيرة في المدن الصغيرة والقرى. ويعتبر أن هذه النسبة مرتفعة بالنظر إلى العدد الكبير للحرفيين. ويقول: “يقدّر عدد الحرفيين في العاصمة وحدها بنحو 17 ألف حرفي، وبعملية حسابية بسيطة، يتضح أن عدداً جيداً منهم يعمل من البيت”.
الرواج الذي يعرفه “الاقتصاد المنزلي”، لم يعد أمراً حتمياً لا مفر منه، وإنما تحوّل إلى خيار استراتيجي تفضّله الكثيرات رغم قدرتهن على فتح ورش عمل مستقلة أو محلات تجارية، وذلك نتيجة الامتيازات التي يتمتع بها “الاقتصاد المنزلي”. فهو يوفر إلى جانب مصاريف الإيجار والضرائب وإجراءات الحصول على السجل التجاري واليد العاملة، بعض الوقت الإضافي لبقاء النساء مع أولادهن، وخصوصاً الرضّع منهم.
يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول: “تفيد الدراسات والأبحاث بوجود 25% فقط من المتزوجات ممّن يمتلكن عملاً، بينما 72% من العاملات في الجزائر غير راضيات عن عملهن ويسعين إلى إيجاد فرصة عمل أفضل”. تعتبر مريم نموذجا لهذه الفئة، فهي تحمل شهادة جامعية في المحاسبة، وعملت في مكتب محام بأجر زهيد، قبل أن تتركه وتتجه إلى العمل في مجال الخياطة. وتقول: “مكّنني هذا العمل من الاستفادة من القرض وتحقيق مدخول جيد، وتجهيز نفسي من أجل الزفاف. إنه أفضل من الاستغلال الذي كنت أعاني منه سابقاً”. هذا الواقع جعل النساء يتخذن من بيوتهن ورشات للعمل، كما يؤكد عبد الرحمن مبتول، ويقول: “القليل من الجزائريات فقط يمتلكن عملاً، بينما الأغلبية هن ربات بيوت يمتهنَّ الأنشطة التقليدية واليدوية وينحصر عملهن في المنتوجات المنزلية”.