الكاتبة الصحفية: سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

إلى ذلك الذي هو  جزء من وجودك:
ربما يكون أب أو أم، ربما يكون زوج أو صديق، ربما يكون أي شخص يسير بلا أهمية وبلا ذكرى وبلا ملامح بالنسبة لمن يسير بجواره في الشارع ولكنه جزء من وجودك. فإلى ذلك الشخص بكل أهميته وتأثيره وإرتباطك به.
لكي تعرف عمق العلاقة مع الآخر لابد من كتابة رسالة أخيرة له وكأنك لن تراه بعد الآن، وهذه الرسالة بسطورها القليلة سوف تكون صادقة، عميقة، مؤلمة أو سعيدة ولكن الأهم من كل هذا بأنها سوف تخبرك في نهاية سطورها بحقيقة العلاقة التي تربطك بالآخر؛ هل هي علاقة صحية وجميلة أم هي علاقة مؤلمة ومشوهه للروح والمشاعر؛ سوف تخبرك أيضاً ماذا تقدم لك هذه العلاقة وماذا تأخذ منك بل وماذا تسلبك.
ولكن من منا يملك جرأة كتابة رسالة أخيرة بكل ما بها من مواجهة للنفس قبل مواجهة الآخر، فمواجهة النفس تستدعي كل الجرأة والنضج والإعتراف بالخطأ والمطالبة بالحقوق أو التنازل عنها، وتتضمن كذلك التعدي على الحدود التي تفصلك بالآخر.
ولكن لماذا لابد من كتابة رسالة أخيرة؟ لأننا لا نستطيع أن نقرأ أفكارنا، بينما يمكننا قراءة أفكار الآخر، لأن أفكارنا تختلط بمشاعرنا، برغباتنا، بغضبنا أو بلهفتنا للمشاعر، وربما بنفورنا من أشياء وقبولنا لأخرى، فقط رسالة أخيرة تقدم لنا خلاصة أفكارنا بحيايدة وبموضوعية بسيطة تتآلف مع مشاعرنا المتضاربة. هناك من يملك قدرة قراءة أفكاره وهي فئة نادرة من البشر فهموا أنفسهم بعمق، وتأملوا بالحياة بعمق أكبر إلى درجة عدم الإحتياج لما يفكر به الآخرون ولما يشعرون به؛ يسيرون في الحياة بصمت وبذات الوقت بحديث متواصل مع الذات ومع الوجود وربما من ضمنهم الفلاسفة والمفكرون. لكن الشخص العادي يحتاج لكتابة رسالة أخيرة في ليلة هادئة لا يكون بها سوى هو وقلمه وورقة بيضاء؛ يكتب بها للآخر الذي يهتم به، للآخر الذي يشاركه حياته، للآخر الذي يحتل مشاعره وأفكاره، للآخر الذي يغيب عن النظر ولكنه حاضر في كل الوجود؛ يكتب رسالته ليس لأنه بحاجة لأن يكتب بل بحاجة لأن يفهم ما هي هذه العلاقة؛ تماماً مثل علم الجغرافيا الذي يرسم التضاريس الموجودة على الأرض، الخريطة لا تُوجد التضاريس  ولكنها ترسمها، توضح حدودها وأبعادها ومساحاتها، ونحن نحتاج لتوضيح الأبعاد والمساحات لعلاقتنا بالآخر ، خصوصاً ذلك الآخر الذي يشكل جزء هام من حياتنا.
قد يكون الآخر مراً مؤلماً وقاسياً وقد يكون عذباً ورائعاً، وفي كل الأحوال لا يهتم من يرسم الخريطة إن كان ما يرسمه لجبل أو لسهل ، فهو يرسمه ليعرف الحدود.
وحين يتقن كل منا كتابة رسالة أخيرة لذلك الآخر بكل حقيقة شعوره، وحين يكتب بكلماته الخاصة كل ملامح هذه العلاقة، ففي نهاية الرسالة لن تكون هذه العلاقة مثلما كانت قبل كتابة الرسالة الأخيرة؛ لأننا سوف نرى جميع الأبعاد والمسافات، سوف نرى إن كنا على حدود الصحراء أو في وسط الواحات، سوف نرى إن كنا نتسلق جبلاً أو ننحدر نحو سهلاً، سوف نرى إن كان ما أمامنا نهراً أم سراباً. فمن يمتلك الجرأة بأن يكتب رسالته الأخيرة لعلاقته مع الآخر كأنه سوف يراه للمرة الأخيرة! ومن منا حين يكتب رسالته سوف يغير من تضاريس شاقة لن يصل بها إلا إلى المزيد من التعب واللاجدوى. رسالة أخيرة، فعلياً لا تكتبها للآخر ولكن لذاتك التي تتحايل عليها كي تستمر على قيد الوجود، رسالة أخيرة تتواصل بها فعلاً من نفسك العميقة والتي تتجاهل نظراتها المتعبة في كل يوم، رسالة أخيرة تقرر حين تنتهي من كتابتها بأن هناك شيء ما لابد أن يتغير، بأنه لا يمكن الإستمرار في الحياة وأنت تدفع الصندوق الصديء للأمام على طريق صخري لا يمكن تعبيده؛ رسالة أخيرة تعترف بها لنفسك بأنه من حقك أن تتعب، وأن ترفض، أن تعلن الحب أو الكره، أن تختار مع من تكون أو مع من لا تريد أن تكون؛ وأن تتوقف عن صعود الجبل الوعر، أو تتوقف عن المحاولة المستميتة لمن لا يراك ولا يشعر بك، وأن تعود أدراجك نحو سهلٍ رحب ونحو جدولٍ صغير ترتوي بماءه العذب وتجلس بظل شجرة خضراء تراقب الوجود بلا عناء وتعلم وتدرك وتفهم بأن أروع ما بهذا الوجود هو تقوى الله ، وأن كل علاقات البشر إن لم تكن بالمحبة لله وبتقوى الله سوف تبقى ركض محموم وعبثي لإرضاء الآخر، وأن تكون آخر كلمات الرسالة الأخيرة :
 (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)