الدكتورة: علياء ابراهيم محمود - مصر - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لماذا تسمح بعض الأسر بزواج بناتها القاصرات من رجال مسنين؟ لماذا يوافق الأب أو الأم أن يلقيا بابنتهما ــ التي تزين ضفائرها البريئة رأسها ولا تزال تفكر في القفز واللعب بالدمية ــ في أحضان رجل نهل من الحياة عبر سنوات عمره الطويلة ما نهل؟ والأغرب؛ لماذا توافق بعض الفتيات على هذا الرجل المسنّ العجوز، في الوقت الذي يجب أن تحلم بفارس أحلام شاب فتيّ؟! ولماذا يلهث رجل مسن يعيش خريف عمره للزواج من زهرة صغيرة تهفو إلى الحياة؟ هل الأسباب ترتبط ــ فقط ــ بسوء الأحوال الاقتصادية، أم أن الأمر يتعلق بالجوانب الاجتماعية والمناخ الثقافي والوعي الديني؟.. أسئلة كثيرة تطرح نفسها عند مناقشة موضوع زواج القاصرات من مسنين، الذي تشهده بعض المناطق في مختلف أنحاء الوطن العربي، خاصة بعد حوادث تتصدر الصحف بين آونة وأخرى عن وفاة الطفلة العروس ليلة زفافها!
لا شك في أن سوء الأوضاع الاقتصادية لأسرة الفتاة، خاصة في البيئات التي تعاني من الجهل والأمية، يؤدي إلى اضطرار الأسرة للجوء إلى تزويجها برجل طاعن في السن؛ طمعاً في ثرائه، للتخلص من حالة الفقر المدقع التي تعاني منها الأسرة.
كذلك ارتفاع معدلات الأمية، والتسرب من التعليم، اللذين يعاني منهما العديد من الأسر في الدول العربية، خاصة في الطبقات الفقيرة والأقل من المتوسطة، وهو ما يسهّل وجود فكرة الزواج المبكر عموماً، أيّاً كان عمر الفتاة، وبالتالي تزداد معه فكرة الزواج بكبار السن. والويل كل الويل للفتاة التي لم تنل حظها من الجمال، أو شاء الله أن تصاب بإعاقة جسدية، أو خلل في أحد أفراد الأسرة الذي يتنصل من المسؤولية عنها بتزويجها من مسنّ، وربما يكون فقيراً، من أجل التخلص منها بأي ثمن، أو بلا أي ثمن.
وقد تلجأ بعض الفتيات بإرادتها المزيفة إلى الإصرار على الزواج بكبار السن بسبب التفكك الأسري، وفقدان الحنان الأبوي، وربما الانبهار بالمستويين المادي والاجتماعي للعريس المسنّ، الذي يحاول أن يستعيد ربيع حياته من خلال فتاة صغيرة. فلا أحد ينكر لجوء بعض الرجال في مرحلة عمرية متقدمة للزواج بفتاة صغيرة نظراً لأنه يسهل تشكيلها في مثل تلك السن، علاوة على المباهاة والفخر اللذين يشعر بهما الرجل في بعض المجتمعات حين يتزوج بفتاة صغيرة السن، ربما تكون في عمر أحفاده.
وفي اعتقادي، إن فقدان بعض الرجال للحنان والعطف والتواصل المستمر من قبل الأبناء، خاصة في حال عدم وجود أمهم – كأن تكون توفيت – يجعله يقع هو نفسه فريسة لأسرة تشجعه على الزواج من ابنتها القاصر، التي تلعب في حالات كثيرة  دور الممرضة، وليس دور الزوجة الحقيقية.
إن مبدأ التكافؤ في الزواج لا خلاف عليه مهما كانت هناك تجارب ناجحة تمثل استثناء للقاعدة، فالزوجة القاصر المغلوبة على أمرها في زيجة من هذه النوعية غالباً ما تبدأ حياتها مكرهة، غير راضية عن تلك الزيجة، أو منبهرة؛ صوّرَ لها خيالها حياة لن تجدها بعد هذا الزواج غير المتكافئ، الذي يعجّ بالعديد من الحواجز التي تزداد ارتفاعاً بمرور الوقت، ففارق العمر، وفارق الخبرة، والنظرة للحياة، والحالات الصحية والجسمانية والعقلية، وغيرها من الفوارق، تضع حائط سد ما بين هذين الزوجين، ويا لها من حياة يعاني فيها الطرفان من أشد حالات الندم ، فكل منهما يرى نفسه ضحية الظروف والندوب التي حاول أن يقطبها بتلك الزيجة غير المتكافئة، وقد ينجب الزوجان أطفالاً لا جريرة لهم كي يعيشوا ما بين عصرين متباعدين عن بعضهما البعض، ليضاف لهما العصر الثالث؛ ألا وهو عصر الأبناء أنفسهم.
عبير الكلمات:"اجتهدْ في أن تقتربَ من نفسكِ، ولا تنتظر الصدفة لتجمعك بها في حوار تتأمل فيه ذاتك."