الكاتبة الصحفية: سعاد سعيود - النمسا - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

امرأةٌ من زجاج، وأخرى من خشب، وأخرى من صخر والبقية يحسبهم المستمع من حديد، احتفلن أمس بعيدٍ سعيد، ببالونات طيّرنها عاليا، فالأمر بات مجرد بالونات ترفع إلى السماء عليها كتب كل عام وأنتِ بخير، ثم يأتي جمهور يأزر النواعم ويصافح يدها مباركا، ويقول: كل عام وأنتِ بخير. ويأتي آخر ليبصق في وجهها ووجه الحفل، ورغم أنه عيد البالونات المتطايرة تحسد عليه بل وترفض من أجله، وتحارب وتلعن إذ تحاط بها الشبهات ويستهزئ بها الأحمق قبل العاقل، وتنصرف لشتمها كل الضمائر الحية والميتة. وكل الأجناس بما فيها أختها. وينقضي العرس وتعود كل واحدة إلى موقدها تضع في القدر بصلا أسال دمعا أزال كحلا حرصت على أن يبقى زمنا على عينيها في هذه الحفلة البهيجة التي لا تخلو من مظاهر الزينة وما تستوجب الحفلات. تدمع عينها حبا فيه الرجل السيّد الذي يلعنها سرا وعلانية رغم التضحيات، ورغم اللقمة التي يأكلها من يديها. أو ربما تدمع أمام مجرد واجب فرضته عليها القبيلة فرضا، فالقِدر قَدرها والمطبخ..أو هكذا صارت مقتنعة بعد فَرْضٍ فُرِض. حتى لو كانت قد تمكنت من أعلى المناصب في الدولة وصارت تحضر الحفلاتْ. تنزوي إلى مكانها الذي أراده لها الذكور لإشباع معدتهم أولا ثم إشباع استبدادهم ثانية إذ لا مكان للفرح عندها برغبتهم حتى لو كان تطييرا لبالونات.. فقد رأيت من الهمز واللمز ما رأيت، وشاهدت من الاستكبار ما شاهدت وقد تتلقفه في الوجهة الأخرى نساء لا تحتفل، ومعارضات للحفل لا يأبهن، وأخريات راضيات بما قدّر لهن. نعم عن المرأة أتحدث وعن عيدها المستورد من أعماق بريطانيا، بعد أن دفعت ثمنه العاملات دما ودمعا وألما، قد ينحرف كل شيء عما نريد، ويأخذ مسارا آخر لا نرضاه لها ولنا، لكننا سنتساءل، لولا التي تضحي هل كان للمرأة أن تحقق ما حققت في استئصال الذكورية وجعل الرجل بدل أن يكون المالك المتحكم في أدق تفاصيلها، صديقا حقيقيا في حياة يتقاسمها اثنان؟ المرأة والرجل كشريكان لا يستغني أحدهما عن الآخر لا مصلحة فحسب بل حبا واحتراما.. لا أقتنع بحفل يؤكل فيه القديد، وتطبخ فيه \" الشخشوخة\" وترقص فيه الغانيات ، بقدر ما أؤمن بحفل يطبخ فيه الكلام، فالكلمة هي الباقية، والمجد للكلام الهادف الذي يحيي الضمائر الميتة وينّمي الأحاسيس، ويبقي المرأة على قيد المحبة، لا للرجل السيّد وإنما للسيّد الرجل ذاك الذي يؤازرها حبا ويحترمها حبا، ويحنو حبا ويقسو حبا أيضا إذا ما قسا. سيكون كلامي مجرد ثرثرة لو أني لم أذكر أسباب اللعنة، وأسباب الرفض من كليهما امرأة ورجل، فقد سبق لي وأن علقت فايسبوكيا على مهرجانات لم يرسم فيها هدف واحد، ولم نر فيها كلمة واحدة توّعي بعيدٍ له أسبابه. إذ كان الحفل مجرّد رقصات تعلوها زغردات فارغة من معانيها، ناقصة من كل نبل المقصدـ إذ لم يكن سوى لقاءٍ للثرثرة تجتمع فيه نون النسوة لتقول : أنا هنا لا غير، دون هدف نبيل تسعى لتحقيقه. هذا النوع من النساء جعل للرجل كل الحق كي يستهزئ وجعل للمرأة كل الحق أن تُستفز لتقف ضدّ بنت جنسها، لأننا أمام أمر أكبر من مجرد لقاء أو تجمّع أو زغردة. إننا أمام ثورة من نوع آخر تسعى إلى الحفاظ على المشعل الذي أوقدت ناره حسيبة يوما، ونفخت فيه وريدة وعُذّبت من أجله جميلة وأحرقت من أجله أخرياتْ... الأسباب تتلخص في ابتعاد المرأة في مثل هذه الاحتفالات عن نبل المقصد وانحرافها عن جوهر العيد الذي دفعت من أجله سيّدات عظيمات حياتهن كي تحقق المرأة ما حققت اليوم حتى لو كانت غربية الجنسية من وراء بحرٍ فرّق بين الأجناس وجعل النفور سيدًا على المحبةِ والتآخي. ... لا عجب أن نرى كلابا وراء القافلة تنبح ، ونحن لا نلتزم بالطريق الذي يخلو من الكلاب.