الكاتبة الصحفية: إيمان أحمد ونوس - سوريا - " وكالة أخبار المرأة "

قالت لها والآه تخنق ما تبقى من روحها:
(كل ما أريده أن أهاجر مع زوجي إلى أوربا كي أحاكمه وأوجه له دعوى اغتصابي..كما أريد أن أوجه لأبي تهمة بيعي وتزويجي دون موافقتي حسب شرع الله.. فهل أستطيع..)!؟
كثيرات هنّ اللواتي قمن بما تحلم به تلك السيدة الصغيرة، اللواتي ما إن حطّت بهن رحلة الهجرة في العديد من بلدان الغرب التي قصدنها، والتي وجدن فيها ملاذاً آمناً من عسف المجتمع وظلمه، وإنصافاً لحقوق أهدرتها القيم الاجتماعية والدينية وحتى القانونية القائمة على التمييز ضدّ النساء، حتى بادرن إلى طلب الطلاق كخطوة يُردن من ورائها السير في دروب حقوقهن وحياتهن بعيداً عن الظلم والقهر والعنف بكل تلويناته وأشكاله، وأولها تعنّت الزوج ورفض المجتمع لمسألة الطلاق التي أباحها الشرع، واعتبار المطلقة إنسانة لا تحظى بالتقدير الاجتماعي، بل هي دائماً مثار شكوك واتهامات حتى من أقرب المقربين. وكثيرات من كنّ يُعانين من ضرب مبرح يلون خريطة الجسد وهنّ صامتات، وحين هاجرن لجأن للشرطة والقانون حين مارس الزوج ساديته المعتادة، وفيما مضى كنّ يمتنعن عن إبلاغ الشرطة في بلدهن خشية المحيط الاجتماعي.
فحين تعيش النساء في مجتمع يقيم عليهن حدوداً متعددة تنتقص من إنسانيتهن قبل أن تنتقص من حقوقهن، فلا ريب أنهن سيتطلعن إلى منفذ يعينهن في الحفاظ على بقايا إنسانية غالباً ما تجعلهن في عداد الأحياء فقط من أجل القيام بمهامهن الملقاة على عاتقهن كالإنجاب والتربية وباقي المسؤوليات الأسرية، بينما هنّ في الحقيقة أشباه نساء على هامش الحياة برمتها رغم أهمية وعظمة مهامهن التي يُلقيها عليهن المجتمع بنظرة دونية إلى تلك المهام، وهنا سرّ تخلف المجتمع الذي لا يرى في تربية الأجيال مهمة عظيمة تحتاج إلى فكر حرّ واستقلالية وجرأة يمنعها عن نسائه.
وحين تكون النساء في بلد رغم أنه دخل الألفية الثالثة، ما زالت قوانينه مستمدّة من أحكام تعود للقرن التاسع عشر في أكثر العلاقات الاجتماعية حساسية، وهي العلاقة الأسرية بكل ما تتطلبه من حقوق وواجبات (قانون الأحوال الشخصية) وتُجيز تلك الأحكام تزويج الطفلات، كما حصل مع هذه السيدة التي تريد أن تقاضي أباها وزوجها، معتبرة أن الأول باعها والثاني اغتصبها، لأن الأمر تمّ دون موافقتها، ودون أدنى احترام لطفولتها التي شوهها واغتالها وأرهقها زواج عاثر، مثلها مثل غيرها ممن عشن معاناة رهيبة في ظل طلاق نفسي وروحي مستتر ومسيّج بزواج ظاهري غالباً ما يرفض الزوجان والمحيط الأسري انفكاك عراه خشية النظرة الاجتماعية وقيمها، مما استدعى بعضهن للانفصال حين سمحت لهن ظروف وقوانين المجتمعات الجديدة التي هاجرن إليها، والتي تعتمد أساساً على حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بتلك الحقوق كاتفاقية السيداو الخاصة برفض العنف والتمييز ضدّ المرأة.
وفي هذا المضمار يحضرنا المثال الراسخ في المجتمعات العربية عموماً، وهو لجوء الشباب إلى الغرب حين يرغبون بالزواج من خارج الطائفة أو الدين أو القومية، وباستقلالية تبعدهم عن إجبار أحد الطرفين على اعتناق دين الآخر مثلاً، فيلوذون بالزواج المدني في الغرب هرباً من قوانين جامدة أصولية لا تعترف لا بضرورة الزواج المدني ولا بالإنسان وحقوقه التي تتطلبها الحضارة البشرية.
قد يقول البعض ممن لا يرون في الغرب سوى مجتمع منحلّ يسعى إلى تحلل مجتمعاتنا من قيمها، إن في هذه الطروحات دعوة وتأكيد لما يريده ويسعى إليه الغرب. لكن المسألة ليست على هذا المستوى المفترض، بل هي مسألة حقوق إنسانية ترفضها مجتمعاتنا في الوقت الذي تغتال فيه إنسانية الرجل والمرأة على السواء، حين تقيّدهما بزواج فاشل خالٍ من المودة والتفاهم والاحترام بدعوى الحفاظ على القيم الاجتماعية والدينية، في حين أن الزوجين ومعهما الأطفال يهدرون أعمارهم وقدراتهم العقلية والجسدية والنفسية والروحية في محاولة لترميم ما يمكن ترميمه في أسرة متهالكة، بدل أن يسعى أولئك الأفراد لتطوير أنفسهم وقدراتهم وملكاتهم في اتجاهات أخرى أرقى وأكثر فائدة للفرد والمجتمع معاً. في حين أن الغرب يسعى دوماً وفي كل قوانينه وتشريعاته للارتقاء بالإنسان والحفاظ على حقوقه من أجل ارتقاء المجتمع لاحقاً.
فهل للهجرة أن تكون مجالاً لمحاولة تعديل نمطية التفكير الشرقية في تعاطيها مع المرأة والمجتمع والقانون، مثلما هي ملاذ للنساء من دوامة العنف والتمييز والاضطهاد..؟