جميل مطر - مصر - " وكالة أخبار المرأة "

قرأت نبأ الزوج الذى اكتشف صباح اليوم التالى لزفافه أن زوجته ليست جميلة كما رآها ليلة العرس. اتهمها بالغش وخيانة العهد ونقض العقد. لم تعتذر، فقتلها.
* * *
جدد النبأ فضولا رافقنى سنوات بل عقودا. لا أذكر أننى عرفت سيدة أو آنسة، قريبة كانت أم غريبة، لم تمارس الاعتذار بكثرة. كدت من فرط ما سمعت ورأيت، من اعتذارات نسائية ان اعتبر الاعتذار هبة من الخالق وهبها للمرأة وحرم منها الرجل. اكتشفت السيدة آرنيت كما جاء فى مقال نشرته قبل أيام فى موقع «صالون» الإلكترونى، أنها تعتذر بمعدل خمس عشرة مرة كل يوم، وأنها بقليل من الملاحظة تأكدت أن هذا الرقم معتاد فى سلوك النساء عامة. أنا نفسى لم أتردد فى الموافقة على الرقم فقد لاحظت على مر السنين هذه الظاهرة وراقبتها بفضول شديد.
* * *
يكون الاعتذار كما نعرفه فى العادة مقصورا على كلمة معينة. مثل اعتذر أو أنا متأسفة. تعرفت خلال الملاحظة على صيغ أخرى. أصبحت ألمح الاعتذار النسائى فى سعلة قصيرة ومهذبة وبما لا ينتبه إليها إلا الشخص المعنى بالاعتذار. ألمحه أيضا فى تنكيسة رأس أو إيماءة سريعة أو تسبيلة عينين أو غمزة ذات مغزى من عين واحدة. أستطيع الجزم بأن أيا من هذه الأفعال لم تحمل أى معنى لانكسار أو هزيمة أو شعور بنقص وعجز. لمحت الاعتذار كذلك فى ربتة بالكف على كتف أو لمسة بأنملة على خد وذراع أو فى حضن مباغت. هناك منهن من تعتذر لزوجها بالامتناع عن استخدام محرك القنوات فى وجوده، أو بتنويع أصناف أطباق العشاء وتسخينها مرة وأخرى وترطيب الأجواء بحلو الكلام قبل حلول موعد النوم.
* * *
نرى نساء يعتذرن عن عدم عرض اليد للتحية على رجال، ونساء يعتذرن وهن مصرات على مد اليد للتحية. يعتذرن إذا قام من مقعده رجل فى حافلة ركاب، أو نهض رجال عديدون عند دخولها حفلا أو لقاء مشتركا. مرات عديدة سمعت أو رأيت اعتذارات من سيدات تصادف جلوسهن على المقعد الأوسط فى كابينة الدرجة الاقتصادية فى طائرة، يعتذرن عن شىء لم يحدث أو عن حركة غير مقصودة تنم عن قلق يصيب من يجلس فى هذه المقاعد، وعن خشية من ان تكون مصدر ازعاج لرفيقيها فى الرحلة.
* * *
يدفعنى للانتباه ميل كثير من النساء للاعتذار عن أمور تتعلق بالجسد. لم أكن أفهم، وان كنت أتفهم، حساسية النساء تجاه هذه القضية. هى دائما منتبهة لما ترتديه وما يصيب ملابسها من تشوهات أو تغييرات خلال زيارة أو عمل. دائما تعتذر بالحركة والإشارة وليس بالصوت عن انحناءة لالتقاط شىء من الأرض، ودائما تعتذر بالإشارة أيضا وليس بالصوت عن ارتدائها «جونييلا» قصيرة أو فستان واسع أو حذاء ضيق. الشائع على كل حال، أنها تعتذر مرات أكثر من مرات اعتذار الرجل عن الذهاب لدورة المياه. بل أظن أننى لا أسمع كثيرا رجلا يعتذر إذا راودته ضرورة الذهاب لقضاء الحاجة، بينما أثق فى ان المرأة تعتذر فى السهرة الواحدة ثلاث أو أربع مرات لزيارة الحمام.
* * *
تعرف المرأة أنها عندما تجلس على أريكة، فإنها تفضل ان تحتل مساحة أكبر من المساحة المخصصة للضيف العادى. كعادتها، تحب المرأة أن تكون حرة فى مساحة مريحة، ولذلك تلجأ إلى الاعتذار قبل أن تجلس وبعد أن تجلس وكلما تحركت. تعتذر مرتين لمن يجلس بجانبها إن بدا عليه أنه غير مرتاح فى الحيز الضيق المحشور فيه، وهو ما تفعله عادة عندما تمشى على رصيف فتتحرك يمينا ويسارا حتى لا يصطدم بها القادم أمامها، تتحرك وهى تعتذر، بل نراها أو نسمعها تعتذر عندما يفسح الرجال لها ممرا لتدخل منه إلى المصعد أو لتخرج. فى المنزل هى تعتذر دائما، تعتذر عن صخب الأطفال والفوضى التى يتسببون فيها، وتعتذر عن مرضهم ورسوبهم وزلات لسانهم، وعن بكاء الرضع منهم خلال الليل.
* * *
هناك أكثر من رأى حول الظاهرة أو لعلها عادة أصيلة. يقولون ان المرأة باعتذارها المسبق تكسب رصيدا ضد محاورها، وتفلح غالبا فى تنفيس أبخرة الرجال الذين تتعامل معهم أو تدخل معهم فى نقاش أو خلاف أو فى مراحل متعددة فى العلاقات. استشرت صديقات قلن إن الاعتذار المسبق يمهد لمفاوضات ناجحة إذ يكشف عن استعداد للتراضى والتوصل إلى حلول وسط، وفى رأى أخرى، فالاعتذار أسلوب عبقرى لجأت اليه المرأة لجر رجل الطرف الآخر، لأنها بهذا الاعتذار تسلبه بعض أسلحته التى يأتى إلى اللقاء أو الحوار مدججا بها.
* * *
أعتقد أن اعتذارات المرأة المتكررة دليل مضاف على حكمة وحنكة. بشكل ما هى ترد بالاعتذار على اتهامات ذكورية تقليدية بأن النساء غيورات وسريعات الانفعال وفى إصدار الأحكام ومندفعات وهجوميات وبخاصة إن شعرن بالخطر أو التهديد. هى أيضا، أى المرأة، تحسب حساباتها جيدا، تحسب تكلفة الاعتذار من هيبتها ومنعتها فى مقابل عائد عدم الدخول فى خلاف أو نزاع، وتحسب أهمية «تحييد» العدو أو الخصم قبل الدخول فى مواجهة. لاحظ أيضا أنها ربما كانت مثل الأطفال، هؤلاء يعتذرون ليس عن ما فعلوا ولكن عن تسببهم فى إغضاب أهاليهم.
* * *
من حق المرأة أن تحصل على نصيبها من الاعتذار، ولا يفيد استمرار التعالى الذكورى الذى يرفض الاعتذار حتى وان كان الخطأ أو الجرم واضحا. لدينا مثال على امرأة استحقت ان نتوجه إليها باعتذار، نيابة عن آلاف الصديقات والأصدقاء المصريين، بل نيابة عن كل المتحضرين من أبناء شعب مصر، هذه السيدة هى الدكتورة آمال قرامى أستاذة علم الاجتماع بجامعة منوبة التونسية وصاحبة المقال الأسبوعى المتميز فى صحيفة «الشروق»، المدافعة عن العدالة والأمن والاستقرار والمناضلة ضد الإرهاب وبخاصة الفكرى وكل أشكال التعصب الدينى والمناهضة للفساد. استجابت بكل النوايا الطيبة لدعوة من مكتبة الإسكندرية ومؤسسة الأزهر للمشاركة فى مؤتمر لمكافحة الإرهاب، فاحتجزها «مسئولون أمنيون» فى المطار واجبروها على العودة من حيث أتت. رافقها فى الطائرة مسئول امنى مصرى وسلمها لمسئول امنى تونسى ابلغها على انفراد أن الأمن التونسى لا علاقة له بالأمر وهى حرة فى حلها وترحالها.
كنت اعددت اعتذارى لإرساله للسيدة آمال فى المطار مع اعتذارات أخرى عن احتجازها واهانتها ومعاملتها كإرهابية فإذا بها، كعادة النساء، تفاجئنا بإرسال اعتذار عن عدم استطاعتها الوفاء بالتزامها الالتقاء بأصدقائها فى مصر. سبقتنا باعتذارها فكسبت نقطة وخسرنا قضية.