الأديبة والكاتبة الصحفية: سناء أبو شرار - الأردن - " خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

هل توجد فعلاً معوقات للإبداع؟ أم أن الإبداع عملية تلقائية تُولد مع المُبدع ثم تتبلور عبر المعرفة والإصرار رغم كل المعوقات؟ وهل مجتمعنا العربي بسماته النفسية والثقافية وأزماته المتعددة يُعتبر من أكثر المجتمعات إخماداً للعملية الإبداعية؟
أسئلة لا حصر لها لموضوع متشعب متعدد الزوايا والإتجاهات، ولكن كل التساؤلات تنصب في مجرى أساسي وهو مكان الإنسان من العملية الإبداعية، وإن كانت هذه العملية إرادية أم أنها عفوية تلقائية حتى رغم إرادة المُبدع نفسه. هناك أنواع متعددة للإبداع تبدأ من المراحل الدراسية الأولى وتمتد إلى كل سنوات حياة أي منا؛ ولكننا في عالمنا المعاصر حصرنا الإبداع في الأدب والفنون وبعض أنواع العلوم المتعلقة بالإختراعات ، وأغفلنا بأن هناك إبداع إداري ومالي وثقافي وحضاري ، بل إبداع يمكن أن يمارسه أي منا في بيته ومع علاقاته مع أفراد اسرته. من المنظور الانساني الشامل، وجود الإنسان بأكمله عملية إبداعيه أوجدها الله تعالى في ذات كل منا، وكلما تطور فهم الإنسان لذاته ولقدراته كلما تطور هذا الإبداع الشخصي والمتفرد لديه؛ ولربما تكون المجتمعات الغربية هي أول من أعترف بان الإبداع قد يتواجد بكل جزء من حياة الانسان عبر رفضه لما هو تقليدي ومكرر، وقد يبدو للبعض بأن هذا يتنافى مع المفاهيم الدينية التي ترفضها شرائح واسعة من المجتمعات الغربية، ولكننا وحين نقرأ النصوص الدينية بصورة متعمقة في القرآن أو السنة نكتشف مدى حث الدين لكل فرد على أن يكون مبدع، متأمل منسجم مع ذاته ومع مجتمعه وان يكون أداه في تطور هذا المجتمع من كل الزوايا وليس فقط الناحية العلمية أو المادية.
ولكن ومن الناحية العلمية هناك فعلاً معوقات للإبداع خصوصاً بالنسبة للكاتب، وأكبر معوق للكاتب هو أن يكتب لأجل هدفٍ ما ، أن يكتب وهو يرصد ما قد يفكر به من يقرأ له ، لأن الإبداع عملية أبعد ما تكون خاضعة للتحليل المجهري للقاريء أو الناقد، هي تتم في الطبقات الشفافة والعليا للكاتب ولا تخضع لمقاييس أرضية تحليلة، أن يكتب الكاتب وفقاً لبرمجه مُسبقة في تفكيره الواعي يعني الشلل للعلمية الإبداعية، وبهذه الحالة يكون عمله ليس عمل إبداعي بل إنتاجي لأنه تم وفق منظومة مُبرمجه مُختزلة مُسبقاً في أفكاره ومشاعره. الإبداع يعني القدرة على الإنطلاق مما هو روتيني ، هو قدرة الكاتب على التفلت من عقلة الواعي ليترك المجال لعقلة اللاواعي ولروحه الصامتة بأن تكتب الحروف وأن ترصد الأفكار ليس بهدف حصد الجوائز و لا سماع كلمات التقدير ، بل لأجل المتعة الأدبية والفكرية بحد ذاتها؛ أن يجلس الكاتب خلف طاولته الصغيرة وحيداً مع قلمه وأفكاره وأوراقه ولكنه في الحقيقة ليس خلف طاولته الصغيرة بل في عوالم أخرى يرسمها بأفكاره وتنقله إلى فضاءات أبعد من وجوده المحدود؛ حتى في الإختراعات العلمية الكبيرة ، لم تكن لتوجد لولا خيال خصب وهروب من معادلات واقعية مكررة.
ربما يكون أحد أعداء الإبداع الأشد ضراوة هو الفقر، لأن الفقر يُجبر الفقير ولو كان مبدعاً على أن يحيا في عالمه الواقعي الضيق والصعب، الفقر لا يسمح للمبدع بالتحليق لعوالم اخرى لأنه مُكبل بمشاعره وأفكاره بأن يلبي حاجات أساسية تتلاشى بجانبها حاجات تعتبر كمالية بل وترفيهية في عالمه الفقير، فيمضي متجاهلاً لها لأنها ببساطة ليست جزء من عالمهُ؛ ولكن ورغم ضراوة الفقر، هناك نماذج عظيمة لفقراء أبدعوا، بل كان إبداعهم سطوراً من نور في تاريخ الانسانية، وهم فئة من البشر حاربوا الفقر بإرادة الوجود والبقاء والصمود ، لأنهم أدركوا وبإعماق أرواحهم وذواتهم وعقولهم بأنهم اصحاب موهبة وأنهم لديهم ما يستحق أن يتم تقديمه رغم كل الظروف، لم ينتظروا الأموال ولا الإطراء لأجل أن يعبروا عن إبداعهم، بل تحول الإبداع إلى طوق نجاه، فأصبحت أعمالهم تفوق القدارت البشرية العادية ، لأنها هذه  الشعلة المضيئة هي التي تغير وجة الانسانية، هذا الإدراك الدفين بأن المبدع  يقدم شيء ما لأنه يحتاج لأن يقدمه لكي يستطيع أن يبقى على قيد الوجود لا على هامش الحياة. الإبداع يبدأ بأن يكون مجرد هواية، مجرد ميل لشيء ما وحين يكون صادقاً ومدعوماً بإرداه صلبة تتجاوز حدود تفكير البشر التقليدي والروتيني يتحول إلى نمط حياة خارج عن المألوف ، نمط حياة لا يحياه سوى المبدع فقط ولا يمكن لأحد أن يشاركه هذه الحياة لأنه ببساطة لا يحتاج لأحد لمشاركته بهذه الحياة المتفردة المشرقة والتي تمنح لاحقاً هذا الإشراق لكل من حولها.
ويبدو أن المجتمع والمدرسة بمجموعة القوانين التي تمت مراكمتها عبر سنوات طويلة يُسهمان في إضعاف الإبداع حتى لدى الطفل، ويبدو أن مجتمعنا العربي من أشد المجتمعات كبحاً وإن لم نقل قتلاً للإبداع، لأنه مجتمع يجد صعوبة كبيرة بقبول أي تغيير، والتغيير المعاصر الذي طرأ عليه هو تغيير مُستمد من وسائل الإعلام المتلفز ومن الإنترنت والمجلات النسائية ؛ ولكنه ليس تغيير مدروس، ولا تغيير مبني على أسس ثقافية وعلمية تحترم قدارت الفرد وذكاءه، بل هو مجموعة من أنماط ثقافية متناثرة في أرجاء العالم تقمص منها المجتمع العربي أكوام من المظاهر التي ساهمت في ضحالة التفكير بل والإنجراف في تيارات تسعى نحو المزيد من الإستهلاك، المزيد من المظاهر ، المزيد من الجمال، المزيد من كل شيء عدا عن المزيد من القيمة الحقيقة للإنسان.
الإبداع بالنسبة للطفل بشكل خاص لا يتم إلا بتحريره ولو لوقت قصير يومياً من قيود تحد من إنطلاق تفكيره ومشاعره، وأن تدرك المدرسة بأنه بحاجة لهذا الإنطلاق كي يؤسس لشخصية مُبدعة لا يكون كل همها تطبيق القانون والإبتعاد عن الخطأ ، لا يكون همها المزيد من النجاح لأجل المزيد من المكافأت. ثم تتحول إلى شخصية أخرى مكررة بين آلاف الأشخاص يتشابهون في التفكير والرؤيا والطموح والذي جميعه ينصب في السعي وراء الإمتيازات وتجنب العقوبات.
نحن بحاجة للإبداع ليس فقط في عالم الفنون بل بكل جزء من حياتنا، لا يزال المجتمع العربي يقتبس الجزء الأكبر من الأفكار المُستحدثة من العالم الغربي، لا يزال هناك مكبح ثقيل يضغط على خيال المفكر والمخترع والكاتب العربي؛ بما يجب أن يكون وما لايجب أن يكون، هل سيكون إنتاجه محل إعجاب أو إنتقاد؛ لا يزال سجين منظومة المجتمع ، حتى ولو رغب بالإبتعاد عنها فلن يغادرها سوى ببعض الأمتار ثم يعود سريعاً لقوقعته الدافئة. الإبداع يعني ألا تخجل أن تبدو غبياً أمام الآخرين، ألا تخجل حين ينتقد الجميع ما كتبت ولكن أنت تحب ما كتبت، الإبداع هو تلك القدرة الجميلة بأن تتحمل مسؤولية الهروب بعيداً عن الأنماط المكررة والزوايا المُعتمة ؛ إن لم يكن الإبداع هو تلك العلمية التي تحرر العقل من المألوف والروتيني فهو ليس إبداع، إن لم يستطع الإبداع أن ينقل الطرف الآخر إلى عوالم اخرى غير عوالم الواقع المحدود فهو ليس إبداعاً. ربما يكون الإبداع وببساطة هو نظرة التأمل التي ينظر بها القاريء أو المشاهد لعمل إبداعي، أن يتوقف للحظة ويقول لنفسه أو للقاريء أو للفنان، هنا أريد أن أتوقف وأفكر قليلاً.