تونس – فؤاد سعدي - " وكالة أخبار المرأة "

تحتفل المرأة كل سنة بعيدها العالمي (13 آب/ أغسطس) لتفتخر بمكاسبها والمطالبة بحقوق جديدة. لكن المرأة التونسية وعلى رغم تقدّمها في مجالات شتى، فثمة فئة واسعة تحتفل بهذه المناسبة وسط مكبات وحاويات النفايات بحثاً عن قوارير بلاستيك.
بين أزقة المدينة المظلمة (القصرين غرب البلاد) ومع مواء القطط ونباح الكلاب، تختلس نسوة لينطلقن نحو حاويات القمامة بحثاً عن هذه العبوات لكسب قوتهن.
تتحدّث مفيدة (33 سنة، زوجة رجل مقعد وأم لثلاثة أطفال) بفخر ومرارة، وهي تسرد محطات يومها: «أستيقظ عند الثانية فجراً لأعدّ طعام الفطور لأبنائي وزوجي وأنظّف المنزل، أتناول بدوري قليلاً من الخبز وأحياناً كثيرة لا أجد وقتاً لذلك. إذ أغادر تحت جنح الظلام وأنطلق مع زميلاتي في رحلة عملي اليومي». وتضيف واصفة ظروف عملها: «نجمع قوارير البلاستيك من القمامة ونجتاز يومياً مسافات طويلة بين الأزقة وفي الشوارع. مهنتنا محفوفة بالأخطار، خصوصاً أننا نساء لا حول لنا ولا قوة، ففي أحيان كثيرة نتعرّض لمضايقات من منحرفين، أو لخطر لدغ الزواحف التي تتخذ من هذه الأماكن الخالية مأوى لها، هذا فضلاً عن الأمراض التي تصيبنا نتيجة ملامستنا فضلات». وتوضح مفيدة أنها لجأت إلى هذه المهنة «بسبب الفقر». وتتابع: «نحن لا نحظى بأبسط حقوقنا كالتغطية الاجتماعية والصحية، فزوجي المقعد يحمل بطاقة علاج مجانية لا قيمة لها، وفي معظم الأوقات أسدد مصاريف العلاج والأدوية».
أشرف من التسوّل
من جهتها، تعتبر فاطمة (47 سنة) التي تكدّ لكسب قوتها وتأمين حاجات أطفالها الستة، أن هذا العمل «أشرف ألف مرّة من التسوّل والسرقة»، مشيرة إلى أن نظرة المجتمع إلى مثل هذه المهن ملؤها الاحتقار، إذ «نتعرض يومياً لشتّى أنواع الإهانات. لكن هذه التصرّفات لا تعنيني مطلقاً، وكرامتي محفوظة، فأنا لا أطلب صدقة من أحد». وأضافت بصوت فيه الكثير من الألم والخوف: «الخطر الحقيقي بالنسبة إلي هو انقطاع أطفالي عن الدراسة ما يجعلني أخوض في هذه المهنة من دون خوف من أخطارها الاجتماعية والصحية».
وعود زائفة
وتشكو زهرة (31 سنة) من ظروف المعيشة القاسية وعدم قدرتها على إعالة والديها، خصوصاً أن «الدولة لا تمدّ لنا يد المساعدة. قدمت طلبات إعانة كثيرة ودائماً ما كنت أتلقى وعوداً زائفة». وتتعرّض لاستغلال مسؤولي نقاط تجميع العبوات والقوارير «التي تشتري منا ما نجمعه بأسعار زهيدة، كما أن الوسطاء أشد استغلالاً». وتنشط في هذه المهنة عائلات كثيرة يجمع أفرادها البلاستيك والكرتون وكل مادة قابلة لإعادة التدوير. وبعض متعهدي الجمع والتوضيب لا يحملون ترخيصاً من الوكالة التونسية للتصرّف بالنفايات، وينشطون في شكل غير شرعي لمزيد من الكسب على حساب الفقراء.
ويلفت منير مرايحي (مدير أحد مراكز التجميع) إلى أهمية هذه المهنة ودورها في الحفاظ على البيئة وفي الاقتصاد الوطني، ويقول: «يبذل هؤلاء العمال مجهوداً جباراً للحفاظ على المحيط. ونعلم خطورة المواد البلاستيكية، خصوصاً على البيئة، نظراً لصعوبة تحللها في التربة. نحن نملك ترخيصاً من الوكالة التونسية للتصرّف بالنفايات»، موضحاً أن المشكلة تكمن في أنه لا يوجد قانون خاص يؤطر حقوق العمال المياومين، أي لا وجود لتغطية صحية أو اجتماعية، وهي مسألة لا شأن لمركز التجميع بها وإنما هي من مسؤولية الوكالة ووزارة الشؤون الاجتماعية. كما أن الوسطاء الذين لا يحملون ترخيصاً يشترون ما يُجمع بأسعار بخسة جداً ويبيعونه إلى مراكز التجميع، ما يجعل العمال عاجزين عن دفع بدلات التقاعد وبالتالي يحرمون من التغطية الاجتماعية والصحية.
واعتبر المرايحي أن الحل يكمن في تأطير قانوني من طرف الدولة التونسية لمثل هذه المهن، فهي لا تتبع البلديات وستظل مهنة مهمشة إذا لم تسنّ قوانين تنظمها وترفع عنها مظالم الاستغلال والسرقة التي يقوم بها الوسطاء.
يذكر أن «وكالة التصرّف بالنفايات» تتبع وزارة البيئة، وتشرف في شكل مباشر على جمع النفايات الصلبة لإعادة تدويرها ضمن خطة واضحة المعالم تحرص على الجانب البيئي، الاقتصادي والاجتماعي.
مهنة هشة
من جانبه، أكّد مدير مروان غرسلي مركز التغطية الاجتماعية والصحية، أنّ هذه المهن هشة ولا يستطيع ممتهنها دفع رسوم التغطية الاجتماعية، علماً أنها زهيدة مقارنة ببلدان أخرى (10 دولارات شهرياً). وقال أن «الوزارة مهتمة بهذا الموضوع من خلال إعانة الأسر المعوزة بمساهمات شهرية إلى تزويدها ببطاقات علاج مجانية في المستشفيات الحكومية».
واستدرك غرسلي مضيفاً: «لكن هذه الإعانات لا تشمل العائلات الفقيرة كلها، نظراً لعجز الدولة عن ذلك. وما يقدّم يقرّ في ضوء مسح اجتماعي ليستفيد من هذه المساعدات الأشخاص الأكثر استحقاقاً وحاجة».