الكاتبة الصحفية: الثريا رمضان - تونس - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

منذ سنوات وأنا أبحث عن الحكمة في ما يحصل بداخل رأسي الصغيرة، كتلة من الإنجازات الخفيفة والثقيلة، كُوَر سوداء وبيضاء تتراكم بداخله دون أن أتحاسب معها. يوم وقفت أمام وجهي، رأيت انعكاساتها عليه، رماد على جنبات فمي، أخاديد تستبيح جلدي، وصور تعجّ بها عيني، البعض أعرفها والبعض أنكرها، والبعض يلفّها الضباب كأنّها كانت، ولم تكن.
سنوات من الوقوف أمام المرآة كلّفتني الكثير، تخلّيت عن ثلاثة أرباع رأسي، والبقيّة تركتها تحت المراقبة المشدّدة. لا شيء يعجبني، أزن الأشياء على مهل فأترك نصفها على الرصيف وأمضي. لا شيء يربكني، كثلج الجبل المنسيّ في الخرافات. لا شيء يومض في صدري حركة سوى روتين الحياة. صرت بين بين، أصفّ خطاي على مهل على أرصفة الوقت، وأمشي مثقلة بما لا أدريه.
شيء ما ينبش رأسي الصغيرة، ينفض الغبار عن تراكمات العمر، يزيح الستارة عمّا كتمته من عقود. شيء ما، كأنّها طفلة صغيرة تركض بداخل رأسي، تمسك دمية العيد بعينيها المسماريتين الزرقاوين وجسدها الممشوق، تركض وإخوتها الخمس، يحملون فرحا عابثا بالفضاء المحصور داخل الأسوار العالية. الخروج للحي ممنوع، اللعب وفتيات وفتيان الحي ممنوع. تريد ركل الكرة؟ سنركلها سويّا، داخل سجن الأسوار العالية. تريد لعب الحجرات الخمس؟ سنرمي الحجر سويّا، داخل سجن الأسوار العالية.
كبرت يا أمّي، وكبر السجن داخل رأسي الصغيرة. كبرت يا أمّي، خرجت نحو الشارع، ركلت الكرة والحجر والمياه الراكدة مع أبناء الجيران وأبناء الصخرة المرسومة على خريطة. كبرت ولكنني مازلت أحمل داخل رأسي رهبة من أن تريْني ألعب خارج السرب، أركض في أزقة المدينة حرّة، وأطفال الحيّ المجاور.
منذ سنوات رحلت من بين أصابعي، كنت أحشد الحرف بجانب الحرف لأكوّن جملة عن الورد، لعلّ الورد ينصفني بعطره. منذ سنوات خلت، كنت أنظم القوافي عن النور لعلّ النور يشقّ طريقه نحو بيتي. مضت السنوات يا أبتي طويلة، كحبل يلتف حول جيدي، ينشدّ من الطرف إلى الطرف يريد اختناقي، حتى صرت أنظم الأبيات عن رأسي الصغيرة، وصورة وردة أخرجتها من قاعه.
كلمات لست أدرك أصلها تأتي على مهل لتدخل بين السطور، أحاول فكّ الرمز تلو الرمز حتى مللت لعبة الكلمات، فلبست رداء القدّيسين في صيامهم. وحدي في صومعتي أجثو على ركبتيّ يداي تحصران الهوى بينهما. صمتا، أحاول ترتيب ما احتشد داخل رأسي الصغيرة. بين بين، والخطيئة تلبس الفكرة الجاثمة تحت ركبتيّ، ومازلت أحاربها كي لا يقرص الكلام شفتيّ وأعود عن صومي.