الجزائر - " وكالة أخبار المرأة "

تحولت الحياة اليومية للمرأة الجزائرية إلى صراع مع الوقت، في ظل ثقل المسؤوليات التي تفرضها عليها متطلبات حياة شاقة ومتعبة، واستقالة الرجل بعد أن أقحمها في أغلب مهامه، حيث أصبحت تتسوق وتأخذ الأبناء إلى المدرسة وتدفع فواتير الماء والكهرباء، بل وتتولى بنفسها مسؤولية غسل وصيانة المركبة أيضا.
تحدثت "حياة. م"، اختصاصية أمراض أطفال، عن معاناتها مع الحياة لتؤكد أن اقتناءها سيارة زاد الطينة بلة، حيث أصبحت السائق الخاص بأبنائها الثلاثة، مضيفة "كنت أظن أن تشجيع زوجي لي على تعلّم السياقة وقبوله اقتناء سيارة خاصة بي كان من باب المحبة لا غير، وكان إحساسي، حينما حصّلت على سيارتي الخاصة، أنني نلت حريتي بتخلصي من التبعية لزوجي أو لأبي وأخي في إيصالي وقضاء حاجياتي.. لكن سرعان ما اكتشفت بعد مدة أن حريتي وهم، فيومي ينطلق كل صباح عند السادسة صباحا.. أحضر أطفالي الثلاثة للذهاب للروضة والمدرسة، بينما يتذرّع زوجي، وهو طبيب بعيادة خاصة في البليدة، باستحالة قيامه بذلك، لأتوجه بعدها إلى مقر عملي بالمستشفى".
وبعد انتهاء دوام حياة تضطر يوميا للتوجه لأقرب مساحة تجارية لشراء ما تحتاجه من مواد غذائية، ثم تصطحب أبناءها في آخر اليوم من المدرسة، وهنا تبدأ معاناة أخرى بتحضير العشاء وتنتهي بمساعدة أطفالها في إنجاز واجباتهم المنزلية، قبل الخلود إلى النوم خائرة القوى.
وتواصل المتحدثة: "أما زوجي، فيكون قلقا في آخر اليوم خاصة بعد أن قضى 3 ساعات في الازدحام المروري، وما يخفف من حالته مشاهدة التلفاز".
"تعبت لكن.."
عبارة اختصرت بها "سميرة. ب" يومياتها، فهي أم لشابتين وزوجة رجل أعمال يكبرها بسنوات، أمضيا سنوات زواجهما الأولى في التنقل بين الجزائر العاصمة وباريس، حيث كانت له تجارة يديرها، وتولت هي حينها تربية ابنتيها.. ليتغيّر شكل المسؤولية التي كبرت مع كبر زوجها ومرور السنين، حيث أصبحت تساعده على إدارة معمل النسيج الذي يملكه في المنطقة الصناعية بالبليدة، يتنقلان صباحا للمصنع ويعودان إلى البيت.
وبحكم معاناته مع المرض، أصبحت سميرة السائق الخاص بزوجها في تنقلهما إلى المصنع يوميا، كما كانت تتولى كل أمور البيت، من تمدرس البنات واصطحابهما صباحا إلى المدرسة لتعيدهما في آخر النهار.
وفوق ذلك، تتولى سميرة كل الأمور الإدارية، كاستخراج الأوراق الرسمية ودفع مستحقات الماء والكهرباء والهاتف، وتتولى ذلك دون تذمّر لأنها ترفض إثقال كاهل زوجها المريض، مضيفة "يحسدني الكثير على المال والجاه، لكنهم يجهلون أنني لا أملك لنفسي حتى حق الاستمتاع بهذا المال الذي حوّلني إلى آلة تخدم الجميع إلا نفسها وليس لها حق الاحتجاج.. حقيقة تعبت لكنني لا أستطيع الرجوع إلى الوراء".
تتوقف حياتي بين البيت والعمل والروضة
"يكفي أن تعلمي أنه لم يعد لي حق للاستمتاع بوقتي منذ رزقت بابنتي التي تبلغ حاليا ثلاث سنوات، فبين البيت والعمل وساعات أمضيها في زحمة المرور وأنا أرافق ابنتي للروضة صباحا ومساء.. تمضي حياتي"، هو ما جاء على لسان "نسيمة. خ"، طبيبة مختصة في أمراض النساء، التقيناها بأحد مستشفيات الجزائر العاصمة، أكدت أنها كانت تفضل أن تكون أمية وماكثة بالبيت لا تجيد السياقة ولا حتى أبسط العمليات الحسابية، لتربية ابنتها دون أدنى ضغط.
وأضافت أنها ليست الوحيدة التي تشكو هذا الوضع، بل كثيرات من زميلاتها في مهنة الطب وقريبات لها وهن إطارات بشركات وطنية وخاصة دائمات الشكوى من "عصرنة" رهنت حياتهن الشخصية والعائلية وجعلتها مجرد يوميات متشابهة، يمضي الوقت الكبير منها في خدمة الآخرين "مع إهمال تام لشخص المرأة التي تعيش بداخل كل واحدة منا".
للماكثة بالبيت رأي آخر
عدوى العصرنة مست حتى الماكثات بالبيت ومن بينهن صباح التي تحدثت إلينا بحسرة قائلة: "أضحيت خادمة بالمجان، أشقى طوال اليوم، فالكل يعتمد علي لأن لي متسعا من الوقت يكفي لتلبية طلبات أفراد عائلتي بدءا من الساعة السابعة صباحا، فزوجي يعتذر عن عدم تمكّنه من إيصال الأطفال إلى مدارسهم متذرعا بضيق الوقت ويردد على مسامعي دائما: "نتي راكي مريحة وصليهم في طريقك"، وحماتي التي تقطن بالقرب من مسكننا تلجأ لي في كل مرة مردّدة "يا ابنتي، من فضلك اصطحبيني إلى الطبيب"، لتجد محدّثتنا نفسها ضمن دائرة مغلقة، مشيرة إلى أن الحل الوحيد هو التخلص من السيارة "التي جعلتني خادمة للكل وبعدها تغيير نمط حياتي وفرضه على المحيطين بي".
ولا تتوقف "القائمة الطويلة" من مسؤوليات المرأة، فهناك من يوكل إليهن أزواجهن حتى مهمة غسل السيارة وصيانتها.