عمان - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "

لقد طالبت الحركة النسائية في الأردن منذ سنوات عديدة بتعديل و/أو إلغاء نص المادة 308 من قانون العقوبات الأردني ، وشاركت جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" في تنفيذ حملات بهذا الخصوص خلال العقدين الماضيين ولا زالت لإلغاء المادة 308 بإعتبار أنها تشكل عقوبة للمجني عليهن ، عقوبة مزدوجة ذات طابع إجتماعي ولكن بقوة القانون ، وأكدت هذه الحملات في مجملها على رفض هذه المادة بإعتبارها إنتهاك صارخ لحقوق النساء ، وتُعرّض المجني عليهن لمعاناة نفسية وجسدية شديدتي الخطورة على حياتهن.
وفي ظل الغياب الكامل لأصوات ضحايا الجرائم الجنسية واللواتي طبقت عليهن أحكام المادة 308، ولعدم وجود معلومات وأرقام دقيقة لإتجاهات الأردنيين والأردنيات والمختصين والمختصات حول المادة 308 ، فقد قامت "تضامن" بإجراء دراسة بحثية – وهي الأولى من نوعها في الأردن -  حول "الجرائم الجنسية ضد النساء- المادة 308 من قانون العقوبات الأردني نموذجاً" للوقوف على التأثيرات القانونية والإجتماعية والنفسية والصحية، الإيجابية منها والسلبية على النساء والفتيات من جهة وعلى الأسرة والمجتمع من جهة اخرى.
وتشير "تضامن" الى أنها وخلال الشهر الماضي وبناءاً على نتائج الدراسة البحثية التي قامت بتنفيذها، تم تشكيل التحالف المدني الأردني لإلغاء المادة 308، والذي يضم أكثر من 50 هيئة ومنظمة وجمعية من مختلف محافظات المملكة، وتؤكد على أن عدد أعضاء التحالف في تزايد مستمر.
وتؤكد "تضامن" بأن عينة الدراسة ممثلة لكافة شرائح المجتمع الأردني في كافة المحافظات ومن مختلف الأعمار والمستويات التعليمية، حيث شملت عينة الدراسة التي وزع عليها الإستبيان 850 فرداً من الذكور والإناث من بينهم 36 من الأشخاص ذوي الإعاقة وبنسبة وصلت الى 4.2% من العدد الإجمالي، فيما أظهرت النتائج بأن عدد المستجيبين/المستجيبات بلغ 771 وبنسبة إستجابة 90.7%، وتساوى تقريباً عدد المستجيبين مع عدد المستجيبات حسب الجنس حيث بلغ عدد المستجيبين 49.8% وعدد المستجيبات 50.2%.
وبسؤال عينة الدراسة عن تأييدهم لحملة بشأن المادة 308 من قانون العقوبات الأردني ، فقد أيد ذلك 70.8% وعارضه 13.5%، فيما أجاب 15.7% منهم بأنهم لا يعرفون. ونتيجة ذلك فإن تقريباً ثلاثة من كل أربعة أشخاص يؤيدون حملة تتعلق بالمادة 308 مما يشير الى أن غالبية المجتمع الأردني مع إلغائها.
كما بحثت الدراسة في أصل المادة 308 وجذورها الممتدة لأكثر من 150 عاماً في قوانين عدد من الدول الأوروبية ودول أمريكا اللاتينية ومعظم الدول العربية التي بدورها تأثرت بقوانين الجزاء العثمانية.
وتضيف "تضامن" بأن تطبيق قانون الجزاء العثماني لعام 1858 الذي إستمد أحكامه من قانون العقوبات الفرنسي لعام 1810 إستمر في الأردن أثناء الحكم العثماني وفي عهد الإحتلال والإنتداب البريطاني وبعد أن أصبح شرق الأردن إمارة.
وفي عام 1951 صدر أول قانون عقوبات أردني وهو قانون العقوبات المؤقت رقم 85 لعام 1951 ، وفي عام 1960 صدر قانون العقوبات الأردني الحالي رقم 16 لعام 1960 وتعديلاته المختلفة. ويشار الى أن قانون العقوبات الأردني إستمد العديد من أحكامه من قانون العقوبات اللبناني لعام 1943 والذي بدوره تأثر بالتشريع الجزائي الفرنسي.
وتشير "تضامن" الى أن الكثير من النصوص القانونية في قانون العقوبات الأردني أصبحت بحاجة الى تعديل مراعاة للمستجدات حيث أن الزمن قد تخطاها، ولا تتناسب مع الظروف الحالية ومنها المادة 308.
وتحديداً في مجال جريمة الإغتصاب فتعتبر المادة 206 من قانون الجزاء العثماني المعدل لعام 1911 والمستمدة أحكامه من قانون العقوبات الفرنسي لعام 1810 المصدر المباشر لنصوص الكثير من قوانين العقوبات العربية وعلى وجه الخصوص قانوني العقوبات اللبناني والأردني.
وتنص المادة 206 من قانون الجزاء العثماني :"سواء أكان بالقوة أو الإحتيال تم إختطاف شخص ذكراً أم أنثى فيعاقب الخاطف كما يلي: إذا كان المخطوف ذكراً ولم يتم الخامسة عشر من عمره يسجن الجاني من سنة الى ثلاث سنوات. وإذا كان الطفل المخطوف أنثى فيوضع الجاني في السجن مؤقتاً، وإذا إرتكب الجاني فعلاً فظيعاً فيوضع بالسجن مدة عشر سنوات كمكافأة له...وإذا كان المخطوف سواء ذكر أم أنثى قد أتم الخامسة عشر من عمره ، يعاقب الجاني بالسجن من سنتين الى ثلاث سنوات. وإذا عقد زواج بين الفتاة المخطوفة التي أتمت الخامسة عشر من عمرها والجاني توقف الحقوق العامة، أو بموافقة ولي أمرها إذا لم تكمل ذلك العمر.." 
كما وشكل قانون الجزاء العثماني الأساس القانوني للقوانين البريطانية الإستعمارية في الشرق الأوسط وتأثرث بها كل من العراق وفلسطين وإمارة شرق الأردن ومصر، كما أن قانون العقوبات في بغداد لعام 1918 والذي إستمر لعام 1969 والذي صاغته بريطانيا إشتمل على نص بإمكانية الزواج في حال الإختطاف ووقف ملاحقة المختطف .
وتشير الدراسة الى الإنجازات التي حققتها معظم الدول الأجنبية وعدد قليل من الدول العربية كمصر والمغرب في إلغاء النصوص المشابهة من تشريعاتها الجزائية منها والمدنية.
تعتبر الأنظمة الجنائية أو المدنية في دول أمريكا اللاتينية الأكثر تأثراً من غيرها من دول العالم بخصوص الإعفاء من العقاب في حال تزوج الجاني من المجني عليها. إلا أن ذلك لم يمنع من وجود دول أخرى لديها نصوص مشابهة مع الإشارة الى أن الكثير منها قد قامت بإلغائها، فقد ألغت كل من  كوستاريكا نصاً مشابهاً عام 2007، وألغته بيرو عام 1997، وألغته الأوراغوي عام 2006 وألغت فرنسا نصاً مشابهاً عام 1994 وإيطاليا عام 1981.  
وفي أحدث إلغاء لنص مشابه ، وافق مجلس النواب المغربي بتاريخ 22/1/2014 على إلغاء المادة 475 من قانون العقوبات المغربي والتي كانت تعفي المغتصب من الملاحقة القانونية في حال تم الزواج بالمغتصبة ، إلا أن الإستجابة الحكومية لمطالب الحركة النسائية لم تكن وليدة المطالبات المتكررة على مر السنين فحسب ، وإنما أيضاً نتيجة مباشرة لحادثة إنتحار الفتاة "أمينة فيلالي" وعمرها (16) عاماً والتي تعرضت للإغتصاب وأجبرت على الزواج من مغتصبها بموجب قرار قضائي. حيث أقدمت أمينة وقبل سنة واحدة وتحديداً في شهر آذار / مارس من عام (2012) على تناول سم للفئران لتضع حداً لحياتها التي رسمها لها المجتمع والقانون على حد سواء.
ويذكر أن جمهورية مصر العربية كانت من أوائل الدول العربية التي ألغت مادة مشابهه من قانون العقوبات المصري رقم 85 لعام 1937حيث ألغت في عام 1999 المادة 291 منه.
وفي هذ المجال تقول الناشطة المصرية مرفت أحمد أبوتيج  :"تنص المادة 291: كل من خطف بالتحايل او الاكراه أنثى أو بواسطة غيره يعاقب بالاشغال الشاقة المؤبدة ومع ذلك يحكم على فاعل هذه الجناية بالاعدام اذا اقترنت بها جناية مواقعة المخطوفة بغير رضائها. وأن بإلغائها اصبح هناك عقاب رادع لمن يرتكب هذه الجريمة وقد حكم على بعض مرتكبى هذه الجريمة باحكام رادعة مما ادى الى تدنى نسبة الاغتصاب المقترن بالخطف وزادت نسبة التبليغ عن مثل هذه الجرائم ولم يعد يشعر الكثير من الأسر بالعار من مثل هذا".
وأكدت توصيات وملاحظات اللجان الدولية على إلتزامات الأردن بموجب الإتفاقيات الدولية التي صادق عليها على ضرورة إلغاء نص المادة 308 من قانون العقوبات، فقد أعربت لجنة القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة عام 2012 عند مناقشتها التقرير الدوري الخامس المقدم من الأردن عن قلقها إزاء الأحكام التمييزية المتبقية في قانون العقوبات الأردني مثل المواد 98 و 99 و 308.
وفي أكتوبر من عام 2013 قدم الأردن تقريره الثاني الى لجنة حقوق الإنسان، وقد أيد الأردن بعد النظر في جميع التوصيات المقدمة من دول مختلفة 126 توصية من بينها 46 توصية تتعلق بتعزيز وحماية حقوق النساء والفتيات وهو ما يشكل حوالي 36% من مجمل التوصيات.
والتوصيات التي أيدها الأردن وتتعلق بالنساء والفتيات تتمثل في تعديل قانون العقوبات والتشريعات ذات الصلة لوضع حد للإفلات من العقاب وضمان حق الضحايا في العدل والتعويض ، وتعزيز التشريعات التي تحمي النساء والفتيات من الزواج القسري أو المبكر وتعزيز قانون العقوبات فيما يخص الإغتصاب لا سيما بإلغاء المادة 308 وتعزيز إنفاذ هذه التشريعات.
أما الملاحظات الختامية التي أصدرتها لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة حول التقرير الجامع للتقريرين الدوريين الرابع والخامس حول الأطفال الذي قدمه الأردن يومي 26-27/5/2014، وصدرت الملاحظات الختامية عليه بتاريخ 8/7/2014 ، فقد طالبت اللجنة وبقوة إلغاء جميع الأحكام القانونية التي تتغاضى عن الجرائم القائمة على نوع الجنس، خاصة المواد 97 و 99 و 340 و 345 مكرر من قانون العقوبات.
وفي ظل هذه المعطيات المحلية والعربية والدولية، فإن "تضامن" والتحالف المدني الأردني لإلغاء المادة 308 يطالبان الحكومة ومجلس الأمة الإستجابة للمطالب التي عبرت عنها الحركة النسائية في الأردن منذ سنوات، والوفاء بإلتزاماته خاصة أمام اللجان الدولية، والعمل سريعاً على إلغاء نص المادة 308 لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب ولتحقيق العدالة الجنائية للنساء والفتيات ولإنهاء النصوص التمييزية ضدهن في التشريعات خاصة قانون العقوبات الأردني.
يذكر أن  مشروع "نجاة – معاً لملاحقة الجناة وحماية النساء الناجيات من جرائم العنف الجنسي" بدعم من  الشعب الأمريكي ومن خلال المنحة المقدمة من برنامج USAID لدعم مبادرات المجتمع المدني والمنفذ من قبل منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360 وبتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). ويعتبر هذا المحتوى من مسؤولية "تضامن" ولا يعكس بالضرورة آراء الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) أو آراء الحكومة الأمريكية أو حتى آراء منظمة صحة الأسرة الدولية FHI 360.